من ساحة للصراع إلى قوة تصنع توازنها

من ساحة للصراع إلى قوة تصنع توازنها

25-09-2026 02:10 PM

لم يعد السؤال: هل تتأثر الدول العربية بالصراعات الإقليمية؟ فقد تأثرت، وتدفع ثمنها أمنًا واقتصادًا وسيادة. السؤال الآن: هل تستطيع أن تنتقل من موقع المتلقي للأمن إلى موقع المنتج له؟ تشهد المنطقة تصعيدًا متشابكًا بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، تمتد ساحاته من غزة ولبنان إلى اليمن والعراق وسوريا والبحر الأحمر ومضيق هرمز، ولا يُدار بمنطق الحروب التقليدية، بل بشبكات وكيلية، ومسيّرات منخفضة التكلفة، وصواريخ باليستية ومجنحة، وهجمات سيبرانية، وحرب على الممرات البحرية. وفي قلب هذا المشهد، تقف الدول العربية أمام معادلة قاسية: إما أن تبقى ساحة تُدار فيها صراعات الآخرين، أو تبني جزءًا أساسيًا من أمنها بيدها، وتصبح طرفًا يُحسب حساب مصالحه قبل أن تُفرض عليه نتائج الصراعات. المطلوب ليس الدخول في حرب جديدة، بل الانتقال من موقع الساحة التي تتأثر بالصراع إلى موقع القوة القادرة على حماية مصالحها والتأثير في مساراته.

والحقيقة أن ما تغيّر في العقد الأخير أعمق من تغيّر جبهة أو عدو. فقد تحوّل التهديد من جيوش نظامية إلى شبكات لا مركزية، ومن جبهة واحدة إلى ساحات متعددة، ومن حرب عسكرية إلى حرب شاملة تستهدف النفط والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد والثقة في الأسواق. والأرقام لا تُخطئها العين: نحو 12% من التجارة العالمية تمر عبر البحر الأحمر، ونحو 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر هرمز، والإنفاق الدفاعي الخليجي يقترب من 100 مليار دولار سنويًا، وأكثر من 50% من الغذاء العربي مستورد، وأصول الصناديق السيادية العربية تتجاوز ثلاثة تريليونات دولار. والفجوة الجوهرية ليست في حجم الإنفاق، بل في بنيته: فالدول العربية تنفق كثيرًا، لكنها تشتري ولا تُنتج، وتستورد ولا تُكامل، وتتأثر ولا تُوجّه. وهذه هي الفجوة التي يجب إغلاقها، لا بخطاب حماسي، بل بهندسة استراتيجية صارمة.

ولكي لا يتكرر الفشل، لا بد من استيعاب دروس المبادرات السابقة التي لم تنجح، لا لسوء نية، بل لأسباب بنيوية: تباين تعريف التهديد بين دول الخليج التي تخشى إيران، ومصر التي تركز على الأمن المائي والحدودي، والمغرب العربي الذي له أولويات مختلفة؛ وانعدام الثقة التاريخية بسبب صراعات بينية وذاكرة حروب ومخاوف من الهيمنة؛ وتفضيل كل دولة علاقة ثنائية مع واشنطن على منظومة جماعية؛ وغياب فاعل مؤسسي واضح يملك قيادة عسكرية موحدة وآلية قرار وتمويلًا مشتركًا؛ والخوف المشروع من الاستدراج إلى حرب لا يريدها طرف باسم "الأمن الجماعي". ولهذا فإن أي مشروع جديد يجب أن يكون مرنًا ومتدرجًا ودفاعيًا وقائمًا على مصالح متبادلة، لا على شعارات.

وهنا يأتي النموذج الأوروبي مفيدًا، لا للتقليد بل للاستلهام. فأوروبا لم تنسخ الناتو، بل بنت طبقة أوروبية داخله، من خلال التخطيط المشترك للمشتريات عبر OCCAR، ووكالة الدفاع الأوروبية EDA، والصندوق الدفاعي الأوروبي EDF، والتعاون الصناعي العابر للحدود PESCO، وتبادل المعلومات والإنذار المبكر. وما نأخذه من هذا النموذج هو التخطيط المشترك، والصناعة المتكاملة، والبحث الممول جماعيًا. وما نتركه هو الاندماج الكامل في قيادة واحدة، والاعتماد الكلي على ضامن خارجي، ونموذج "العدو الواحد المحدد"، والبيروقراطية البطيئة، والالتزامات العسكرية الآلية. والخلاصة أن العرب يمكنهم بناء طبقة عربية داخل شراكاتهم القائمة، لا بديلًا عنها.

وعلى هذا الأساس، تقوم الركيزة الأولى على مظلة أمنية جماعية دفاعية، هدفها حماية الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية والمنشآت الحيوية. وتشمل قيادة عسكرية مشتركة للطوارئ لا للحروب الهجومية، وشبكة إنذار مبكر موحدة من رادارات وأقمار صناعية وطائرات استطلاع، وتكاملًا في الدفاع الجوي والصاروخي ومكافحة المسيّرات، ومركز تبادل معلومات استخباراتي، وقوة بحرية مشتركة لحماية الملاحة في هرمز وباب المندب، مع مجلس التعاون الخليجي كنواة تتوسع إلى مصر والأردن والعراق والمغرب.

وتقوم الركيزة الثانية على قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية عربية، هدفها خفض التبعية وبناء قدرة إنتاجية ذاتية. وتشمل وكالة عربية للمشتريات الدفاعية تتفاوض جماعيًا على الأسعار ونقل التكنولوجيا، وصندوق رأس مال مخاطر دفاعي بتمويل من الصناديق السيادية يتجاوز 50 مليار دولار، ومجمعات صناعية مشتركة في المسيّرات والذخائر الذكية والرادارات والأقمار الصناعية والحرب الإلكترونية، وبرامج بحثية في الجامعات بشراكات عالمية، وشروط نقل تقنية صارمة في كل عقد تسلح. وتأتي النماذج الملهمة هنا واضحة: EDGE الإماراتية، وSAMI السعودية، والهيئة العربية للتصنيع، مع تركيز خاص على الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والفضاء، حيث تكون الفجوة العربية أصغر، والفرصة أوسع.

وتقوم الركيزة الثالثة على مظلة اقتصادية للطوارئ، هدفها منع تحول الصدمة الجيوسياسية إلى أزمة شاملة. وتشمل مخزونًا استراتيجيًا عربيًا من غذاء ودواء ووقود لمدة 90 يومًا على الأقل، وتنويع ممرات الطاقة والتجارة بخطوط أنابيب بديلة وموانئ احتياطية وطرق برية، وصناديق سيولة إقليمية لمواجهة صدمات الأسواق والتأمين، وحماية البنية التحتية الحيوية من أنابيب وكابلات وشبكات كهرباء واتصالات، وتأمينًا بحريًا جماعيًا بشركات إقليمية بديلة. فهجوم واحد على منشأة نفطية أو ميناء قد يرفع أسعار الشحن والتأمين عالميًا في ساعات، ويحوّل صدمة أمنية محدودة إلى أزمة اقتصادية شاملة.

وتقوم الركيزة الرابعة على موقف سياسي استراتيجي موحد بحد أدنى من التنسيق يحمي المصالح، قائم على قواعد واضحة: لا استخدام للأراضي والأجواء العربية ضد دولة عربية، ولا استهداف للمنشآت المدنية والبنية التحتية، وحماية الملاحة الدولية، واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض تحويل الساحات العربية إلى أدوات لصراعات القوى الإقليمية، مع إبقاء الحوار مع إيران مفتوحًا لإدارة الخلافات ومنع الحرب المفتوحة، والتمسك بحل عادل للقضية الفلسطينية كشرط لأي استقرار إقليمي. أما الركيزة الخامسة فتقوم على تنويع الشراكات الدولية، لا للانعزال بل لامتلاك أكثر من خيار: علاقة مع الولايات المتحدة تنتقل من التبعية إلى المصالح المتبادلة، وشراكة تكنولوجية واقتصادية مع أوروبا، وشراكة صناعية مع الصين في المسيّرات والرقائق، وتعاون بحري وتكنولوجي مع الهند، وشراكة صناعية دفاعية حذرة مع تركيا، مع موردين تقليديين كروسيا فقدت جزءًا من مصداقيتها، وفق مبدأ أن لا حليف واحد يحتكر الأمن العربي.

وبقدر ما يبدو المشروع منطقيًا، فإنه سيواجه اعتراضات لا بد من مواجهتها بصراحة. فمن يقول إنه سباق تسلح جديد، يُرد عليه بأن المشروع دفاعي بحت يستهدف حماية المنشآت والملاحة لا التوسع. ومن يخشى غضب واشنطن، يُطمأن بأن المشروع يمكن أن يكون مكملًا للناتو لا بديلًا عنه. ومن يقول إن إيران سترفضه، يُذكَّر بأن الردع الدفاعي يقلل احتمال الحرب لا يزيده. ومن يخشى غضب إسرائيل، يُوضَّح أن المشروع لا يستهدفها، لكنه يربط الاستقرار بمسار فلسطيني عادل. ومن يتوقع انقسامًا عربيًا، يُقترح البدء بدول راغبة بهندسة مرنة وتوسع تدريجي. ومن يرى التكلفة مرتفعة، يُذكَّر بأنها أقل من خسائر حرب واحدة أو أزمة شحن واحدة. وبهذا يتحول المشروع من فكرة قابلة للطعن إلى مشروع محصّن ضد الاعتراضات.

ولكي لا يبقى المشروع أمنيات، لا بد من خارطة طريق من ثلاث مراحل. المرحلة الأولى (2026–2027) بناء الثقة: اتفاقية إطارية بين خمس إلى سبع دول، ومركز تبادل معلومات وإنذار مبكر، وتدريبات مشتركة محدودة، ووكالة مشتريات دفاعية، وصندوق بحثي دفاعي مشترك. والمرحلة الثانية (2028–2030) التكامل العملياتي: قيادة مشتركة للطوارئ، وشبكة دفاع جوي وصاروخي متكاملة، وقوة بحرية مشتركة للملاحة، ومخزون استراتيجي إقليمي، ومشاريع صناعية مشتركة. والمرحلة الثالثة (2031 وما بعدها) القوة التكنولوجية: تصنيع محلي متقدم، وذكاء اصطناعي وفضاء وسيبراني، وتصدير دفاعي عربي، وشراكات دولية متوازنة، وقدرة ردع إقليمية مستقلة. ولكل مرحلة مؤشرات نجاح قابلة للقياس: زمن الإنذار المبكر ينتقل من ساعات إلى دقائق، ونسبة التوطين الدفاعي من أقل من 10% إلى أكثر من 40%، والمشاريع الصناعية المشتركة من صفر إلى أكثر من عشرين، والمخزون الاستراتيجي من أسابيع إلى 90 يومًا، والاعتماد على مورد واحد من أكثر من 70% إلى أقل من 40%، لأن ما لا يُقاس لا يُدار.

وفي النهاية، لن تكون الدول العربية قوة موازنة لأنها تملك سلاحًا أكثر، بل لأنها تملك قرارًا أقل اعتمادًا، وصناعة أقل تبعية، وسوقًا أكثر تكاملًا، ودبلوماسية أكثر قدرة على إدارة الأزمات. فالقوة في القرن الحادي والعشرين ليست عدد الجنود والدبابات، بل مزيج من الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة والطاقة والأمن السيبراني والقدرة الدفاعية والموقع الجغرافي ورأس المال والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. وكما بنت أوروبا منظومة أمن جماعي وقاعدة صناعية دفاعية، تستطيع الدول العربية بناء نموذجها الخاص، لا نسخة من الناتو، بل طبقة عربية تتكامل مع شراكاتها الدولية وتحفظ سيادتها وتحمي مصالحها. والهدف ليس أن تصبح الدول العربية طرفًا في صراعات الآخرين، بل أن تمتلك من القوة ما يجعل الآخرين يحسبون حساب مصالحها قبل أن تُفرض عليها نتائج صراعاتهم. فالقوة ليست أن تنتصر في حرب الآخرين، بل أن تمنع أن تُفرض عليك نتائجها.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين

انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

إطلاق نار على شاب أردني في الفلبين .. والشرطة تكشف مفاجأة أثناء ملاحقة المتهم

حوادث وجرائم مروعة تهز قلوب الأردنيين .. تفاصيل ما حدث

التوجيهي إلكتروني هذا العام .. التربية تكشف تفاصيل الامتحان الجديد