الجامعات والكليات الخاصة .. بين الاستثمار التعليمي والاستقرار الوظيفي

الجامعات والكليات الخاصة ..  بين الاستثمار التعليمي والاستقرار الوظيفي

03-10-2026 12:00 AM

يُشكّل قطاع التعليم العالي الخاص جزءًا مهمًا من منظومة التعليم في الأردن، وقد أسهم على مدى السنوات الماضية في توفير فرص تعليمية ووظيفية، ورفد سوق العمل بالكفاءات والخبرات في مختلف المجالات. ومع ذلك، فإن أهمية هذا القطاع ودوره المتنامي يفرضان ضرورة التوقف عند بعض الممارسات الإدارية والوظيفية التي تحتاج إلى مزيد من المراجعة والتطوير، بما يعزز بيئة العمل الأكاديمية ويحافظ على جودة العملية التعليمية.

ولعل من أبرز القضايا التي تستحق النقاش موضوع الاستقرار الوظيفي لأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية، إذ إن طبيعة العقود في بعض مؤسسات التعليم العالي الخاص تجعل العاملين يعيشون حالة مستمرة من القلق والترقب، ولا سيما مع قرب انتهاء مدة العقد وتجديده. وقد تكون بعض العقود قصيرة المدة، الأمر الذي يجعل الموظف منشغلًا بصورة دائمة بمصيره الوظيفي بدلًا من تركيزه الكامل على أداء واجباته الأكاديمية والإدارية وتطوير المؤسسة التي يعمل فيها.

كما أن تحقيق العدالة والشفافية في أنظمة الرواتب والحوافز يمثل عاملًا أساسيًا في تعزيز الرضا الوظيفي. فمن الطبيعي أن تختلف الرواتب تبعًا للخبرة والمؤهلات والمسؤوليات والإنجازات، إلا أن وجود فروقات كبيرة بين موظفين أو أعضاء هيئة تدريس تتشابه ظروفهم العلمية والوظيفية قد يترك انطباعات سلبية، ويؤثر في الروح المعنوية والاستقرار داخل المؤسسة. ولذلك فإن وجود أسس واضحة ومعلنة لتحديد الرواتب والترقيات والحوافز من شأنه أن يعزز الثقة ويحقق قدرًا أكبر من العدالة المؤسسية.

أما مواسم تجديد العقود، فلا ينبغي أن تتحول إلى مصدر دائم للقلق لدى العاملين. فالمؤسسة التعليمية الناجحة هي التي توفر بيئة مهنية يشعر فيها الموظف بأن تقييمه يستند إلى معايير واضحة، وأن استمراره في العمل يرتبط بأدائه وكفاءته واحتياجات المؤسسة، وليس بعوامل شخصية أو اعتبارات غير مهنية.

ومن القضايا المهمة كذلك العلاقة بين الإدارات العليا والعمداء ورؤساء الأقسام وأعضاء الهيئات الأكاديمية. فالمؤسسة التعليمية لا يمكن أن تنهض من دون إدارة تمتلك رؤية واضحة، وفي الوقت نفسه تمنح القيادات الأكاديمية مساحة مناسبة من الاستقلالية لاتخاذ القرارات في إطار الأنظمة والتعليمات. فالعَميد أو المسؤول الأكاديمي ليس مجرد موظف ينفذ التعليمات، وإنما هو شريك في صناعة القرار الأكاديمي، وتحقيق أهداف المؤسسة، والمحافظة على سمعتها ومستواها العلمي.

وقد تكون الاستقلالية الإدارية والأكاديمية أحيانًا مصدر اختلاف في وجهات النظر، وهذا أمر طبيعي في المؤسسات التي تقوم على الحوار وتعدد الآراء. والمطلوب هنا ليس غياب الاختلاف، وإنما وجود أطر مؤسسية واضحة لإدارته، بحيث يكون معيار الحكم هو مصلحة المؤسسة وجودة أدائها، لا العلاقات الشخصية أو المواقف الفردية.

إن التعليم العالي الخاص، بوصفه استثمارًا في الإنسان والمعرفة، يحتاج إلى نموذج إداري يتجاوز مفهوم العلاقة التقليدية بين صاحب العمل والموظف، إلى مفهوم الشراكة المؤسسية. فالجامعة أو الكلية لا تُبنى بالمباني والتجهيزات وحدها، وإنما تُبنى قبل ذلك بالإنسان، وبالكفاءات الأكاديمية والإدارية القادرة على تحقيق رسالتها.

ومن هنا، فإن تعزيز الاستقرار الوظيفي، ووضع معايير عادلة وشفافة للرواتب والتجديد والترقية، وتوسيع مساحة المشاركة في اتخاذ القرار، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات بوضوح، كلها خطوات من شأنها أن تنعكس بصورة مباشرة على جودة التعليم ومخرجاته.

ولا يعني ذلك بالطبع إلغاء حق المؤسسات الخاصة في اختيار العاملين وتقييم أدائهم واتخاذ القرارات التي تقتضيها مصلحة العمل، فهذا جزء أصيل من الإدارة. لكن هذا الحق ينبغي أن يُمارس ضمن إطار مؤسسي واضح يوازن بين مصلحة المؤسسة وحقوق العاملين، ويضمن أن تكون الكفاءة والأداء والمعايير المهنية هي الأساس.

وفي ظل محدودية فرص العمل في القطاع العام، وتزايد أعداد الخريجين، أصبح التعليم العالي الخاص مصدرًا رئيسيًا للعمل أمام شريحة واسعة من الأكاديميين والإداريين. ومن هنا تبرز المسؤولية الأخلاقية والمهنية لهذه المؤسسات في توفير بيئة عمل مستقرة وعادلة ومحفزة، ليس من باب الامتياز، وإنما باعتبار ذلك أحد مقومات نجاح المؤسسة واستدامتها.

فالجامعة أو الكلية ليست ملكًا إداريًا لشخص أو مجموعة أشخاص، مهما كانت ملكيتهم القانونية، وإنما هي مؤسسة لها رسالة علمية ومجتمعية، وتؤدي دورًا يتجاوز حدود الاستثمار المالي إلى بناء الإنسان وخدمة المجتمع.

وكلما ارتقت الإدارة في مؤسسات التعليم العالي الخاص من ثقافة التحكم إلى ثقافة الحوكمة، ومن الشخصنة إلى المؤسسية، ومن القلق الوظيفي إلى الاستقرار المبني على الأداء، أصبحت هذه المؤسسات أكثر قدرة على استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها، وأكثر قدرة على المنافسة وتحقيق رسالتها التعليمية.

إن حماية كرامة العاملين واستقرارهم لا تتعارض مع مصالح المستثمرين، بل يمكن أن تكون أحد أهم عناصر نجاح الاستثمار التعليمي؛ فالمؤسسة التي يشعر العاملون فيها بالعدل والأمان والانتماء تكون أكثر قدرة على تقديم تعليم نوعي، والحفاظ على سمعتها، والاستمرار في أداء رسالتها بكفاءة واقتدار.

ولعل المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة شاملة لمفهوم إدارة الموارد البشرية في مؤسسات التعليم العالي الخاص، بحيث يصبح الإنسان فيها محورًا للعملية المؤسسية، وتصبح الكفاءة والإنجاز والالتزام بالقانون والأنظمة هي الأساس في التقييم والاستمرار والتقدم الوظيفي.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الجامعات والكليات الخاصة .. بين الاستثمار التعليمي والاستقرار الوظيفي

بين دفء الظهيرة وبرودة الليل .. تحذيرات صحية من طقس هذه الأيام

ارتفاع مؤشر نازداك الأميركي

البرلمان العربي يستنكر اقتحامات الأقصى ويحذر من مخططات التقسيم

احتفال بالاستقلال .. بوتسوانا تسمح بصيد 23 فيلا

فوائد غير متوقعة: لماذا ينصح الأطباء بممارسة المشي إلى الخلف؟

حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين

مظاهرة حاشدة أمام البرلمان المغربي نصرة للأقصى

سقوط مقذوف حوثي على مدرسة جنوبي السعودية

مديرة نيورالينك تعلن انفصالها عن إيلون ماسك

تحذير مصري حاسم: خطوة إسرائيلية وإثيوبية تهدد البحر الأحمر والقرن الإفريقي

القضاء الأمريكي يرفض تبرئة أم خنقت أطفالها حتى الموت .. تفاصيل

ضغوط ترامب وأزمة الديزل .. هل تنقذ مخزونات أوروبا القارة من الانهيار؟

ختام منافسات الدور الثاني لبطولة خماسيات كرة القدم في إربد

"خاين وكان عندك كام سنة" .. عودة قوية لشيرين عبد الوهاب في 2026

وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط

من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط

السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة

مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي

وسم 2030 بلا نقاب يشعل الجدل .. ما القصة ومن أطلق الحملة

إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل

25% دفعة أولى تعني إعفاءً كاملا من الفائدة .. الضمان يعلن تفاصيل القرار الجديد

طالب يعتدي على معلم بالمنشار بعد ملاحقته إلى المسجد في الزرقاء

الأردنيون أمام تسعيرة جديدة للذهب .. كم بلغ عيار 21

أسعار المحروقات في الأردن .. رفع محتمل بعد ارتفاع الكلف عالميا

السعودية تكشف تفاصيل جديدة عن حادثة فلاي دبي .. ماذا حدث لمساعد الطيار؟

تحذير للأردنيين .. غرامة تصل لـ3 آلاف دينار وإغلاق المنشأة لمرتكب هذه المخالفة

البقاعي: أعراسنا دخل فيها الحرام .. وبعض الأغاني تصل إلى الكفر