في زمن الفوضى .. لماذا أصبح بقاء الدولة انتصارًا
07-10-2026 01:57 AM
قد تستغرق الحرب أيامًا أو أسابيع، وقد تسقط مدينة في ساعات، لكن إعادة بناء دولة فقدت تماسكها ليست مهمة تنتهي بتوقف إطلاق النار، وإنما معركة طويلة لاستعادة المؤسسات والاقتصاد والأمن والثقة، وربما تحتاج إلى سنوات حتى تبدأ آثارها في الظهور. وهذه واحدة من أقسى الحقائق التي كشفتها السنوات الأخيرة في منطقتنا العربية؛ فالدولة عندما تدخل دائرة الفوضى لا تخسر مبانيها ومؤسساتها فقط، وإنما تخسر قدرتها على حماية الحياة اليومية لمواطنيها، وعلى اتخاذ القرار، وعلى تحويل الأزمات إلى مراحل يمكن تجاوزها بدلًا من أن تتحول الأزمات نفسها إلى واقع دائم.
ولعل استحضار انتصارات أكتوبر في هذا التوقيت يمنحنا فرصة لفهم المعنى بصورة أعمق، لأن السادس من أكتوبر لم يكن مجرد يوم انتصرت فيه القوات المصرية في معركة عسكرية، وإنما كان يومًا استعادت فيه الدولة المصرية قدرتها على الفعل بعد سنوات ثقيلة من الهزيمة. كانت الأرض محتلة، والموازين تبدو صعبة، وخط بارليف يمثل تحديًا عسكريًا كبيرًا، لكن مصر لم تتعامل مع هذه الظروف باعتبارها قدرًا لا يمكن تغييره، وإنما أعادت بناء قواتها، وأعدت جنودها، ودرست خصمها، وخططت للمعركة، وانتظرت اللحظة التي تتحول فيها الإرادة إلى قدرة ثم إلى قرار.
وعندما جاء السادس من أكتوبر عام 1973، لم يكن العبور وليد لحظة عاطفية أو اندفاع غير محسوب، وإنما كان نتيجة سنوات من الإعداد والعمل والصبر. عبرت القوات المصرية قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، وارتفع العلم المصري على الضفة الشرقية، فسقطت تحصينات عسكرية، وسقط معها اعتقاد بأن بعض المعادلات لا يمكن تغييرها. كان انتصار أكتوبر في جوهره انتصارًا لقدرة الدولة على استعادة زمام المبادرة، وعلى تحويل الهزيمة إلى درس، والدرس إلى خطة، والخطة إلى إنجاز.
ومن هنا تأتي أهمية أكتوبر بالنسبة إلى حاضرنا، لأن الدول لا تعيش على انتصارات الماضي وحدها، كما أن الانتصار لا يحمي الدولة إلى الأبد إذا توقفت عن بناء عناصر قوتها. فالجندي الذي عبر القناة واستعاد الأرض كان يدافع عن وطن يريد أن يعيش ويبني ويتقدم، وليس عن مساحة جغرافية فحسب، ولذلك فإن الحفاظ على الدولة بعد استعادة الأرض يصبح مسؤولية لا تقل أهمية عن استعادة الأرض نفسها.
وهذا هو الدرس الذي يبدو أكثر إلحاحًا في منطقتنا اليوم. فقد أثبتت التجارب أن الدولة عندما تفقد مؤسساتها أو تتراجع قدرتها على إدارة الخلاف والأزمات، فإن الخسارة لا تتوقف عند حدود السياسة، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن وفرص العمل وحياة الناس اليومية. وعندما يصبح المواطن غير قادر على معرفة من يملك القرار، أو عندما تتعدد مراكز القوة، أو عندما يتحول الخلاف السياسي إلى صراع على وجود الدولة نفسها، يصبح الطريق إلى الفوضى أقصر مما يتخيل كثيرون.
لكن الحفاظ على الدولة لا يعني أبدًا إلغاء حق المواطن في النقد أو المطالبة بالإصلاح، فالدولة القوية ليست التي تخلو من الأخطاء، وإنما التي تمتلك مؤسسات تستطيع اكتشاف الأخطاء وتصحيحها، وتسمح بالاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع يهدم المجتمع. هناك فارق كبير بين إصلاح الدولة وإسقاط الدولة، وبين تغيير السياسات وتفكيك المؤسسات، وبين المعارضة التي تسعى إلى تحسين الواقع والفوضى التي تترك المجتمع بلا إطار قادر على حماية حقوقه وحياته.
ولذلك فإن بقاء الدولة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد استمرار للحدود أو بقاء المباني الحكومية، وإنما باعتباره استمرارًا لقدرتها على العمل. الدولة التي تستطيع أن تدفع رواتب موظفيها، وتشغل مدارسها ومستشفياتها، وتحمي حدودها، وتوفر الأمن، وتحرك اقتصادها، وتواجه الأزمات، وتحافظ على مؤسساتها، هي دولة تمتلك فرصة حقيقية للخروج من أزماتها. أما عندما تنهار هذه القدرة، فإن المواطن هو أول من يدفع الثمن.
وهنا تتقاطع تجربة مصر مع واقع المنطقة بطريقة واضحة. فمصر بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والاستراتيجي لا تعيش بعيدًا عن أزمات محيطها، بل تتأثر بما يجري حولها سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. ولذلك فإن حماية الدولة المصرية من الاضطراب لا ترتبط فقط بالشأن الداخلي، وإنما ترتبط أيضًا بقدرتها على التعامل مع محيط إقليمي شديد التعقيد، والحفاظ على مؤسساتها، واستمرار اقتصادها، وتأمين احتياجات مواطنيها، ومواصلة بناء قدرتها على مواجهة المستقبل.
والأمر نفسه يمكن قراءته من زاوية الأردن، الذي يعيش في منطقة شديدة الحساسية، تحيط بها أزمات وصراعات تركت آثارها على الأمن والاقتصاد والمجتمع. وفي مثل هذه البيئة يصبح الحفاظ على قدرة الدولة على العمل وإدارة مواردها ومؤسساتها أكثر من مجرد شأن داخلي، لأنه جزء من قدرة المجتمع نفسه على الصمود أمام تداعيات ما يحدث حوله.
لكن الدولة لا تستطيع أن تحمي نفسها بالأمن وحده. فالأمن يحتاج إلى اقتصاد قوي، والاقتصاد يحتاج إلى إنتاج، والإنتاج يحتاج إلى علم وتكنولوجيا، وكل ذلك يحتاج إلى إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على العمل. ولهذا فإن معركة الدولة الحديثة لم تعد معركة حدود فقط، وإنما أصبحت معركة شاملة تبدأ من الاقتصاد وتمتد إلى التعليم والطاقة والتكنولوجيا والإعلام والوعي.
وهنا تظهر معركة ربما تكون أكثر هدوءًا من المعارك العسكرية، لكنها لا تقل خطورة عنها، وهي معركة الوعي. ففي أكتوبر كان الجندي يعرف موقعه على الجبهة، أما اليوم فقد يجد المواطن نفسه أمام جبهة مختلفة تمامًا، جبهة تمتلئ بالمعلومات المتدفقة والشائعات والمقاطع المقتطعة والصور المزيفة والمحتوى الذي يمكن أن يصنعه الذكاء الاصطناعي خلال دقائق. وإذا كان من السهل أن نعرف مصدر الخطر العسكري، فإن معرفة مصدر المعلومة المضللة أصبحت أكثر صعوبة، ولذلك أصبح وعي المواطن وقدرته على التحقق والتفكير النقدي جزءًا من حماية المجتمع والدولة.
ومن هنا أيضًا تتغير طبيعة القوة. فالدولة التي تريد أن تحافظ على قرارها تحتاج إلى اقتصاد يستطيع تحمل الصدمات، وإلى طاقة مستقرة، وإلى صناعة قادرة على المنافسة، وإلى بنية رقمية آمنة، وإلى كوادر تمتلك المعرفة، وإلى مؤسسات تستطيع أن تتعامل مع الأزمات قبل أن تتحول إلى كوارث. وهذه كلها ليست ملفات منفصلة، وإنما حلقات متصلة في سلسلة واحدة اسمها قدرة الدولة على البقاء والتقدم.
وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى درس أكتوبر. فمصر لم تنتصر لأنها كانت تملك كل عناصر القوة منذ البداية، وإنما لأنها أدركت ما تحتاج إليه، وبدأت في بنائه، ثم وظفت ما لديها من إمكانات في اللحظة المناسبة. ولذلك فإن الدرس الأهم من أكتوبر ليس فقط كيفية عبور قناة السويس، وإنما كيفية بناء القدرة التي جعلت العبور ممكنًا.
واليوم تختلف المعركة، لكن المنطق نفسه ما زال صالحًا. لم يعد خط بارليف هو التحدي، وإنما أصبحت هناك خطوط أخرى؛ خط اقتصادي يحتاج إلى الإنتاج، وخط تكنولوجي يحتاج إلى المعرفة، وخط إعلامي يحتاج إلى الوعي، وخط اجتماعي يحتاج إلى التماسك، وخط تنموي يحتاج إلى أن يشعر المواطن بأن الدولة لا تحمي وجودها فقط، وإنما تعمل من أجل تحسين حياته.
ولهذا فإن بقاء الدولة لا ينبغي أن يكون نهاية الطموح، وإنما بدايته. فالمطلوب ليس مجرد دولة لا تسقط، وإنما دولة تستطيع أن تتقدم، وأن تحول الاستقرار إلى تنمية، والتنمية إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص، والفرص إلى أمل حقيقي لدى الشباب. فالاستقرار الذي لا ينتج حياة أفضل يظل استقرارًا هشًا، والتنمية التي لا تصل إلى المواطن تفقد جزءًا من معناها، والقوة التي لا تحمي المستقبل لا تكفي وحدها.
لقد أثبت أكتوبر أن الهزيمة ليست قدرًا، وأن الدولة تستطيع أن تنهض عندما تمتلك الإرادة والتخطيط والقدرة على العمل. وما تحتاجه منطقتنا اليوم هو أن تستوعب هذا الدرس بعيدًا عن الشعارات؛ فكل جيل له معركته، وجيل أكتوبر واجه احتلال الأرض، بينما تواجه أجيال اليوم تحديات اقتصادية وتكنولوجية ومعلوماتية واجتماعية لا تقل تعقيدًا، وإن اختلفت طبيعتها.
ومن هنا يصبح الحفاظ على الدولة مسؤولية مشتركة بين مؤسساتها ومواطنيها. الدولة مطالبة بأن تطور مؤسساتها وتواجه أخطاءها وتحمي حقوق مواطنيها وتوفر لهم فرص الحياة الكريمة، والمواطن مطالب بأن يحافظ على مجتمعه، وأن يمارس حقه في النقد بصورة مسؤولة، وأن يرفض أن يتحول إلى أداة في نشر الشائعات أو تفكيك الثقة أو إشعال الانقسام.
لقد عبر أبطال أكتوبر قناة السويس لأنهم آمنوا بأن ما يبدو مستحيلًا يمكن أن يصبح ممكنًا إذا سبقه إعداد حقيقي. واليوم لا نحتاج إلى عبور قناة جديدة، وإنما إلى عبور أزمات عصرنا بالمنطق نفسه؛ معرفة حجم التحدي، وبناء القدرة، وحماية المؤسسات، وتطوير الاقتصاد، والاستثمار في الإنسان، وعدم السماح للخلاف بأن يتحول إلى صراع يهدم البيت من الداخل.
فالدولة التي تبقى تستطيع أن تصلح، والتي تستطيع أن تصلح تستطيع أن تتقدم.
وهنا ربما يكمن المعنى الأعمق لانتصارات أكتوبر في زمننا الحالي: أن النصر ليس لحظة تنتهي بانتهاء المعركة، وإنما مسؤولية تمتد إلى الأجيال التي تأتي بعدها. استعاد أبطال أكتوبر الأرض، وحان دور الأجيال الجديدة في حماية ما استُعيد، وبناء ما لم يكن موجودًا، وصناعة مستقبل يليق بتضحيات من عبروا القناة وفتحوا الطريق.
في أكتوبر أثبت المصريون أن المستحيل يمكن أن يسقط أمام الإرادة والاستعداد، واليوم يبقى التحدي أن نحافظ على الدولة قوية وقادرة على العمل، لأن بقاءها هو المساحة التي يمكن فوقها أن نبني ونختلف ونصلح ونتقدم.
في زمن الفوضى، قد لا يكون بقاء الدولة نهاية المعركة.. لكنه بالتأكيد الشرط الأول لكل انتصار يأتي بعده
وسم ساره_تسيء_لرسول_الله يتصدر المواقع .. ما القصة
في زمن الفوضى .. لماذا أصبح بقاء الدولة انتصارًا
في الذكرى الـ53 لحرب أكتوبر .. السياسة تخون السلاح
3 أحداث يختبئون داخل عبارة مياه بإربد والأمن يستنفر .. التفاصيل
الشرق الأوسط رقعة الشطرنج المشتعلة وتداعيات الدبلوماسية الخشنة
التحالف يعترض صاروخًا حوثيًا أُطلق باتجاه خميس مشيط
إعلان قائمة قبول الطلبة ذوي الإعاقة لمرحلة الدبلوم .. رابط
5 وفيات و50 إصابة .. حوادث سير مروعة تهز الأردن خلال ساعات
قرار يشمل جميع العمالة الوافدة
رونالدو يعتذر عن مغادرة معسكر المنتخب البرتغالي
ترامب: أكبر مشاكلي أن لا أحد يعرف من يدير إيران
مدينة أردنية تسجل أعلى كمية هطول مطري الثلاثاء
خبر وفاة الفنان سامح حسين يتصدر المواقع
الاحتلال يرفض دخول لجنة الانتخابات الفلسطينية إلى غزة والقدس
قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة
متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة
القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط
من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط
قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول
السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة
مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره
تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر
مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي
حوادث وجرائم مروعة تهز قلوب الأردنيين .. تفاصيل ما حدث
التوجيهي إلكتروني هذا العام .. التربية تكشف تفاصيل الامتحان الجديد
بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي
بعد اتهام الأردن بالتقصير .. الداخلية توضح أسباب أزمة جسر الملك حسين
إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل