استعادةٌ «لأمّ سعد» الفلسطينيّة

استعادةٌ «لأمّ سعد» الفلسطينيّة
الصورة لغلاف رواية أم سعد، تصميم: اع

15-05-2024 04:17 PM

*
من المسلّم به الحديثُ عن "المؤقّت المستمرّ" في حياة الفلسطينيّ: المخيّم، المنفى، الاحتلال، الجدار، الحاجز، الهزيمة. مقابل استحضارٍ دائمٍ "للغائب" والمُفتقد. ومنذ ذلك اليوم الذي أصبح فيه مصطلح "النّكبة"، الخارجِ من معاجم اللّغة إلى حيّز تنفّس الفلسطينيّ، مصطلحًا فضفاضًا حمّال دلالاتٍ متغيّرة مع الوقت، وحسب الظّرف والزّمان، أصبح الفلسطينيّ، جبل المحامل، يَحمِل أو يُحمَّل وحده ثقل وزر ما جرى. لا يمكنني تجاوز ذاكرة المصطلح اللغويّة، فرغم أنّ قسطنطين زريق أوّل من استخدمه لتوصيف "الكارثة" و"الجريمة النّاقصة" في العام 1948. إلّا أنّ أوّل من أضافه إلى فلسطين هو الشّاعر المصريّ أحمد محرّم في قصيدته "نكبة فلسطين" المنشورة في العام 1933، وهو بهذا كان يستخدم أحد أشهر المصطلحات العربيّة في التّعبير عن الكوارث وخراب المُدن، إذْ استخدم هذا المصطلح في أشعار "ابن الرومي، وأبو العتاهيّة، ويحيى بن علي المنجم، وابن قيس الرّقيات" وغيرهم. واستخدم لوصف ما حلّ بالبرامكة على يد الرّشيد "نكبة البرامكة". وفي غالبيّة الاستخدامات كان يظهر نوعٌ من "القدريّة" و"الحتميّة" وتأتي مصاحبة لفكرة القبول والاستسلام؛ سواءً أكانت النكبة بفعل الطبيعة أو البشر. إذنْ؛ فالفلسطينيّ منذ العام 1948 وقف حارسًا للمعنى، ومغيّرًا للذاكرة اللغويّة للمصطلح، بحيثُ أخرجه من الالتباس وسوء النّوايا، وحمّله دلالاتٍ جديدة ذات طابعٍ استمراريّ. فالنّكبة "بنية مستمرّة" منشطرة ومتوالدة، أفرزت مأساةً كبرى هي الاستعمار الاستيطاني الإحلاليّ لأرض فلسطين، ومآسٍ صغرى يوميّة وفرديّة لازالت تحكم قبضتها على الفلسطينيّ.
وفي هذا الإطار. كان عليه، أيْ الفلسطينيّ، أن يخلقَ شخصيّاتٍ مفاهيميّة في أدبه، قادرة على الاستمرار والتّحرك داخل الإطار السّرديّ التّخييليّ وداخل الإطار الواقعيّ أيضًا، ليسَ بهدف إنتاج بكائيّة طويلة رغم مبرّراتها المرتبطة بعِظم "الفجيعة"، بل بهدف الحفاظ على ترابط الرّواية والتأكيد على آثار "البنية المستمرّة" لما جرى. ما أريد قوله أنّ ثمّة علاقة دائمة ومستمرّة وتبادليّة بين الشّخصيّات الفلسطينيّة المخلوقة على الورق من حبرٍ وكلام، وبين الشّخصيات التي تمشي بدمها ولحمها في أزقة المعنى الأرض، كـ"أحمد الزّعتر"، و"سعيد أبو النّحس"، و"صفيّة"، و..."أمّ سعد".
هل ثمّة علاقة بين "أم سعد" ولوحة "جبل المحامل" لسليمان منصور؟ طبعًا. هما الصّورة والمفهوم للمرأة الفلسطينيّة. أختار "أم سعد" اليوم لأنّها حاضرة بقوّة في تفاصيل النّكبة المستمرّة، حاضرة في شخص "شيرين أبو عاقلة" كأم معنويّة للحقيقة الفلسطينيّة، في أمّهات الأسرى اللواتي يرحلن، بالأمّهات في غزّة، والقدس، وطولكرم، وجنين. ما أعنيه هو أنّ شخصيّة "أمّ سعد" حافظت على حضورها الحقيقيّ والماديّ في سيرورة الحياة الفلسطينيّة بنفس الثبات والبساطة والتلقائيّة والتّجذر والتّضحية، تمامًا كما حافظ يحافظ "سعد" على وجوده المادّي فوق الأرض من خلال إيمانه بـ"الجدوى المستمرّة" لفعل المقاومة، ورغم الاختلاف البسيط والاضطراريّ بين "المارتينة" و"الكارلو".
أكتب كلّ هذا لأقول إنّ العلاقة التّبادليّة بين الشّخصيات أصبحت باتّجاه واحد. فلم يعد الفلسطينيّ قادرًا على نقل الشخصيّة من لحمها ودمها إلى الحبر والورق، كأنّه فقد القدرة على الكلام. بعد "أوسلو" تخلّى السّرد الفلسطينيّ عن "البطل"، واتّجه إلى خلق شخصيّات بلا ملامح أو البطل المضاد ( Anti-hero) السّلبي الذي لم يرقَ ليشكّل شخصيّة مفاهيميّة، رغم أنّه عكس بشكلٍ أو بآخر تشظّي المرحلة وسلبيّتها. فَقدَ الفلسطينيّ القدرة على الكَلام. إنّه يختنق بكلّ شيء حيثُ لم يعُد مجديًا كلّ ما قيل من شعريّة الهتاف، ومنبريّة الارتجال، وحتّى من الكوميديا السّوداء التي غلّفت كتاباته وكلامه منذُ فترة. كأنّه أصيبَ في مقتَل، فتجاوزَ "خبزنا كفافَ يومنا" حتّى. الكلامُ سرد. وسردُنا أصبح غرائبيًا لا يشبه واقعيّة المأساة. غرائبيًا بلا دهشة أو معراج. تخييليًا يجنحُ إلى السكوت والمسكوتِ عنه والصّامت. كأنّ سردنا لا يشبهنا.
في ذكرى النّكبة، على الفلسطينيّ أن يرجع لحراسة "نصّه"، واستكمال روايته الجمعيّة المتّصلة والمتواترة، لا أسأل "كيفَ نعيد كتابة النّكبة؟" لأنّني إلى الآن لم أجد إجابة وافية، بكل أسأل كيف لا نُكرّر ما قلناه يومًا ونقله "إبراهيم جابر إبراهيم": "الخيمة ضيّقة. ونحتاج خيمتين إضافيّتين". يوم نسينا ما قالته "أم سعد": "خيمة عن خيمة بتفرق".

 

* كتِبَ المقال في 15.05.2022، ونشر في "منصّة الاستقلال الثقافيّة"، وتتم إعادة نشره بلا تعديلات.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الولايات المتحدة تؤكد رغبتها في اتفاق مع إيران لكن ليس بأي ثمن

روبيو: دول الخليج لا تؤيد فرض أي رسوم على عبور هرمز

بدء صيانة طريق السلط من جسر الدبابنة حتى شارع الستين

التعليم العالي: دمج قبول أبناء العاملين بوزارة الصحة في نظام القبول الموحد

فيفا يفتح الباب أمام المنتخبات الروسية تحت 15 عاما للمشاركة الدولية

جرش: تخصيص موقعين داخل المدينة الأثرية لعرض مباراة الأردن والأرجنتين

وصول طواقم المستشفى الميداني الأردني نابلس/11

حجب تطبيقات التراسل في محيط قاعات التوجيهي أثناء انعقاد الامتحانات

السفير البريطاني يزور مصانع البوتاس العربية في غور الصافي

الصفدي يبحث مع نظيرته الهنغارية تعزيز العلاقات وتطورات المنطقة

الضريبة: نعمل على تطوير الإجراءات الداعمة للصناعة والاستثمار

ارتفاع حصيلة ضحايا زلزال فنزويلا إلى 164 قتيلا

9 طرق فعالة للحصول على المزيد من لايكات على مقاطع ريلز في انستقرام

الاتحاد الأوروبي يصرف أول دفعة من قرض ضخم لأوكرانيا

بتوجيهات ملكية .. الأردن على أتم الاستعداد لتقديم المساعدة الممكنة لفنزويلا

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

الزراعة: شحنة عجول كولومبية عابرة للعراق وليست للسوق الأردنية

وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية

فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم

الإدارية النيابية تبحث مع الأحزاب مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026

خبر طلاق نسرين طافش يتصدر المواقع

عروض على الأرز والسكر والمواد الأساسية بالاستهلاكية المدنية