لبنان وسؤال الاستقلال المُرّ

لبنان وسؤال الاستقلال المُرّ

25-11-2024 12:13 AM

قبل يومين، حلّ عيد الاستقلال الحادي والثمانون في لبنان. لكنّ «الاحتفال» ظلّ بارداً وخجولاً واعتذاريّاً، بل هو لم يحصل أصلاً، وهذا علماً بأنّ الأسبوع الذي سبق دلّ على أنّ اللبنانيّين لم يفقدوا قدرتهم على الاحتفال بدليل ما قالوه وكتبوه عن بلوغ المطربة فيروز سنّ التسعين. فتعبير «استقلال» في ظلّ هذه الحرب الرهيبة، يشبه لوحات سلفادور دالي ورفاقه السورياليّين، حيث يتشكّل المشهد من نقائض، فيما لا تنقشع تلك النقائض على حقيقتها كما تنقشع في الأحلام. يضاعف سورياليّةَ المشهد ذاك الترحّمُ على زمن الانتداب الفرنسيّ، ممّا يعبّر عنه، منذ سنوات لم تعد قليلة، عامّةُ الناس، ومعهم مثقّفون ومتعلّمون ما عادوا يتقيّدون كثيراً بالإذعان لما جُعل من مسلّمات «الصواب السياسيّ»، أو ربّما من المقدّسات.

وما من شكّ في أنّ الدفاع عن هذه المشاعر، وهي مشاعر، يبقى أمراً صعباً، لكنْ ما من شكّ أيضاً في أنّ من الصعب تجاهلها أو نبذها، هي التي أنتجتها المقارنة العارية بين ما كان عليه اللبنانيّون قبل الاستقلال وما باتوا عليه بعده. وها هم اليوم من يعبّرون عن عدم رغبتهم في الوحدة اللبنانيّة التي يُفترض أنّ الاستقلال من محطّاتها الكبرى، يجهرون بآرائهم ويدعون إلى تدبّر أمر البلد بطرق أخرى.

فليس في صالح الاستقلال، ولا من البراهين على جدواه، ما نعيشه اليوم بوصفه آخر الشواهد الكثيرة وأعلاها: أن تُخاض حرب مدمّرة لم يقرّرها البرلمان المنتخب، أو أن تكون رئاسة الجمهوريّة شاغرة والبرلمان صامتاً إبّان التفاوض لوقف هذه الحرب المدمّرة، بحيث يتولّى رئيس السلطة التشريعيّة التفاوض لا بصفته هذه، بل بوصفه ممثّلاً عن الحزب الذي زجّ نفسه وزجّ البلد في الحرب.

لقد قيل، حينما استقلّ لبنان في 1943، أنّ الاستقلال هذا إنّما هو خلاصة أمرين متلازمين: أن يكفّ المسيحيّون عن المطالبة ببقاء الانتداب الفرنسيّ، وأن يكفّ المسلمون عن المطالبة بإقامة وحدة مع سوريّا. وبالفعل كفّ الطرفان مذّاك عن هاتين المطالبتين، كما أنّ فرنسا لم تعد في وارد الرغبة بممارسة الانتداب أصلاً، ولا عادت سوريّا في وارد المطالبة بضمّ لبنان إليها. مع هذا، أطلّ، مرّاتٍ عدّة، وحش العجز عن بناء دولة مستقلّة حاملاً أسماء وعناوين أخرى يتراءى معها أنّ العجز المذكور يكاد يكون قدراً.

فـ»النفيان اللذان لا يصنعان أمّة»، بحسب العبارة الشهيرة للكاتب الراحل جورج نقّاش، لا يقتصران على التخلّي عن المطالبتين هاتين. إذ «النفي» الذي تتعدّد أشكاله يقيم في بطن بالغ الخصوبة، فيما يقيم توصّل اللبنانيّين إلى إجماعات في بطن عقيم ومجدب. ونعرف كيف أنّ طاقتنا الذاتيّة في النفي فاقت مثيلتها في التوكيد مرّة بعد مرّة. ونعرف أيضاً، وبفعل ذاك التفاوت، أنّ أكثر من نصف الـ81 سنة سبق أن قضاه اللّبنانيّون في حروب بينيّة، إمّا مديدة أو متقطّعة، وإمّا على نطاق وطنيّ أو منحصرة بمواضع ومناطق معيّنة... واستناداً إلى تجربة مأسويّة كهذه بات يمكن الاستنتاج أنّ لكلّ لبنانيّ عدوّاً لبنانيّاً، إمّا يفكّر بالاستقلال عنه أو يفكّر بوحدة معه لا تكون إلاّ إخضاعاً له ومصادرة لحقوقه.

وأنكى من ذلك أنّ الرواية «الثقافيّة» السائدة، وكما في أغلب الأحيان، إمّا قاصرة عن اللحاق بما أدركه الحسّ الشعبيّ تجريبيّاً، أو مُنكرةٌ ذلك كلّه، تستمدّ راحتها واطمئنانها من إجماع لفظيّ، بل تلفزيونيّ، صنعته اللغتان الرسميّة والإيديولوجيّة، حول عداوة «العدوّ الإسرائيليّ» الحصريّة.

والحال أنّ السؤال العمليّ والنظريّ الفعليّ يكمن بالضبط هنا: فإذا كان الاستقلال هو ما تناله الشعوب والبلدان، أو ما يُعطى لها، فما العمل حين لا يكون الشعب شعباً، ولا يكون البلد بلداً. وهو سؤال يتعدّى لبنان الذي ترجم مشكلته بالحروب الأهليّة، ومن بعدها، وبموازاتها، بالحرب الراهنة مع إسرائيل، إلى بلدان مشرقيّة أخرى، كسوريّا والعراق اللذين ترجما المشكلة بالانقلاب العسكريّ، حتّى إذا رحل مؤسّسا الطغيان الحديث فيهما انتقلا إلى حروب أهليّة متفاوتة الوتائر.

والراهن أنّ إفلاس الاستقلال اللبنانيّ، وإفلاس استقلالات كثيرة أخرى في «العالم الثالث»، لم يعد يُخفيهما ويتستّر عليهما إلاّ مبدأ الاستقلال ومبدأ حقّ الشعوب فيه. وهذا ما يحوج المُساجِل في أحقيّة الاستقلال لأن يتشدّق بالمبدأ القويم والمطلق ثمّ يعجز عن تقديم برهان عمليّ واحد يؤكّد أنّه مبدأ قويم ومطلق.

فالاستعمار وزمنه ولّيا، وخسرت تلك الأبويّة الأوروبيّة والغربيّة معركتها، بعدما خسرت تمييزها القديم بين «المتمدّن» و»غير المتمدّن». إلاّ أنّ شعوباً كثيرة من تلك التي استقلّت، وعلى رأسها الشعب اللبنانيّ، لم تكسب معركتها في التدليل على استحقاق الاستقلال الذي حصلت عليه قبل عشرات السنين. وفي هذه الهوّة نعيش الاستقلال بوصفه طقساً ميّتاً نمارسه ونحن نشخر ونغطّ نِياماً، أو ننساه، أو نضحك منه وعليه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

عرض مسرحي في الفحيص بعنوان "القناطر"

الطقس: موجة دافئة مؤقتة تسبق مؤشرات اندفاع "المرتفع السيبيري" المبكر

أنشطة وبرامج توعوية وتدريبية في عدد من المحافظات

جاهزية ستاد الحسن تحت المتابعة الحكومية في إربد

المفرق: إنقاذ شخص سقط من مقطع صخري بعمق 40 مترا وحالته حرجة

طهران تتلقى رسالة من نائب الرئيس الأميركي وتؤكد استمرار إغلاق هرمز

سوء الحظ يطارد هاري كين ودورتموند يفرض التعادل

الأردن يشارك في اجتماعات الأكاديمية العربية للنقل البحري بالقاهرة

روسيا تمدد حظر تصدير الديزل حتى نهاية كانون الثاني المقبل

عمره 4.1 مليار عام .. نيزك نادر من المريخ يكشف أسرار قشرة الكوكب المبكرة

خبير أمني مصري يحذر من طموحات إثيوبيا العسكرية في البحر الأحمر

غارات وقصف إسرائيلي على جنوب لبنان

الشيخ عبدالله ذنيبات يطالب بإعدام مرتكبي جريمة الكرك أمام الناس

الحسين إربد يهزم الفيصلي بهدف نظيف في دوري المحترفين

فرنسا: توقيف أكثر من 290 شخصا واشتباكات بين الشرطة والمحتجين

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم