حكاية الزيت والزيتون

حكاية الزيت والزيتون

20-10-2025 09:12 AM

في ذاكرة الريف الأردني، تَمْتَزِجُ رائحة الزيت بالتراب، وتغدو مواسم القطاف أكثر من مجرد عمل زراعي؛ إنها طقس من المحبة والفرح، وموسم للحنين والذاكرة والهوية. هناك، في حقول الزيتون وكروم العنب بالمزارع، بين السناسل الحجرية وأشجار الزيتون المعمّرة، تُكتب الحكايات العائلية وتُروى للأجيال عن التعب والرضا، عن بساطة العيش وكرم الأرض.

ومن بين هذه الذكريات النابضة بالحياة، تبرز حكايتي مع مواسم الزيتون؛ حكاية تختصر وجدان الريف الأردني ودفء العلاقات الإنسانية التي تجمع بين الناس والشجر والتراب. وعينا على الدنيا ونحن نسمع الأهل يقولون: "الزيت عمود البيت."

قبل سنوات، وأثناء تصوير مسلسل "زعل وخضرا" للتلفزيون الأردني، كتبت حلقة بعنوان "زيت وزيتون"كانت مليئة بالمواقف الكوميدية.
وحكايتي مع مواسم فرط الزيتون حكاية طويلة؛ حكاية عشق للأرض والشجر. كان الوالد – رحمه الله – يتضمّن مزارع الأقارب والأصدقاء، وكانت البداية من هناك، من البقيع، من زيتون فاعور. كنا أطفالًا لم نتجاوز العاشرة، حيث أجمل الذكريات: أشجار زيتون رومانية معمّرة، كبيرة ومرتفعة، وسناسل حجرية بناها الأجداد.

أتذكّر شجرتي اللوز الشامختين في السماء؛ كنا نعمل ونلعب، نركض ونجلس في أحضان الطبيعة، ونبحث عسى أن نجد عشّ طير مهجورًا أو حبات لوز منسية.

وفي مواسم أخرى يتغير المكان، لكن الهدف واحد: فرط الزيتون. وتكون المحطة الثانية مزرعة دار العم أبو سامي في منطقة بطنا – السيح، قرب خربة النبي أيوب، حيث أيضًا أشجار زيتون معمّرة وأخرى متوسطة العمر.

علّمني والدي – رحمه الله – على ضرورة الاهتمام بشجرة الزيتون ومراعاتها، وأنه يجب أن تُقطف حبات الزيتون بلطف وعناية، ولا يجوز ضرب الأغصان بالعصا، وكان في كل موسم يكرر مقولته: "الزيتون زيته طيب بس لقاطه بشيب."

كنا نقوم بفرش الأرض بالشوادر وقطع القماش، وننتشر ونتوزع حول الشجرة بأدوار محددة: الأب يقف بمكان استراتيجي فوق البرميل يعمل ويراقب عمل الجميع، الأولاد يصعدون على الشجرة للوصول إلى الثمار البعيدة، والأم والشقيقات يجلسن على الأرض تحت الشجرة يجمعن حبات الزيتون المتساقطة بالصفرة والمواعين.
وكنت أُتفنّن في الصعود بواسطة السلم إلى أعلى فرع للوصول إلى غصن شاهق يحمل حبات من الزيتون شبيهة بحبات اللؤلؤ. لقد كنا نعمل سويًا كخلية نحل متكاملة دون كلل أو ملل.

كان طعامنا وقتها: خبز وماء وأصبع حلاوة ملفوف بالقصدير، وحبات من البندورة والخيار، وطبعًا السردين المغربي الحار المفضّل للجميع. وبعد الطعام تجهيز الشاي من ماء البئر بالإبريق المطبق على الحطب.

كنا نعمل لأسابيع، وكانت تمطر علينا أحيانًا، فنكون في حالة استنفار للإسراع بجمع الزيتون. كانت أمي تختار كمية منه لتصنع الرصيع داخل قِطرميزات زجاجية.

وبعد تعبئة ثمار الزيتون في شوالات الخيش، كنت أرافق أبي إلى المعصرة، ولا زلت أذكر أول زيارة إلى معصرة أبو خضر القديمة بمنطقة الصوانية، وفي وقت لاحق معصرة الجزازي بمنطقة الإسكان.

كنت أستمتع برائحة الزيتون التي تعطر المكان، ومناظر شوالات الزيتون المجمّعة أمام المعصرة، وصوت الماكينات الذي يهزّ الأرض. تبدأ رحلة الزيت المبارك من لحظة تفريغ أكياس الزيتون في الحوض المخصص، إيذانًا بانطلاق أولى مراحل العصر. تُفصل الأوراق عن الحبات بواسطة تيار من الهواء، ثم تُغسل الحبات بعناية لإزالة الأتربة والحصى والشوائب. بعد ذلك تُطحن الحبات وتُعجن لتتحول إلى عجينة متجانسة تفوح بعبق الزيت الطازج.

وفي مرحلة الكبس، يُفصل بذر الزيتون عن العجينة، ويُستخلص الزيت الأولي الذي يخضع لاحقًا لعملية فرز دقيقة تُنقّيه من الماء والشوائب. وفي الختام، يُعبأ الزيت النقي في التنك باستخدام محقان خاص، ليكون جاهزًا ليتوّج مائدة البيت بزيت صافٍ يحمل نكهة الأرض وعبيرها.

كان الإحساس بمنظر انسياب الزيت من المزراب لا يوصف. كان كبار السن يتذوقون الزيت، وبعضهم يحضر خبزًا ليأكل من أول خير الموسم، وكنا ندفع الردية مرات مصاري ومرات زيتًا من المحصول.

وطبعًا، في الليلة نفسها كانت أمي تُعدّ لنا لزيقيات خبز الشراك بالزيت والسكر.

هذه الذكريات ليست مجرد أحداث عابرة، بل صفحات من تاريخ الناس والأرض، تعبق برائحة الزيت ودفء العائلة وبركة الرزق.
في كل قطرة زيت تنساب من المزراب، يسكن دعاء الأمهات، وعرق الآباء، وضحكة الأطفال تحت الشجر. لقد كانت رحلة فرط الزيتون من البقيع إلى بطنا أجمل ذكريات الطفولة؛ إنها حكاية الجذر الذي لا ينقطع، والذاكرة التي تبقى خضراء ما دام الزيتون يثمر في أرض الآباء والأجداد.

وأختم كما قالوا بالأمثال:
"الزيت الطيب من الشجر للحجر، وخلي الزيت بجرارة تاتيجية أسعاره."



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الخارجية الأردنية: وفاة أردني وإصابة أربعة في استهداف مطار الرياض

12 قتيلًا بينهم أردني و309 مصابين في هجوم على مطار الرياض

تلوح بالقضاء .. بيان حاسم من عشيرة الصمادي بشأن شائعات وفاة ابنتهم شروق

فينيسيوس جونيور يواجه شبح الغياب عن الكلاسيكو

في لقاء درامي وبــ10 لاعبين .. ريال مدريد يحقق انتصارا ثمينا على فياريال

جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة

اللجنة الأولمبية تختتم دورة "قادة الرياضة المجتمعية" بمشاركة 28 شابا وشابة

أنشطة شبابية وتنموية مكثفة في محافظات المملكة

بيان مصري شديد اللهجة بشأن استهداف مطار الرياض

بلدية جرش الكبرى تستعرض إنجازات عام من العطاء والجهد المميز .. صور

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الأردن يدين بشدة الاعتداء الحوثي على مطار الملك خالد بالرياض

التهديد يحاك من خارج اليمن .. ماذا يحدث في الخليج؟

التعليم الثانوي الجديد في الأردن

اليوم العالمي للصحة النفسية

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين

انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21

إطلاق نار على شاب أردني في الفلبين .. والشرطة تكشف مفاجأة أثناء ملاحقة المتهم

التوجيهي إلكتروني هذا العام .. التربية تكشف تفاصيل الامتحان الجديد

حوادث وجرائم مروعة تهز قلوب الأردنيين .. تفاصيل ما حدث

قرار أمريكي بتنفيذ حكم إعدام نضال حسن مباشرة عبر الإنترنت