من الأدب إلى الشاشة: الجزائر تستعيد تاريخها

من الأدب إلى الشاشة: الجزائر تستعيد تاريخها

06-10-2026 06:49 AM

قبل عشر سنوات بالضبط، أصدرت رواية بعنوان: «أربعون عامًا في انتظار إيزابيل»، وهي رواية تستعيد سيرة إيزابيل إيبرهارت من منظور معاصر.
هذه الكاتبة والرّحالة التي ملّت من صقيع أوربا واختارت موطنًا لها في الصحراء، فأقامت في الجزائر بين نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إلى أن أسلمت روحها إثر طوفان وادٍ ودفنت في مدينة العين الصفراء.
وعلى الرّغم من قصر حياتها، التي لم تتعد سبعة وعشرين سنة فقد خلّفت أعمالًا أدبية وصحافية مهمّة، ونذرت حياتها في خدمة الأهالي ضد الآلة الكولونيالية، مما جر عليها متاعب، من بينها طردها من الجزائر في أحد المرّات، ثم عودتها إليها.
ثم محيت ذكراها عقب الاستقلال، بأن محو اسمها من أحد شوارع العاصمة، بل سادت أقاويل وشائعات عنها في الإساءة إليها، هناك من اتّهمها بالجوسسة وآخرون قالوا إنها عملت لصالح الاستعمار، من غير أن يحوزوا دليلًا عن كلامهم.
وهي مقولات لم تخل من نميمة واجهتها رواية «أربعون عامًا في انتظار إيزابيل» بدورها، بل من النّاس من بالغ في شائعات لا تنطوي على عاقل، لأن إطلاق الشائعات إنما مهنة من لا مهنة له. ولكن الشيء المهمّ أنه عقب صدور روايتي، ظهرت خمس كتب أخرى في فترة وجيزة، كلّ واحد منها يتطرّق إلى إيبرهارت من منظور مختلف، وهذا أمر جيّد أن وضعنا سيرتها وحياتها في طاولة النّقاش الثقافي الجادّ، بدل أن ينحصر الجدل بشأنها في الأمكنة المغلقة والمظلمة.
لكن منذ الشهر الماضي، تحوّلت إيزابيل إيبرهارت إلى أيقونة في البلد، خفت الشائعات عنها، بعدما قضت عقودًا من المنع ومن سوء التأويل، وبات التلفزيون العمومي يتكلّم عنها باحترام قلّ نظيره، وكذلك الفضائيات الخاصة، والسبب يعود إلى أن فيلما وثائقيًا من إنتاج التلفزيون الحكومي، والذي يحمل عنوان «نعال الرّمل.. إيزابيل إيبرهارت الجزائرية»، للمخرج مراد عقون، قد حاز جائزة في المهرجان العربي للإذاعة والتّلفزيون، الذي انعقد في تونس.
هكذا إذن بفضل هذا الامتياز استعادت إيبرهارت حقّها بأن يُنظر إليها كجزائرية كاملة الانتماء، لا مجرد عابرة أو مقيمة، لأن التلفزيون العمومي قد كسب الرّهان وبالتّالي قرّر أن يستعيد أصالة المرأة الكاتبة ويصونها من الأقاويل، التي لطالما سوّرت سيرتها عقب مماتها.
وإن كان هذا التتويج يستحق الثناء، فلا بدّ أن نعود إلى مضمون الفيلم الوثائقي، وماذا جاء فيه، كي نفهم أي رؤية نحملها عن هذه الكاتبة التي لا تزال أعمالها تصلح للقراءة، على الرّغم من مرور ما يدنو من قرن ونصف القرن على رحيلها.
أوّل ما يلفت الانتباه في هذا الفيلم هو العنوان، الذي يذكّر المشاهد في «نعال الرّيح»، التي أطلقت على الشاعر الفرنسي آرتير ريمبو، وبين إيبرهارت وريمبو فإن العلاقة معروفة، أساسها شائعة مرّة أخرى.
عندما سادت أقاويل مفادها أن الكاتبة خرجت من صلب الشاعر الفرنسي، وبحكم أنها مجهولة الأبّ فقد طرأت أحاديث أخرى، وفي كلّ مرّة تنسب إلى أب مختلف.
لكن الحقيقة ظهرت عقب رحيلها بأن والدها يدعى أليكسندر تروفينوفسكي، ولا نعلم لماذا اختار المخرج تلك الاستعارة في العنوان بما يوحي أنه يودّ الرّبط بين الكاتب والشاعر الفرنسي ريمبو.
لكن الجزء الثّاني من العنوان ينصفها، والذي جاء فيه: «إيزابيل إيبرهارت الجزائرية»، هكذا أعادها إلى نسبها الأصلي، لكن السؤال الأعمق يتعلق بعلاقة هذا العنوان مع المضمون، لأن الفيلم نفسه أتاح مساحة رحبة في الحديث عن الكاتبة من منظور كتّاب أجانب، وكأن «جزائريتها» لا تلتئم إلا إذا وافق عليها الأجانب. وكأن المخرج نفسه لم يكن واثقًا من فحوى العمل قبل أن ينظر إلى آراء الآخرين ويترقب منهم مصادقة عما سعى إليه في الفيلم. ثم أن الفيلم انطوى على نظرة قاصرة – للأسف – في التعاطي مع سيرة هذه المرأة الرّحالة، فلم يخض في القضايا الشائكة التي رافقت حياتها، ومن المحتمل أن الأمر يتعلّق برقابة ذاتية، فلم يدرج شيئًا عن حياتها العاطفية الصاخبة، وتنقلها من رجل إلى آخر، بل عن علاقاتها مع نساء كذلك، لم يكترث إلى محطات حاسمة من حياتها، على غرار محاولة قتلها، ثم نجاتها، لا إلى موضوع تهجيرها من الجزائر ولا عن أسباب عودتها، لم تلتفت الكاميرا إلى زوج إيزابيل، ولم يخض في السؤال الأكبر: لماذا اختارت الجزائر بدل بلدان أخرى؟ مع العلم أنها أقامت فترة وجيزة في تونس.
تطرق الفيلم إلى أن الكاتبة كانت تتقمص أسماء رجالية في ترحالها بين الرّمال، من غير الخوض في التفاصيل، والقضية الأكبر تتعلق بمرقد الكاتبة نفسها، حيث تنام في قبر كتب عليه اسمها الذّكوري: سي محمود.
من المحتمل أن سيرة إيزابيل إيبرهارت تستوجب عدّة أفلام لا فيلما واحدًا، ولا يصحّ أن نقلّل من قيمة العمل الذي بادر إليه المخرج مراد عقون، لكنها بضع تفاصيل يقصد منها أن الفيلم يستحق جزءا ثانيا، وربما ثالثا، قصد الإحاطة بتفاصيل من حياتها. وبما أن التلفزيون العمومي قد صار متوّجًا بفضل عمل يقتفي أثر كاتبة، فمن المهمّ أن يواصل هذا الدّرب، ويفتح أرشيف كتّاب آخرين عاشوا في الجزائر، وكتبوا عنه وتبنوا القضية الجزائرية، من غير أن يلقى لهم بال، عقب رحيلهم، إنهم كتّاب لا يقلون شأنا عن إيبرهارت، ومن حقّ المشاهد أن يطالع حكاياتهم، كما من حقّ الجزائر أن تستعيد تاريخها بفضل الأدب والشاشة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط

من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط

السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة

مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره

قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول

تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر

مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي

بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي

بعد اتهام الأردن بالتقصير .. الداخلية توضح أسباب أزمة جسر الملك حسين

إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل

هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"

حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين