حين يصبح الخطأ الصغير معاملة جديدة

حين يصبح الخطأ الصغير معاملة جديدة

28-09-2026 04:43 AM

ليس كل خطأ يحتاج إلى معاملة جديدة.
قد يكتب المواطن رقمًا بصورة غير صحيحة، أو ينسى توقيعًا في خانة محددة، أو يحضر وثيقة ناقصة، أو يضع إشارة في المكان الخطأ، أشياء صغيرة قد تُصحَّح خلال دقائق، لكنها أحيانًا تتحول إلى رحلة كاملة من جديد: طلب آخر، ورقة أخرى، دور جديد، ومراجعة ثانية، وربما موعد ثالث لاكتشاف أن التصحيح نفسه يحتاج إلى إجراء مستقل.

هنا لا يعود الخطأ هو المشكلة الحقيقية؛ المشكلة تصبح في الطريقة التي نتعامل بها مع الخطأ.

فالمواطن لا يدخل المؤسسة العامة وهو يبحث عن تجاوز للقانون، ولا يطلب عادة أن تُلغى عنه الشروط، هو يريد فقط أن يعرف: كيف أصحح ما أخطأت فيه دون أن أبدأ من الصفر؟

وهذا السؤال البسيط يستحق أن يكون حاضرًا عند تصميم الخدمات.

فالأنظمة والإجراءات ضرورية لحماية الحقوق وتحقيق العدالة ومنع الفوضى، لكن وجود القاعدة لا يعني بالضرورة أن تكون رحلة تطبيقها شاقة، هناك فرق بين الالتزام بالإجراء وبين جعل المواطن يدور حول الإجراء.

تخيل مواطنًا أخذ إجازة من عمله، ودفع أجرة المواصلات، وانتظر دوره، ثم اكتشف الموظف أن هناك معلومة ناقصة يمكن استكمالها خلال دقائق، إذا كان الحل الوحيد هو أن يعود في يوم آخر، فإن تكلفة النقص لم تعد ورقة ناقصة؛ أصبحت ساعات من العمل، ونفقات انتقال، وربما خصمًا من الراتب أو تأجيلًا لالتزام آخر.

وتصبح الكلفة أكبر حين يكون المراجع كبيرًا في السن، أو لا يجيد التعامل مع النماذج الإلكترونية، أو يأتي من منطقة بعيدة لإنجاز خدمة لا يستطيع الحصول عليها بالقرب من منزله.

لهذا فإن تبسيط الإجراءات لا ينبغي أن يعني فقط تقليل عدد الأوراق.

التبسيط الحقيقي يبدأ من سؤال أكثر عمقًا: كيف يعيش المواطن رحلة الخدمة منذ لحظة دخوله حتى مغادرته؟

كم خطوة يحتاج؟
كم مرة ينتظر؟
هل يعرف المطلوب منه بوضوح قبل أن يبدأ؟
هل يمكن تصحيح الخطأ في المكان نفسه؟
وهل يستطيع الموظف أن يشرح له ما ينقصه وكيف يستكمله، بدل أن تنتهي الجملة عند عبارة: «ارجع مرة ثانية»؟

قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة من خلف مكتب الموظف، لكنها ليست صغيرة بالنسبة إلى شخص دفع من وقته وماله وجهده حتى يصل إلى ذلك المكتب.

وهنا تظهر أهمية المرونة المسؤولة.
فالمرونة لا تعني أن يتجاوز الموظف القانون، أو يتغاضى عن شرط أساسي، أو يمنح شخصًا ما لا يُمنح لغيره، هناك فرق واضح بين المرونة في طريقة تصحيح الخطأ وبين التهاون في جوهر المتطلب.

الأولى قد تجعل الخدمة أكثر سهولة وإنصافًا، أما الثانية فقد تفتح بابًا للفوضى وعدم المساواة.

لذلك، ربما لا نحتاج إلى إجراءات أقل بقدر ما نحتاج إلى إجراءات أذكى؛ إجراءات تعرف أن الإنسان قد ينسى، وقد يسيء الفهم، وقد يكتب معلومة بصورة خاطئة، وأن النظام الجيد لا يفترض الكمال من مستخدميه، بل يضع في حسابه احتمال الخطأ وكيفية التعامل معه.

فالمعاملة الناجحة ليست التي تنتهي في النهاية فقط، وإنما التي تجعل الطريق إليها مفهومًا، واضحًا، ومتناسبًا مع الخدمة المطلوبة.

وربما يكون أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح عند مراجعة أي خدمة: ماذا يحدث عندما يخطئ الإنسان؟

إذا كانت الإجابة دائمًا: «ابدأ من جديد»، فهناك جانب من الخدمة يحتاج إلى مراجعة.

أما إذا كانت الإجابة: «لا تقلق، يمكننا تصحيحه من هنا»، فنحن أمام مؤسسة فهمت شيئًا يتجاوز الإجراء نفسه؛ فهمت أن وراء كل معاملة إنسانًا له عمل والتزامات ووقت وكرامة.

المواطن ليس رقم معاملة، والخطأ الذي يقع فيه لا ينبغي أن يحوله إلى رقم جديد في طابور آخر.

فجودة الخدمة لا تظهر فقط عندما تسير الأمور كما ينبغي، بل تظهر أكثر عندما لا تسير كما خُطط لها.

وحين يستطيع النظام أن يستوعب الخطأ البشري دون أن يحمّل صاحبه رحلة جديدة، تصبح الخدمة أكثر من مجرد إجراء ناجح؛ تصبح خدمة تستحق أن يثق بها الناس.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نوير بعد تلقيه أسرع هدف في تاريخ الدوري الألماني: ارتكبت خطأ غبيا

نتنياهو يعزي عائلات قتلى السعودية .. ورسالة عن مستقبل الشرق الأوسط

المفرق: تلقيح 36.5 ألف رأس غنم وماعز

مجلس الوزراء يوافق على صكوك إسلامية لأمانة عمان بقيمة 400 مليون دينار

استهداف جديد في مطار الرياض .. حريق في صالة المسافرين

أسس جديدة لخدمة المناطق غير المخدومة والحد من النقل مقابل أجر

التربية ترعى حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتغذية المدرسية

مدير الأمن العام يفتتح المبنى الجديد لمركز تدريب مكافحة المخدرات

اليوم .. الأردن على موعد مع أمطار غزيرة .. والأرصاد تحذر من السيول

الصناعة والتجارة تؤهل 280 منشأة صناعية ميكروية وصغيرة للتدريب والإرشاد الفني

توغل إسرائيلي في سوريا ينتهي باختطاف 3 رعاة أغنام

الهميسات يسأل عن نتائج برامج «جيدكو» وآليات الرقابة على المنح والتمويل

الصفدي: الأردن يقف مع السعودية في كل ما تتخذه لمواجهة العدوان الحوثي

الكرك حارسة الذاكرة .. تعليله تراثية كركية على الرصيف

تركيا وباكستان بدل الكيان .. !

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

الكشف عن هوية القتيل الاردني بمطار الرياض

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين

انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21

الأردنيون متفائلون .. ما القصة

إطلاق نار على شاب أردني في الفلبين .. والشرطة تكشف مفاجأة أثناء ملاحقة المتهم