قراءة في مصطلح الفساد


27/12/2018 14:15

محمد حطيني

يكثر الحديث عن مصطلح الفساد، وتردده على ألسنة الكثيرين.  والحقيقة أن هذه الكلمة "الفساد" تتعدد أوجه معانيها في صعد لغوية متعددة، مما يجذب الانتباه للحديث عنها وشرحها وما تقتضيه من دلالات ومعان في سياق موضع من الكلام ترد فيه في مجلة أو جريدة أو نشرة إلكترونية وغيرها.  من هنا وجدتني لزاما علي أن أخوض في هذا المصطلح ودلالاته ومعانيه حتى يتبين للقارئ كنهه وفحواه ومضمونه حيثما يلحظه ويقرأه.
 
بداية أشير إلى أن الفساد مصطلح يعني على صفة من التعميم الحالات التي يتم فيها التغول على مبدأ النزاهة. وتقول المعاجم بأن الفساد في اللغة من الإفساد ضد الإصلاح، وهو لغة الباطل، وعلى ذلك يقال عن الشيء إذا فسد، بطل واضمحل، ومنتهي الصلاحية أيضا.  هذه الكلمة تأتي في العديد من المعاني بحسب موقعها الذي تقع فيه.  
 
ويعرف مفهوم الفساد أيضا بأنه لعب ولهو والاستيلاء على المال على نحو ظالم دون وجه حق.  ويعرف قاموس أكسفورد الفساد بأنه انحراف أو تدمير للنزاهة من قبل شخص يتولى وظيفة عامة، من خلال قبض رشوة ومن خلال المحاباة، وتقديم الخدمة لأشخاص على حسب أشخاص آخرين لهم الأولوية في تلك الخدمة.  كما أن الفساد قد يعني التلف إذا ما أشار لسلعة معينة خاصة في حالة انتهاء صلاحية تلك السلعة، أضف إلى ذلك إن كلمة الفساد تعبر عن جميع النواحي السلبية في الحياة، وبهذا فإن هذا المصطلح بمفهومه العام يعني التغير من حالة مثالية إلى أخرى أقل منها، أي أن التغير هنا يكون نحو الأسوأ لا الأحسن.
 
وللفساد أنواع وتصنيفات، ومنها بمعنى البطلان ، وهناك الفساد الاقتصادي أو ما ترتكبه شركات أو تتعرض له من انحرافات مالية أو إدارية، مثل المكافآت التي تمنح لأشخاص معينين دون غيرهم لاعتبارات شخصية بالدرجة الأولى، وعدم التقيد بالضوابط والسياسات والإجراءات والأنظمة الداخلية التي تنظم سير العمل في الشركة أو المؤسسة وعملية التوظيف فيها وما شابه ذلك.
 
وقد يعني الفساد أيضا، الغش، على سبيل المثال، بيع سلعة غير صالحة للمستهلك من اللحوم والدواجن والخضار والفاكهة، أو التقليل من جودة سلعة معينة كما في حالة إضافة زيت الذرة على زيت الزيتون بهدف تحقيق مزيد من الكسب ببيع كميات أقل تبدو مكتملة بما أضيف إليها من مواد أخرى تخالف العناصر الغذائية في السلعة الأصلية.
 
من أوجه الفساد أيضا، الفساد السياسي، ويعني على وجه من التخصيص إساءة استخدام السلطة من قبل الأطراف الحاكمة لأهداف غير مشروعة مثل الحصول على الرشوة والاختلاس والابتزاز والمحسوبية والواسطة وغيرها.
 
والفساد له وجهان ثانوي أو صغير أو فساد ضخم.  أما الثانوي فقليلة وغير واضحة تأثيراته، فقد يتعلق بمبالغ صغيرة من المال أو بأشخاص لا يمتلكون نفوذا ملحوظا، ولكن هذا النوع من الفساد قد يؤدي على مدى أبعد إلى مشاكل كبيرة.  ويأخذ هذا النوع أشكالا منها دفع مبالغ للحصول على مقاعد دراسية أو ترقيات وظيفية أو تغيير قاض لعكس قرار محكمة.  أما الفساد الضخم فسلب تأثيره ومباشر وطويل أمده، لما يتضمنه من مبالغ كبيرة، وجنوح مسئولين كبار فيه.  من الأمثلة على هذا النوع من الفساد، اختلاس الأموال التي تهدف إلى إقامة مشاريع تخدم الشعب، أو زيادة مخصصات مالية لشخص معين، ومنح عطاءات إلى مؤسسات وشركات وأشخاص غير مؤهلين، وتسليم المشاريع والقبول باستلامها بالرغم من عدم استكمالها للمواصفات والمواد المطلوبة.
 
أما تصنيفات الفساد فمتشعبة ومتعددة، ومنها قلة الإحساس الوطني والأخلاقي، لنقص معين في الشخص أو في مستوى التعليم أو الجشع أو تجربة سلبية.  ومن تصنيفات الفساد أيضا الأطماع الشخصية التي تعكس حب البشر لامتلاك المال والجاه والسلطة دون رادع أو وازع أخلاقي.  
 
إن مما لا شك فيه، إن الفساد يمس كثيرا من جوانب الحياة، وفي حالة ترك دون علاج بمحاربته واستئصاله من شأفته، فإنه يشجع من يروق لهم الاستمرار بأعمالهم والتوسع فيه نتيجة لوجود بيئة حاضنة تعجب به وتشجع عليه، ولذلك، فإن وضع القوانين والأنظمة واللوائح الرادعة على مستوى الدولة يعد أمرا حيويا وهاما لمكافحة الفساد للحيلولة دون توسعه وانتشاره.