اضطراب فرط الحياة

اضطراب فرط الحياة

06-10-2026 06:48 AM

ربما أخطأنا طويلاً حين ظننا أن نقيض الموت هو الحياة، لأن بعض الذين يذهبون إلى الموت لا يكونون قد فرغوا من الحياة، بل امتلأوا بها أكثر مما تحتمل أجسادهم. ثمة ما يمكن تسميته «فرط الحياة»: أن تكون للعالم في رأسك نسخة أشد جمالاً واتساعاً ورحمة من العالم الذي تستطيع أن تعيش فيه، أن تشعر أكثر مما ينبغي، وتتخيل أكثر مما يسمح به الواقع، وتنتظر من الحب والصداقة والفن والعدالة معنى لا تستطيع الحياة اليومية أن تؤديه كاملاً. عندها لا يعود الألم نقصاً، بل فائضاً؛ فائض حساسية وربما فائض وعي أيضاً وتوقع في آن، كأن الروح صنعت لنفسها رئتين أكبر من كمية الهواء الموجودة في العالم. وربما لهذا كان بعض أشد البشر ولعاً بالجمال أكثرهم عجزاً عن احتمال قبحه المضاد. ليست المسألة أنهم أحبوا الحياة قليلاً، بل أن الحياة التي أحبوها كانت أكبر من الحياة التي وجدوها، وظل الفرق بين الاثنتين يتسع في داخلهم حتى صار هو نفسه جرحاً من غير الممكن العثور على مكانه. في حالات كهذه، يبدو الإنسان كمن يحاول طوال عمره أن يدخل محيطاً كاملاً في كأس؛ ليست المشكلة في المحيط ولا في الكأس، بل في الاستحالة التي تنشأ بينهما. وربما كان بعض الضحك الصاخب، والكلام الكثير، والحب المفرط، والولع بالفنون، وحتى تلك الرغبة الغريبة في أن نحكي كل شيء دفعة واحدة، محاولات صغيرة لتصريف هذا الفائض، وكأنها فتحات سرية تنجو بها الروح من ضغط الحياة المتراكمة داخلها.
أفكر أحياناً أن أكثر ما نجهله عن الذين ينتحرون ليس الطريقة التي ماتوا بها، بل الطرق الكثيرة التي حاولوا بها أن يبقوا أحياء قبل ذلك. نحن نصل دائماً متأخرين إلى الحكاية، عند المشهد الأخير تحديداً، فنحدق فيه طويلاً كأن النهاية قادرة على تفسير الكتاب كله، ثم نبدأ تحقيقنا الصغير والقاسي: لماذا فعل ذلك؟ ماذا كان ينقصه؟ ألم يكن محبوباً؟ ناجحاً؟ ألم يضحك معنا قبل أيام؟ كأن الضحك وثيقة تثبت صلاحية الإنسان للحياة. مع أنني أفكر أحياناً في العكس تماماً: في تلك البهجة المفاجئة التي قد تأتي بعد حزن طويل، وفي الإنسان الذي يتكلم كثيراً ويروي الحكايات كلها دفعة واحدة، يضحك أكثر مما اعتدنا عليه، كأنه يريد من حيث لا ندري، أن يستهلك حصته المتبقية من العالم في جلسة واحدة.
ليس كل ضحك إنذاراً بالطبع، ولا كل مرح يخفي كارثة، لكننا أخطأنا طويلاً حين تخيلنا أن الحزن الشديد لا بد أن يرتدي ثياب الحزن. الكارثة الإنسانية لا تحدث دائماً بالجعجعة والقرقعة التي نتوقعها. ثمة أرواح تنهار بتهذيب وبطء يكاد يكون مخيفاً؛ ترد على الرسائل وترتب السرير ثم تشتري الخبز، تضحك في الصورة الجماعية وتسأل الآخرين إن كانوا بخير، بينما تفقد في غرفة سرية داخل الرأس، شيئاً فشيئاً قدرتها على تخيل الغد. وربما لهذا يخيفنا الانتحار إلى هذا الحد؛ ليس لأنه يضعنا أمام الموت وحده، بل لأنه يكشف كم يمكن أن يكون الإنسان مجهولاً وهو يجلس على بعد متر واحد من أقرب الناس إليه، وأن الجسد الذي نراه ليس بالضرورة المكان الذي يعيش فيه صاحبه، وأن في المخيلة غرفاً مغلقة لا تستطيع المحبة وحدها الولوج إليها ولا النصائح الفجة، ولا تلك العبارة التي نقولها بحسن نية: «الحياة حلوة بس نفهمها».
ربما تكون الحياة جميلة حقاً، لكن الجمال نفسه يحتاج إلى عين قادرة على رؤيته وإلى قدرة هائلة على عبور البحر دون الرغبة في التفتيش في القاع.
أفكر هنا بفرجينيا وولف، تلك العبقرية التي منحت الأدب واحداً من أكثر العقول قدرة على التقاط ارتعاشة الوعي البشري، ثم عجز الأدب نفسه عن أن يكون علاجاً كافياً للألم الذي عاشته. ويشغلني ستيفان زفايغ، ذلك الأوروبي المولع بفكرة الإنسان والثقافة، الذي شاهد العالم الذي آمن به يتصدع أمام الفاشية والحرب والمنفى؛ لم يحتمل الواقعية الهستيرية للعالم الذي يعمل بالضد من مخيلته اليوتيوبية، حتى قتله حسه المرهف بالتاريخ كما يجب أن يكون، ثم قرر أن يكتب تاريخه بنفسه من خلال أعتى أشكال المقاومة.
أتذكر سيليفا بلاث التي استطاعت أن تمنح اللغة كل ذلك التوهج فيما كانت تعاني اكتئاباً شديداً وصراعاً مع الحب الذي كان بين يديها، لكنه ظل مستحيلاً.
ليس في حكاياتهم برهان شاعري على أن المرهفين يموتون لأنهم أحبوا الحياة أكثر من الآخرين، فذلك تفسير جميل أكثر مما ينبغي لمأساة معقدة، لكنه يذكرني بأن العبقرية لا تحصن صاحبها من المرض، وأن القدرة على وصف الألم لا تعني دائماً القدرة على النجاة منه. ولهذا ما زلت عالقة في ذلك الشعور الأبدي الذي يمد رأسهُ كلما سمعت عن إنسان أنهى حياته، لا يشغلني كثيراً السؤال الذي يطارد الجميع: كيف استطاع أن يفعل ذلك؟ بل يُطاردني سؤال آخر؛ أكثر إيلاماً وأقل فضولاً: كم مرة استطاع ألا يفعل؟ كم صباحاً نهض فيه رغماً عنه؟ كم مرة ارتدى ملابسه وخرج إلى العالم حاملاً نفسه كما يحمل المرء شيئاً ثقيلاً يخشى أن يسقط منه؟ كم ليلة تجرعها وحده؟ كم رسالة كتبها ثم حذفها؟ وكم مرة قال «أنا بخير» لأنه لم يجد في اللغة كلها جملة قصيرة تتسع لكل ما لم يكن بخير؟
لعلنا لو عرفنا تلك المرات لتغيرت فكرتنا عن القوة، ولأدركنا أن الإنسان الذي انهار في لحظته الأخيرة ربما أمضى قبلها زمناً طويلاً في المقاومة. لهذا لا أريد أن أجعل من الانتحار قصيدة. الموت ليس شاعرياً، والألم حين يبلغ بصاحبه هذا الحد ليس بطولة ولا خاتمة رومانسية تليق برواية حزينة، إنه مأساة، وكثير من المعاناة النفسية قابل للعلاج حتى حين يقنع الألم صاحبه بأنه أبدي. ولعل واجبنا الأخلاقي ليس أن نحول الراحلين إلى أساطير، بل أن نحول معرفتنا بموتهم إلى انتباه أشد للأحياء: إلى الصمت المفاجئ وإلى التغيير المفاجئ أبضاً؛ إلى الانسحاب والكلام الذي يفيض بصورة غير مألوفة، وإلى المزحة التي تمر سريعاً وقد يكون خلفها شيء يستحق أن نتوقف عنده. وأن نفهم أن سؤالاً بسيطاً وصريحاً ومغرقاً في العادية؛ «هل أنت بخير حقا؟»، قد يكون أكثر إنسانية من مئة موعظة عن جمال الحياة.
فالذين يتألمون لا يحتاجون دائماً إلى من يقنعهم بأن العالم يستحق البقاء؛ أحياناً يحتاجون إلى شخص يصدق أن العالم كما يبدو لهم الآن، مؤلم إلى هذا الحد الذي لا يُطاق، ثم يبقى معهم حتى يصلوا إلى مساعدة حقيقية تفضي بهم إلى صباح آخر.
نحن نعامل الموت باعتباره اللحظة الكبرى في حياة الإنسان، مع أن البطولة الأكثر صمتاً قد تكون في الجهة الأخرى تماماً: في البقاء. في تلك الليالي التي لا يعرف عنها أحد، حين يعبر إنسان الليل إلى الصباح، ثم يعبره مرة أخرى حتى يعود الزمن ببطء إلى كونه مستقبلاً لا تهديداً.
لذلك، حين يرحل أحد بهذه الطريقة، ربما لا يكون السؤال الأرحم: لماذا اختار الموت؟ بل أين الأحياء الذين يحاولون الآن اختيار الحياة ولا نراهم؟ ذلك الشخص الذي يجلس في غرفة ما ويبدو عادياً تماماً، بينما يخوض معركة لا يسمعها أحد. علينا أن نتعلم لغته قبل أن يتحول صمته إلى شيء نفسره بعد فوات الأوان؛ لأن بعض البشر لا يحتاجون منا أن ننقذ حياتهم في مشهد بطولي كبير، بل يحتاجون فقط إلى أن نلاحظ، في الوقت المناسب، أنهم كانوا طوال الوقت يحاولون في الوقت نفسه إنقاذها من شعورنا بالذنب من أن نستهلك بعد ذلك حصتهم في الأوكسجين.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط

من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط

السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة

مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره

قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول

تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر

مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي

بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي

بعد اتهام الأردن بالتقصير .. الداخلية توضح أسباب أزمة جسر الملك حسين

إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل

هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"

حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين