أحزاب للانتخابات .. وأحزاب للوزارات!

أحزاب للانتخابات ..  وأحزاب للوزارات!

02-10-2026 07:22 PM

بداية، وحتى لا يذهب البعض بعيداً في التأويل والتصنيف وتوزيع بطاقات العضوية السياسية على الناس، أقول بوضوح: لست عضواً في حزب الأمة، ولا في أي حزب سياسي آخر، ولم أكتب يوماً بلسان حزب أو دفاعاً عنه. أنا مستقل، وأكتب هنا بصفتي أكاديمياً ومراقباً للشأن العام.

لكن الاستقلال لا يعني الصمت، والحياد لا يعني إغلاق العينين عندما تصبح الأسئلة أوضح من الإجابات.

فالحديث المتداول عن تعديل وزاري محتمل وإمكانية دخول شخصيات حزبية وسطية إلى الحكومة يبدو، للوهلة الأولى، خبراً مفرحاً لكل من يؤمن بمشروع التحديث السياسي.

وأنا منهم.

لكن الفرحة لا ينبغي أن تمنع السؤال:

أي أحزاب ستدخل الحكومة؟ ولماذا هذه الأحزاب تحديداً؟

لدينا في الأردن اليوم 30 حزباً سياسياً قائماً. لكننا نعرف أيضاً أن الأحزاب ليست متساوية في حضورها الانتخابي والبرلماني والسياسي. هناك أحزاب تمتلك تمثيلاً واضحاً، وأخرى محدودة الحضور، وبعضها يكاد المواطن يحتاج إلى محرك بحث ليتأكد من وجوده!

ومع ذلك، عندما يبدأ الحديث عن «توزير الحزبيين»، يبدو أحياناً وكأننا أمام يانصيب سياسي:

هذا الحزب يدخل...

وذاك ينتظر...

وهذا يحصل على وزير...

وذاك، رغم حضوره الانتخابي، يبقى خارج الصورة.

حسناً.

ما المعيار؟

هل هو عدد المقاعد في مجلس النواب؟

إذا كان كذلك، فلنعلن ذلك.

هل هو عدد الأصوات؟

ممتاز، فلنحتكم إلى صناديق الاقتراع.

هل هو البرنامج السياسي؟

رائع، فلنضع البرامج أمام الرأي العام ونقارن بينها.

هل هو القدرة على تشكيل أغلبية أو ائتلاف برلماني؟

هذا هو منطق الديمقراطيات البرلمانية أصلاً.

أما أن يكون لدينا معيار لا يعرفه الناخب ولا الحزب ولا المراقب، فهذا ليس معياراً سياسياً؛ هذا لغز سياسي.

والمواطن الأردني لديه ما يكفيه من الألغاز.

لنأخذ المثال الأكثر وضوحاً: حزب الأمة، بوصفه الامتداد الحزبي للتيار الذي كان يمثله حزب جبهة العمل الإسلامي.

قد نتفق معه.

وقد نختلف معه.

وقد نعارض برامجه من أول صفحة إلى آخر صفحة.

وهذا كله حق مشروع.

لكن ما لا يمكن تجاهله عند مناقشة مستقبل الحكومات الحزبية هو وزنه الانتخابي والبرلماني.

أنا هنا لا أطالب بتوزير الحزب، ولا أدعو إلى استبعاده. فذلك قرار سياسي تحكمه اعتبارات تشكيل الحكومة والأغلبية والبرنامج والتوافقات الدستورية والسياسية.

إنني أطرح سؤالاً أبسط بكثير:

إذا لم يكن الوزن الانتخابي والبرلماني معياراً أساسياً، فما المعيار إذن؟

لأن الديمقراطية لا تعمل بمنطق:

نحتاج الأحزاب عندما نريد الناس أمام صناديق الاقتراع، ثم نبحث عن أحزاب أخرى عندما نريد الناس حول طاولة مجلس الوزراء!

إذا كان حزب كبير سيبقى في المعارضة، فلا مشكلة في ذلك من حيث المبدأ.

بل إن المعارضة الحزبية القوية ضرورة للديمقراطية.

ولكن ليكن ذلك ضمن معادلة سياسية واضحة: ائتلاف يمتلك أغلبية يحكم، وحزب أو أحزاب أخرى تعارض، والمواطن يعرف من يحكم ومن يعارض ولماذا.

أما أن تتحول الأحزاب إلى نوعين؛ أحزاب تجمع الأصوات، وأحزاب تجمع الحقائب، فهنا يصبح السؤال مشروعاً، بل واجباً.

والأكثر غرابة أننا نريد، في الوقت نفسه، إقناع الأردنيين بالانضمام إلى الأحزاب!

كيف؟

ماذا نقول للشاب الأردني؟

انضم إلى حزب.

لماذا؟

لكي تشارك في الحياة السياسية.

جميل.

ثم ماذا؟

شارك في الانتخابات.

ثم؟

أقنع الناس ببرنامج حزبك.

ثم؟

احصلوا على الأصوات والمقاعد.

ثم؟

هنا تبدأ المفاجآت!

فقد تكتشف بعد كل ذلك أن الحزب الذي يمتلك حضوراً محدوداً أقرب إلى الوزارة من الحزب الذي حصل على أصوات أكثر!

عندها سيقول المواطن، وبمنطق بسيط جداً:

ولماذا أتعب نفسي إذاً؟

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

مشروع التحديث السياسي ليس مجرد قوانين جديدة للأحزاب والانتخابات، ولا زيادة عدد المقاعد المخصصة للقوائم الحزبية، ولا إدخال خمسة حزبيين إلى الحكومة ثم التقاط صورة تذكارية وإعلان انتصار التجربة الحزبية.

التحديث السياسي الحقيقي يعني بناء سلسلة سببية مفهومة:

المواطن ينضم إلى حزب.

الحزب يقدم برنامجاً.

الناخب يصوت.

الصندوق يحدد الأوزان.

البرلمان يعكس تلك الأوزان.

ومن البرلمان تتشكل أغلبية أو ائتلاف أو معارضة.

ومن الأغلبية السياسية تنشأ، تدريجياً، حكومة برلمانية.

هذه هي الفكرة.

وليست الفكرة أن نأخذ الطريق كله ثم، قبل الوصول إلى المحطة الأخيرة، نقول للركاب:

شكراً لكم... من هنا سنكمل الرحلة وفق ترتيبات أخرى!

الرؤية الملكية للتحديث السياسي فتحت الباب أمام انتقال تدريجي نحو حياة حزبية برامجية وحكومات برلمانية.

وهذه رؤية متقدمة وطموحة.

لكن المشكلة في أي مشروع إصلاحي ليست دائماً في الرؤية.

أحياناً تكون المشكلة في الترجمة.

فالترجمة السياسية للرؤية لا تكون بإضافة بضعة أسماء حزبية إلى التشكيلة الوزارية، بل بخلق علاقة حقيقية بين إرادة الناخب وتكوين البرلمان وتشكيل الحكومة.

وإلا سنصل إلى مشهد طريف سياسياً ومؤلم ديمقراطياً:

نطالب المواطن بأن ينتخب على أساس حزبي، ثم لا نضمن أن تكون نتائج الاختيار الحزبي ذات صلة مفهومة بتكوين السلطة التنفيذية.

ونطلب من الأحزاب أن تكبر، ثم قد نعامل الحزب الكبير والصغير وكأنهما سواء.

ونطالب الأحزاب ببناء قواعد شعبية، ثم قد نكافئ من لم يحتج أصلاً إلى قاعدة شعبية كبيرة!

هذه ليست أفضل وصفة لتشجيع التحزب.

إنها وصفة ممتازة لتعليم المواطن أن الانتخابات شيء، والحكومة شيء آخر.

وهذا بالضبط ما يفترض أن يتجاوزه مشروع التحديث السياسي.

نحن لا نحتاج ثلاثين حزباً على الورق.

ولا نحتاج خمسين.

ولا مئة.

نحتاج أحزاباً حقيقية تستطيع أن تقول للناخب:

هذا برنامجنا.

هذه قيادتنا.

هؤلاء مرشحونا.

إذا منحتمونا الأغلبية سنسعى للحكم وفق برنامجنا، وإذا لم تمنحونا إياها سنذهب إلى المعارضة أو نتفاوض على ائتلاف معلن.

ثم يأتي الناخب بعد أربع سنوات ليحاسبها.

هذه هي السياسة الحزبية.

أما أن يكون الحزب مطلوباً يوم الانتخابات، اختيارياً يوم تشكيل الحكومة، ثم مطلوباً مرة أخرى في خطابات تشجيع الشباب على المشاركة السياسية، فهذه علاقة تحتاج إلى تعريف جديد في كتب العلوم السياسية!

المسألة إذن ليست حزب الأمة تحديداً، ولا الأحزاب الوسطية تحديداً.

المسألة أكبر من الجميع.

إنها مصداقية قواعد اللعبة السياسية.

ومن حق الأردني أن يعرف: إذا منح حزباً أصواتاً أكثر ومقاعد أكثر، فماذا يعني ذلك سياسياً؟

هل يعني أنه أصبح أقرب إلى المشاركة في تشكيل الحكومة؟

هل يعني أنه يقود المعارضة؟

هل يعني أنه يدخل في مفاوضات ائتلافية؟

أم لا يعني شيئاً من ذلك بالضرورة؟

كل إجابة ممكنة في النظام السياسي الأردني، ولكن المطلوب أن تكون القواعد واضحة.

لأن الغموض هو العدو الأول للعمل الحزبي.

والانتقائية عدوه الثاني.

أما العدو الثالث فهو أن نطلب من المواطن أن يؤمن بأهمية صوته، ثم نعجز عن أن نشرح له بوضوح أين ذهب أثر هذا الصوت بعد إغلاق صناديق الاقتراع.

ليس المطلوب أن يدخل حزب الأمة الحكومة لأنه حزب الأمة.

وليس المطلوب أن تخرج الأحزاب الوسطية لأنها وسطية.

المطلوب شيء أبسط وأهم:

ضعوا معياراً واضحاً، وطبقوه على الجميع.

إن كان المعيار هو الانتخابات، فاحترموا نتائجها.

وإن كان المعيار هو البرلمان، فاحتكموا إلى أوزانه.

وإن كان المعيار هو الائتلاف، فلتتشكل ائتلافات سياسية معلنة.

وإن كان المعيار هو البرامج، فليعرف الناس البرامج التي اجتمعت عليها الحكومة.

أما إذا لم يكن هذا ولا ذاك، فمن حق المواطن أن يسأل:

ما جدوى الحزب؟

وما جدوى أن أنضم إليه؟

وما جدوى أن أنتخب قائمته؟

وما جدوى أن يتنافس ثلاثون حزباً إذا كانت الطريق من صندوق الاقتراع إلى مجلس الوزراء تمر عبر بوابة لا نعرف قواعد العبور منها؟

إن بناء الحكومة البرلمانية لا يبدأ من اختيار وزراء حزبيين.

بل يبدأ من احترام المعنى السياسي لصوت المواطن.

فصندوق الاقتراع ليس صندوق اقتراحات.

والانتخابات ليست استطلاع رأي.

والأحزاب ليست ديكوراً ديمقراطياً.

والمقاعد النيابية ليست جوائز ترضية.

إذا أردنا من الأردنيين أن يأخذوا الأحزاب بجدية، فعلى السياسة أولاً أن تأخذ نتائج العمل الحزبي بجدية.

وإذا أردنا أن نصل يوماً إلى حكومة برلمانية حقيقية، فلا يكفي أن نسأل:

كم حزبياً سنضع في الحكومة؟

السؤال الأهم هو:

بأي معيار وصل هؤلاء إلى الحكومة؟

لأن الفرق بين الحكومة الحزبية والحكومة التي فيها حزبيون ليس فرقاً لغوياً.

إنه الفرق بين منظومة سياسية تحكمها قواعد واضحة، وصورة سياسية جميلة نضع لها إطاراً حزبياً ثم نعلقها على جدار التحديث السياسي.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط

من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط

السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة

مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي

وسم 2030 بلا نقاب يشعل الجدل .. ما القصة ومن أطلق الحملة

إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل

25% دفعة أولى تعني إعفاءً كاملا من الفائدة .. الضمان يعلن تفاصيل القرار الجديد

طالب يعتدي على معلم بالمنشار بعد ملاحقته إلى المسجد في الزرقاء

الأردنيون أمام تسعيرة جديدة للذهب .. كم بلغ عيار 21

أسعار المحروقات في الأردن .. رفع محتمل بعد ارتفاع الكلف عالميا

تحذير للأردنيين .. غرامة تصل لـ3 آلاف دينار وإغلاق المنشأة لمرتكب هذه المخالفة

السعودية تكشف تفاصيل جديدة عن حادثة فلاي دبي .. ماذا حدث لمساعد الطيار؟

البقاعي: أعراسنا دخل فيها الحرام .. وبعض الأغاني تصل إلى الكفر