ذكاء المسافة

ذكاء المسافة

07-10-2026 04:17 AM

كيف لتلك الطبقة الرقيقة من الجلد أن تتكشّف عن أعماق أبعد مما يختبئ في قاع بئر من الأسرار؟ وكيف تتقاطع فيها الرغبة والخوف، والتمرّن الطويل على التظاهر، وخيبات الحب، وحكايات تشي بأصحابها، وإيحاءات غالبا ما يكونون هم أنفسهم غافلين عنها؟ ولأنه رقيق إلى هذا الحد، فإنه يسمح بالتسريب إلينا، عبر إيماءاته الآمنة، بما يزيد على سبعة آلاف لغة في العالم، وأن تتجلى الشخصية الواحدة بصور لا تشبه بعضها بعضا؛ فأجدني ألتقط ما ينبغي عدم التقاطه، بسرعة مدهشة، من تفاصيلها الصغيرة.
أجادت أحلام مستغانمي في التعبير عن ثيمات الوجوه حين منحتها وصف «طبعات قدرية» لا يمكن الهروب منها، ووضعتها في مكانها كخريطة للذاكرة والهوية. لكن ثمة نوعا من البشر تعجز عن قراءته. أجزم أنك ستصاب باختناق في الرؤية، كمن يحاول فك خريطة جغرافية وعرة؛ حيث ملامح الوجه المتكلسة، وكأنك ترمق ركاما من الحجارة لا تجد فيه خيطا واحدا من النسيج البشري. ابتداءً ممن يصوّرون لك أنهم يحملون كوارث الكون على أكتافهم، بينما يمضي العالم من حولهم بخفة وبراءة تامة نحو الغد. إنهم قنّاصو البهجة؛ يفرّغون الأمزجة من روعة الإحساس بالأشياء، وينتزعون متعتها الوحيدة في بلوغ حميمية السعادة غير الملوّثة. مساء أمس، شعرتُ بأنني أمام الشخص ذاته، حين تعرضت ابنتي لواحد من هذه المواقف الفجّة. ارتمت على صدري، ووجهها مصفرّ، وتوشك على البكاء، لما التقت مصادفةً بمدرّبة السباحة في أحد الأماكن العامة. فبادرتها فورا بحماس الطفولة:
«شلونج، خالة؟ وشلون يومج؟»
فتعالى صوت المدرّبة وسط المكان، محذّرةً إياها من انزياح الألقاب مرة أخرى، على توهّم أنها «مس فلانة»، اللقب الذي تضع نفسها فيه في مقامات رفيعة متخيّلة، من دون أن يعنيها كثيرا من أين تجدها، طالما أنها تلبّي لها الرضا المؤقت، حتى لو كان في أعين الصغار.
أما بالنسبة لي، فقد كان هذا أفضل مخرج لإنهاء التعامل معها؛ عرفتُ منذ اللحظة الأولى، حين بدت لي عيناها شيئا متخشبا، مغلقا وثقيلا، غير نافذ للمعرفة، أننا لن ننجو منها إلا بذكرى غير مريحة. ولو تأملتُ قليلا في خلفية هذه التكشيرات المتضخمة وحالات الضبابية الكئيبة، لوجدتُ أسبابا واضحة جدا، لا تقترن بالضرورة بحالة من الشجن أو الحزن المستعصي. لا يوجد شيء على الإطلاق سوى فراغ يبحث عن وجه آخر يملؤه لكي يعيش، وحين يفشل في الحصول عليه، يُلحق فشله بتلك الحدة في التصنّع والغموض. وبعد كل دقة في التأمل، أرى أنهم بحاجة إلى الشفقة الناضجة أكثر من شعور الغضب. هناك جملة قالها أحمد خالد توفيق، ويسرّني أن أتفق معه: إن الوجه البشري كالشلال؛ في ربع ثانية تجده ملاكا، أو وحشا، أو كائنا آخر. أشعر بأنها تمسك بيديّ نحو الهروب المبكر؛ فهو الفضيلة الوحيدة كي لا أنبهر بعروض تبدو لي مألوفة بالتمحّك والخداع؛ تستدرّ انتباهك، فتلمع وتومض كل ذرة فيها حولك كاللؤلؤ، ثم سرعان ما تبهت وتنطفئ حين تنتهي مصالحها الفورية. وهكذا تتبدّل بلا مبالاة أو خجل، من الرأس إلى القدمين، حتى يبدو في كثير من الأحيان أنها من طراز الوجوه التي لا أسماء لها. ولهذا، أنت بحاجة إلى أن تستريح، لا أن تركض حولها وأنت لا تحصي شيئا منها سوى شعور الضيق نفسه في كل مرة.

أنا أيضا أحتاج إلى الراحة قليلا من الفراسة الجامحة. أنا كائن أتقنتُ مؤخرا «فن التبلّد الحكيم»؛ فمن ذاق السم لمرة واحدة، عرف طعمه للأبد، وصار يمتلك حاسة سادسة للتحذير. بعيدا عن المتاهات الفلسفية المتشعبة، ففي هذا التبلّد شيء من الطمأنينة يلامس هدوءا أبطأ يشبهك. وبعيدا عن القلق الأخلاقي الذي يجعل قراءة الآخر اقتحاما لا خلاص منه، وقد يقتل العلاقات والرغبة في الحب قبل أن تبدأ، وأجدني هنا مع كافكا حين يقول: «المعرفة الكاملة قاتلة». لكن الاعتراف الأصدق الذي توصلت إليه مؤخرا هو أن التبلّد وحده لا يكفي. فالحياة لا تسمح لك بأن تتجاهل الجميع؛ فهذا غير منطقي بالمرة. ربما تجد واحدا أو اثنين أو ثلاثة من هؤلاء بالقرب منك؛ إذن فأنت مجبول على التعامل معهم، سواء كان جارا عبوسا، أو قريبا حاسدا، أو صديقا متحذلقا. وهنا يأتي اختراع يبدو في بساطته مثيرا للغبطة لنتيجته العظيمة: إنه ذكاء المسافة.
ستجد فيه راحة لا حدود لها؛ إذ لولا هذه المسافات لشعرتَ بأن بعض الكائنات قد تقفز فوق رأسك، أو قد تتسلل قطعة منها من تحت الباب. في هذه المسافات شيء من الطمأنينة، ومن الضحك والجدال غير المضني، وكل ما يعيد إلينا شهية كنا فقدناها نحو الحياة. ويمكننا أيضا، تحت ذريعة المسافة، أن نتخلّى عن فئات لم يكن يزكّيها سوى قربها منا، ثم تبيّن أن المسافة هي المصباح الوحيد الذي كنا نراهم من خلاله. وأما الآن، سأفضّل توظيف مهارتي في رسم المسافات عوضا عن حدة الذهن في قراءة ما وراء الوجوه. أجل، إنها نهاية الصراع مع هذا الجهد الضخم، متجهةً إلى صفّ السكون والهدوء، غير مصغيةٍ إلى أي شيء مما لم أرغب في الاحتفاظ به.
انجرف بعيدا نحو أبطال الأدب فيبدو لي أنهم وحدهم الأكثر صدقا، لأن الروايات تمارس نوعا غريبا من التخفّي اللذيذ، فتتجلّى أبطالا في فقرهم وكبريائهم، لا يتفقّدهم إلا عاشق متلهف يقلّب صفحاتها بين الحين والآخر، ثم تمضي وكأنها لم تقل شيئا، ولا تسمح لنا بنسيان صورها وحكاياتها؛ كونها محمّلة بأكاذيب وحماس وبهاء وغضب تشبهنا . عادة أستعين بالكتابة كعاصفة ذهنية، فلعلّ الورقة البيضاء هي المحاولة الوحيدة التي تنجو من أي اقتحام آخر. هناك أمارس حريتي ككاتبة؛ لم أعد أحتمي من الوجوه بالمسافة وحدها، بل أحتمي، ألف مرة، بالكتابة. وأصنع بالحبر عالما آخر، ينبثق منه خلود التأمل في خريطة وجه إنسان واحد .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط

من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط

قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول

السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة

مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره

تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر

مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي

حوادث وجرائم مروعة تهز قلوب الأردنيين .. تفاصيل ما حدث

التوجيهي إلكتروني هذا العام .. التربية تكشف تفاصيل الامتحان الجديد

بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي

بعد اتهام الأردن بالتقصير .. الداخلية توضح أسباب أزمة جسر الملك حسين

إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل

هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"