معارك برلمانية / ح3 : جوع وحظر وصراع

معارك برلمانية / ح3 : جوع وحظر وصراع

01-03-2011 11:10 AM

بقلم المؤرخ والمفكر , د. احمد عويدي العبادي
عضو مجلس النواب الأردني السابق لمرتين
("دكتوراه في العلوم السياسية والاجتماعية
من جامعة كيمبردج/ بريطانيا 1982")
في هذه الحلقة
== محطات داخلية وخارجية أثرت على أدائي البرلماني
== الطريق إلى دراسة  الدكتوراة في بريطانيا 
==صراعي مع مدراء الأمن العام أثناء خدمتي فيه 
== انخراطي في الحركة  الوطنية الأردنية قبل التقاعد
== أوامر بحظر النشاط الذهني والإعلامي
== إحالتي على التقاعد ومنعي من السفر والعمل
== الجوع الحقيقي الذي لحقني بعد التقاعد
الحلقة الثالثة / تفاصيل
     محطات داخلية وخارجية أثرت على أدائي البرلماني
محطات ثلاثة  هامة حدثت معي   أثناء دراستي  بالانتساب في  جامعة بيروت العربية / بيروت بين 1968- 1970 , لا تزال عالقة في ذهني وأثرت في شخصيتي العامة والخاصة ومواقفي البرلمانية  . فقد سبق وذكرت في الحلقة الثانية أني انتسبت إلى جامعة بيروت العربية رغم انف التعليمات الرسمية الصارمة التي تمنع ذلك وتعاقب عليه على انه تجاوز للضبط والربط العسكري وعدم الانصياع للتعليمات / لاحظوا كلمة الانصياع وليس التقيد , لان الانصياع تعني الرضوخ للفوقية التي لا تفهم الحوار والنقاش /: أي نمط من العبودية ولكن ب امتيازات شحيحة أمام امتيازات الآخرين , بل التي يعتبر النقاش فيها  من المحرمات.
  المحطة الأولى كانت  في عام 1969 أو عام 1970 لا اذكر بالضبط ولكنني احفظ الحادثة وكأنها أمامي , وعندما كنت في جامعة بيروت العربية وقت الامتحانات سكنت ومعي احد أقاربي الذي كان ملتحقا بالجامعة  أصلا , وذات يوم وبعد تقديمي الامتحان صباحا , عدت ظهرا  إلى الغرفة فوجدت قريبي  مضطربا يذرعها  جيئة وذهابا ويضرب  الكف بالكف ويكاد يفقع أو ينفجر , وعندما قرعت الباب وراني أخذني بالأحضان وهو يبكي ويقول : معقولة ؟ معقوله , ثم أجهش بالبكاء  وأنا في غاية الذهول لا ادري ماذا حدث , وقد عدت توا من الامتحان وأبدعت فيه .
   قال وهو لا يصدق نفسه : الحمد لله انك لا زلت على قيد الحياة , جلست على السرير لالتقط أنفاسي , وسألته ما الذي حدث أو يحدث ؟ قال إن إحدى منظمات الفدائيين في بيروت ولها خلية تقطن  العمارة التي نسكنها تريد اختطافك وهم يراقبونك ويتربصون بك , قلت :  ولماذا ؟ قال لأنك ضابط بالأمن العام الأردني ويعتبرونك من أدوات القمع والتعذيب والقتل ضد رفاقهم بعمان . قلت وكيف عرفت ؟ قال : هكذا اخبره احد الشباب العاملين مع المنظمة وينقلون عنهم الأخبار , ( فالاختراق موجود في مثل هذه الحالات ), وقال انهم جاءوا وطرقوا باب الغرفة وسالوا عنك يريدون اختطافك وقتلك وبكل وقاحة  . قلت لا حول ولا قوة إلا بالله : لا يمكن أن نتجاوز عمرنا  ومصيرنا الذي كتبه الله لنا , ولا يمكن أن نموت قبل أواننا , هكذا تعلمت من والدي البدوي الحكيم بالفطرة . وهنا صاح قريبي . أنت هنا تتفلسف والقوم يريدون قتلك ؟ قلت وكلها لله , وتداولنا الأمر من قطع الدراسة والعودة الآن إلى تغيير الغرفة إلى البقاء إلى مجابهة المصير . وأخيرا قررت البقاء في ذات الغرفة ومواصلة امتحاناتي , وأمري إلى الله . وذهب قريبي إلى امتحانه المسائي وبقيت وحدي في الغرفة  .
   بعد وقت من التأمل بين الخوف والرجاء والأمل والألم نزلت إلى الدكان المجاور  للعمارة لاشتري طعاما وخضارا للغداء . كنت جائعا بالفعل , وعندما اشتريت الأغراض ووقفت عند أرضية المصعد , وإذا بثلاث رفاق يحيطونني وهو يتغامزون ويتهامسون ويشيرون إلي . كانوا فتاة حسناء اكتشفت أنها مسئولة الفرقة , وشابين مفتولي العضلات , وفهمت من عيونهم أنهم يريدون اخذي من داخل المصعد وليس من بابه الخارجي . وهنا رأيت انه حانت لحظة الحقيقة  ومجابهة مصيري على أيدي مجموعة من الزعران والبلطجية ,  وأنه ليس بيني وبين الموت  سوى دقائق , ولن أتمكن من تناول الطعام الذي اشتريته توا . في هذه اللحظات تشكل رباطة الجأش أساسا لمجابهة التحدي , وقد آتاني الله ذلك دائما والحمد لله . .
      وعندما نزلت  قمرة المصعد إلينا فتحته وقلت لهم مبتسما  : تفضلوا يا رفاق . وهنا شعرت أن صاعقة نزلت عليهم ووقفوا قليلا دون أن ينبسوا ببنت شفة  , فكررت قولي : تفضلوا أيها الرفاق المناضلون المجاهدون : وهنا , وبعد تبادل النظرات بين الرفاق الثلاثة , قالت الفتاة الحسناء , تفضل أنت يا أخ , قلت وأنا لازلت ماسكا بباب قمرة المصعد , كيف لمثلي أن يتقدم على الرفاق .  وعندما  أدركت بسرعة  أن الفتاة هي التي تقودهم رأيت أن أوجه إليها  كلاما يجعلها إلى جانبي لان الغواني يغرهن الثناء حتى ولو كانت إحداهن أقبح من الضب  أو القرد الأجرب . قلت : كيف لي أن أتقدم على شمسين مع قمر لكنهما شمسان عاجزتان أن تغطيا على  هذا القمر  . وهنا قالت الرفيقة : ينصر دينك أي هذا الكلام الذي يملا الرأس ويعبر عن الحقيقة  , مش مثل الرفاق ما يعرفوا يقولوا كلام حلو : تفضل أنت  قسما بالثورة والبندقية إلا صعدت أمامنا . وهنا شعرت أن التقرب من الفتاة سيعزلها عن الرفاق ويمنعهم من إيذائي ,ويجعلني في مأمن إن شاء الله وهو ما أريده ليس إلا .
        صعدنا فقالوا أين تريد , وشعرت أن ذلك امتحان لي . قلت حيث تريدون انتم . فقالت الفتاة دعنا نكمل مشوار الكلام الحلو تعال إلينا بالشقة , وكانوا في الطابق الرابع أو الثالث لا اذكر بالضبط  وكنت في الطابق الخامس .  دخلت معهم إلى شقتهم وهنا وجدت قطيعا كاملا من الرفاق  المسلحين , وإذا بالشقة مليئة بالأسلحة وأدوات أخرى اعرف أنها للتعذيب من خلال خبرتي الأمنية , وشعرت أن نهايتي قد حانت وان منيتي قد دنت , واستغربت مالهم ولضابط أردني بدوي يافع لم يأتي للتجسس عليهم بل لبناء نفسه وللدراسة والتعلم ؟  .
      وهنا استنفر القطيع وبأيديهم أسلحة  لإظهار القوة إمام رجل غريب سحنته بدوية ( حضرتي )  دخل عليهم وحسبوا أنني مساق للاعتقال والتعذيب والقتل وان عليهم أن يبداوا مهمتهم فورا , وهي المهمة التي ربما اعتادوها مع غيري في غمرة الفوضى الأمنية  . ويبدو أنهم ممن  ساهم في مراقبتي وحسبوا  أن لحظة التعذيب والقتل قد حلت وان منيتي قد حانت . وهنا خرجوا وهم يشتمون الأردن والنظام بالأردن ورموزه , وأنا أهز راسي  وهم يحسبون أنها الموافقة  مني, وأما أنا فكنت في الحقيقة مهتما بسلامتي الشخصية وليس بسلامة من هم في عمان . وهنا غابت الفتاة قليلا في إحدى الغرف  , وأنا لا أثق بأي منهم  ذكرا كان أم أنثى  , فالله خير حافظا وهو ارحم الراحمين , ثم عادت الرفيقة الحسناء وقد زادت من زينتها لتقول لي :  افهم الرفاق أنني قمر , وأنهم ليسوا كذلك وان القمر هو الذي يبدد بنوره الظلام  , وأنت في ضيافتنا حتى يفهمون .
   هنا وجدت نفسي مأسورا ومجهول المصير واعتبرت كلامها تهديدا وأنها ستأمر بقتلي بحجة عدم قدرتي على التعبير بكلام يرضيها , وان الحقد ألدفين لم ولن ينجلي بالابتسامات فكل منا يضحك على الآخر , والفارق أنني لست قاتلا لهم لكنهم قاتلي لا محالة , وهم يريدون أن يتقدموا من أسيادهم وزعاماتهم فيما يسمونه الثورة أنهم اختطفوا وقتلوا ضابطا في الأمن العام الأردني , وحين يقتلونني  سيقولون أنني  احد كبار ضباط الأمن العميل الخائن الذي جاء يتجسس عليهم , لكنهم لن يشيروا إلي كشاب يافع طموح جئت للدراسة مخالفا للتعليمات الرسمية العلوية والمتوسطة وصرت بين نارين, نار الكداشة في عمان الذين لا يريدون لأبناء العشائر العلم , ونار القتل على أيدي المخربين والزعران في لبنان  , وان قتلي سيعطي تنابلة عمان المبرر للبطش بكل من يريد القراءة من أبناء العشائر , بحجة الحفاظ عليهم من الخطف والقتل  .
    . قالت الرفيقة الفتاة  وهي توجه الكلام إلي بوجه شعرت انه يبيع الثورة من اجل تحقيق ألذات , افهم الرفاق أن القمر يغطي على الشموس : قلت لها صراحة :  ترى لو قلت لهم ما تريدينه ما هي الجائزة . قالت : تصبح رفيقا منا  لك مالنا وعليك ما علينا . إنها المساومة حتى بالكلام المعسول , ولا حول ولا قوة إلا بالله ألعلي العظيم .  فنظرت من حولي في الشقة الواسعة  وأنا أرى قوما ما افلحوا وهم يولون أمرهم لفتاة ضيعت الهدف من اجل  كلمة إطراء , إنها إرادة الله سبحانه , فانا محظوظ ورضي والدين , إذن لابد أن أغرقها بالشعر لكي  أنجو من الغرق والخطف والقتل المحقق , وربما القتل بدم بارد  . قالت بكل وقاحة : مالي أراك سارحا , قلت لها :  قولي للرفاق ألا  يمسكوا بالبنادق فوق راسي وأمام عيني فلست قادرا على التعبير تحت الحراب ,  فانا هنا لست مقاتلا , أنا مجرد ضابط  طموح ادرس بالجامعة , فتنحنح الرفاق باعتبار أنني غير صادق في رأيهم , وقالت الفتاة لرفاقها : لو سمحتم أيها الرفاق أناشدكم بشرف الثورة أن  تتركوا  الرجل يتحدث واسمعوا  ما يقول بدون سلاح ولا تهديد , وفي لحظة واحدة اختفى السلاح وتحلق الرفاق حولي يستمعون : فقلت أريد أن اشكر الله سبحانه ثم اشكر الرفيقة ومن ثم الرفاق : قالت نعم يسلم ثمك, دعنا نسمع كلاما كالذي قلته عند أرضية المصعد
قلت  أنا بدوي ولا اعرف إلا الشعر البدوي ( وفي الحقيقة أنني أجيد نظم الفصيح والبدوي )  , قلت ذلك لأنهم شتموا البدو أمامي ووصفونا بالمرتزقة , وكأني أقول لها وأقول لهم  أن البدو هم أهل الإبداع , وأريدها أن تمتدح البدو بعد أن أغرقت ورفاقها في شتمهم أمامي , وهنا  وجهت كلامي إليها بشعر بدوي  :
 الله خلق بالكون شمس مع قمر = وأنت اعتديت والعدا سبب خطر
لا تبيني وسط النهار تلفعي   ما تحتمل  شمسين أجسام البشر .
 وهنا صاحت وقفزت بالهواء, يحيا الشعر البدوي ,  وصاح الرفاق : الله الله الله , ما هذا يا رفيقة أنت شمس الأرض وقمر السماء . حينها شعرت أنني وسط قطيع من الزعران والسر سرية ذكرهم وأنثاهم , وان الثورة بالنسبة لهم هي الحقد علينا فقط وليس لتحرير فلسطين . يا الهي كم احتقرتهم وكم شعرت بمهانة الإنسانية بين يدي .  قالت إذن لابد وان تتغدى معنا . قلت قد اشتريت غدائي , وأريد أن آكل في غرفتي . ولكنها أصرت وأقسمت بشرف الثورة والبندقية وإسقاط النظام بالأردن ,  أن آكل معهم . قلت إن هذا في عرفنا يعني العيش والملح والأمان . قالت أنت في أمان أكلت أم لم تأكل . قال الرفاق : معلوم شمس وقمر يا حلاوتك ياولد .
     وبالفعل جيء بالطعام وتبادلنا النكات , بل وقصفت الرفيقة بعدد من أبيات الشعر البدوي منها والفصيح , إلى أن قالت : لماذا يعلموننا فكرة سيئة عن بدو الأردن ونكرههم ونحقد عليهم  طالما أن لديهم كلاما جميلا مثل هذا الكلام والشعر ؟ إن ما اسمعه الآن يغاير ما تلقيناه  وتعلمناه من قبل. وبعد انتهاء الطعام والشعر وقفت الرفيقة البتول وأعلنت ( هي )  أمام قطيع الرفاق  أنني في حماية الرفاق وأنها  كمسئؤلة عن مراقبة طلاب الجامعة ستخبر عناصر الرصد الثوري ألا يؤذون صديق الثورة هذا الضابط المحترم ( أي حضرتي ) الذي لا يعمل جاسوسا عليهم . وقالت إنها مستعدة لإرسال حارسين من الرصد الثوري  لحراستي من الخطف في بيروت عندما اشعر بالخطر .
      وهنا وقفت وقلت : شكرا للرفيقة المبجلة الفاضلة , وصفتها بالفاضلة , شكرا لكم على الضيافة والاهتمام وان الحوار بيننا هو الأفضل وليس العنف والبندقية , ثم كررت قائلا ومختتما : واشكر الرفيقة قمر بيروت والثورة  وشمسها : وهنا صاح القطيع : يا حلاوتك ياولد شمس بيروت والثورة وقمرها , ونسأل الله سبحانه أن يحقق أهدافنا . فقالوا آمين.  أما هدفهم فكان ماهو معروف , وأما هدفي فكان ماهو معروف , وتم الحسم فيما بعد بسواعد أبناء العشائر الأردنية , وبأوامر من الرفيقة البتول رافقني رجلان إلى غرفتي . وانتهيت من هذه العلقة بفضل من الله سبحانه , وكلما رأيت الرفيقة عند المصعد ومعها حراسها دعوني إلى غرفتهم فأقول سآتي بعد الامتحان . وعندما انتهيت من الامتحان غادرت بيروت في ذات اليوم وحمدت الله سبحانه  على السلامة , وأنني لن أرى الرفيقة ولا الرفاق في بيروت , وأما في عمان فالأمر مختلف وكان لنا معهم شان آخر.
        والحادثة الثانية هي أنني  ذهبت ذات يوم لتقديم الامتحان قبل الظهر وعندما خرجت  من الامتحان ظهرا فرحا بسبب الإجابات الصحيحة  , توجهت إلي مقصف الجامعة لتناول الغداء والفطور معا  حيث لم أتناول فطوري اليوم لانشغالي بالدراسة . وهنا سمعت صوت رئيس اتحاد الطلبة الأردنيين بالجامعة  يزار كالأسد ويزمجر كالسيل الهادر  وهو يقول : يا جاسوس يا خائن يا بواق يا للي تكتب بالطلاب للمخابرات , والله غير أذبحك اليوم . وصلت إليه  وقد أحاط به أكثر من أربعة طلاب يمنعونه من افتراس الجاسوس , وإذا به يوجه الكلام إلى شاب اسمر السحنة  تجمد الدم في عروقه خوفا  ورعبا من الأسد الهصور , ورأيت  الطالبين كليهما وهما ملتحقان بالجامعة  , وسالت الطالب الذي يتهمه رئيس  الاتحاد انه جاسوس على الطلاب , من أين هو ؟ , فقال لي : انه من قبيلة كذا وهي أردنية  . وهنا شعرت أن من واجبي التدخل وكلانا من ثلاث قبائل أردنية  متجاورة , ونحن الآن طلاب في ديار غريبة  , فرئيس الاتحاد صديق شخصي لي وممنوع من دخول الأردن لأنه يمارس السياسة في بيروت وهو محرم رسميا على أي ردني أن يمارسها  ,وهو ينتمي لعشيرة عريقة وعميقة في تراب الأردن وتاريخها واسمها معروف في العالم العربي كله , فأمسكت به وقلت لبقية الطلاب اتركوا الشيخ علي  أنا , فنحن نعرف طراد بعضنا ( وهي كلمة أردنية تعني أننا نعرف كيف نتصرف تجاه بعضنا بعضا ) . ما دهاك يا شيخ فلان / وهو في الحقيقة شيخ كابرا عن كابر  . فقال وهو يوجه أصابع الاتهام إلى ذلك القابع  المرعوب : هذا الجاسوس العميل  الخائن الخسيس  البواق خائن العيش والملح , ( مستخدما سائر قائمة الشتائم بلهجتنا الأردنية )  يكتب بالطلاب ويهددهم بالمخابرات وكلما سافر طالب  من أبناء العشائر تم القبض عليه وتم منعه من العودة لمواصلة الدراسة . أريد أن اخلص أبناء العشائر منه . قلت هو الآن في وجهي يا شيخ / فلان , فقال الطالب الشيخ : هو بوجهك مني ومن الطلاب , ولكن هل تضمنه أن  نكون بوجهك من خساسته وتجسسه ونجاسته  .. و.. و.. قلت : موجها كلامي إلى الجاسوس , هل أضمنك يا فلان ؟ فقال تضمنني . فقلت إذن تبا وسوا اللحى وكلاكما في وجهي . فانا اعرف الأردنيين جيدا لأنني  واحد منهم , واعرف أن لحظة هيجان وغضب قد تتبعها لحظة عناق وصالحة إذا أحسن الوسيط أداء الواجب , وإذا أحس الطرفان أن المعركة انتهت : لا غالب ولا مغلوب .
      والمحطة الثالثة أثناء دراستي في بيروت بالانتساب التي أثرت كثيرا بمسلكي السياسي والبرلماني ,  هي حرق العلم الأردني وسفارتنا هناك أمامي أثناء أوقات تأدية الامتحان صيفا  . لقد أثرت هذه المحطة كثيرا على أدائي البرلماني  ومواقفي السياسية فيما بعد . لان مثل هذه الأشياء بقيت ولا زالت مخزونة في  ذاكرتي  . وأما تفاصيل القصة فهي على النحو التالي : كنت ذات عصر احمل كتابي وأقرا في خلاء من أحياء بيروت لم يزحف إليه البنيان آنذاك بعد , وإذا بمظاهرة حاشدة تقودها فتاة نحيفة ترتدي لباس الثورة , ويحملها شخص بدين على كتفيه ,  وهي تهتف بسقوط الأردن والشعب الأردني والملك والبدو والأردنيين . وهنا توقفت عن القراءة وبدأت ارقب ماذا سيحدث , وسأروي ما حدث باختصار لأنه لم يذهب من ذاكرتي إطلاقا .فقد طوق المتظاهرون سفارتنا في بيروت خارج أوقات الدوام الرسمي ثم دخل من دخل إلى مبنى السفارة وتسلق أسوارها من تسلق فوق أكتاف بعضهم بعض تتقدمهم الفتاة إياها  .
       ثم صعدت الفتاة القائدة من خلال بيت الدرج  إلى السطح حيث سارية العلم  الشامخ , وكنت قريبا  من المكان وقامت ومن معها بقطع  حبل العلم الأردني العزيز إلى قلبي  المشدود إلى السارية , وانزلوا العلم وتلقفته الفتاة وبصقت عليه ثم داسته بقدميها وأمرت بقية الشباب الذين صعدوا معها أن يبصقوا عليه  وان يدوسوه في حفلة بصاق ودوس بالأقدام , ثم أشعلوا فيه النار  ثم نزلوا وأشعلوا النار في السفارة  معلنين تحريرها من الأردنيين والبدو والنظام ....... . لا ادري كيف لم أمت من القهر في تلك اللحظة  وأنا الشاب اليافع المحب لبلده الأردن وبكيت وأنا أرى علم بلادي يداس ويحترق ويهان وليس في يدي حيلة . ولو عرف المتظاهرين أن ضابطا بالأمن العام الأردني كان قريبا منهم لقطعوني اربأ اربأ  , وربما احرقوا جثتي في احتفال المظاهرة  وسط صيحات النشر , كما احرقوا العلم , ولاعلنوا انهم احرقوا ضابطا كبيرا في الأمن العام الأردني جاء للتجسس وأنا لازلت برتبة ملازم أول ولم أتجاوز الثالثة والعشرين من عمري  , وبعد إحراق السفارة  وتحويلها إلى قاع صفصف خاوية على عروشها , توجه المتظاهرون قافلين من حيث أتوا إلى حيث انطلقوا حيث كانت  إحدى  مراكز قيادة الثورة , وهم يحملون الفتاة الثورية العظيمة , ربما لأداء مهمات آخر ضد الأردن ولو من موقع الوزارة الأردنية بعد حقب من الزمن .
     ومرت الأيام والسنون , وبعد حوالي ثلاثة عقود  وإذا بالفتاة أو شبيهتها ( والله يخلق من الشبه أربعين ) وزيرة مهمة جدا  في الحكومة الأردنية وأنا نائب بالبرلمان متزامنين معا , وقمت بالواجب الوطني في كشف الفساد الخاص بها , وقد ادعى بعض الناعقين أنني كنت عدوا للوحدة الوطنية ولم يعرفوا أنني كنت أدافع بالدرجة الأولى وبأثر رجعي  عن علم بلادي الذي أحرقته  وأهانته  هي  ورفاقها قبل ثلاثين سنة ونيف . ولا شك أن  هذا الحادث كان له تأثير في مواقفي البرلمانية , والثأر للوطن ولو بأثر رجعي . فالثأر الوطني عند الأردنيين لا يغشاه التقادم الزمني  إطلاقا .
   ونرى أن نضرب مثلا  على ذلك من جملة الأمثلة التي مرت بي , حيث الوقوف في محطة أخرى ولكنها   في الداخل / أي بالأردن , وهي علاقتي بالمغفور له الرمز الوطني الشهيد وصفي التل رحمه الله واسكنه فسيح جناته , آمين يا رب العالمين,   وكيف أثرت  هذه العلاقة على منهجي الوطني والبرلماني  والفكري . كان الضباط الصغار وأنا منهم  آنذاك يحبون وصفي التل إلى درجة لا يتصورها العقل , فهو رجل وطني صادق ونزيه وشجاع ولا يحابي على حساب الوطن . ورغم انه كان في بيته إلا انه كان أقوى رجل في الأردن في حينه وبدون استثناء , فقد كان الجيش يحبه وكذلك الأمن والمخابرات فضلا عن الشعب الأردني , وصار الملاذ الأمن والمرجعية الوطنية والسياسية في ظل غياب سائر المرجعيات . فكرت كيف يمكن لي أن اصل إليه وهو في بيته بينما كانت الأردن تعوم في بحر لجي ملفع بالظلمات من الاضطرابات وانعدام الأمن  والطمأنينة والممارسات النشاز والإرهابية ضد الأردنيين وبخاصة العسكريين منهم , وكلنا نبحث عن الأمل والقائد الذي يأخذ بأيدينا إلى شاطيء السلامة فوجدناه في شخص المغفور له وصفي التل , فكتبت قصيدة طويلة مدحته فيها ومنها قولي :
من حق وصفي على الأردن يذكره  == دوما بأعلى سماء المجد ميزان
 فكرت طويلا بالطريقة التي يمكنني بها الوصول إلى  الشهيد وصفي التل والتواصل معه رغم فارق السن والموقع  والمكانة , وفهمت بطريقتي الاستقصائية انه يسكن  في بيته في الكمالية  مابين صويلح والسلط ,وانه يستقبل الناس يوم الجمعة ضمن سياسة الباب المفتوح , وانه بدون مكتب ولا بهرجة ولا حرس , وان له سائق فقط  من عشيرة السرحان , وبالفعل ذهبت يوم جمعة إلى بيته صباحا ,  فوجدت الجلسة مليئة بالمدنيين وكبار الضابط  بلباسهم العسكري , وكنت ارتدي لباسي العسكري أيضا  وأنا برتبة ملازم ثاني اقلهم  رتبة وربما أكثرهم طموحا . جلسنا بانتظاره رحمه الله وما هي إلا عشر دقائق أو حولها حتى  دخل علينا بقامته الطويلة  وسحنته الأردنية الأزدية الغسانية , وكان لا يعرف من جاء مع من . وبقيت صامتا إلى أن أنهى  الفوج  حديثهم معه وغادروا ولم أغادر  معهم لأنني لست معهم ,  وجاء فوج آخر وانهوا ثرثرتهم وغادروا ولم أغادر معهم , وجاء فوج ثالث وغادروا وبقيت في رسالة مني أنني جئت امة وحدي لا علاقة لي بهؤلاء وأنني لست تابعا لأحد منهم, وانه لم يأتي معي احد , وهي الرسالة التي فهمها بوضوح.  فقال وهو يوجه الكلام إلي : أهلا وسهلا : ففهمت انه يريدوني أن أتحدث , فقلت له حديثي خاص معكم يا باشا , هل ذلك ممكن ؟ .
       فقام واخذ بيدي إلى غرفة صغيرة وهو يقول  بتواضع : نعم بكل سرور وحبا وكرامة : فقلت له في الغرفة , أنا الملازم احمد عويدي العبادي جئت اعبر عن حبي لك واهنؤك بحب الأردنيين والجيش والأمن والمخابرات لكم , فابتسم رحمه الله وقال شكرا يا ابني بارك الله بك وبهم , الأردن بلدنا والأردنيون أهلنا ونحن نكرس حياتنا من اجلهم . قلت له :  لقد قرأت شخصيا  كتب المقاومة الروسية للاحتلال النازي , والمسماة حرب الأنصار , وقرأت كتب  ثورة  كاسترو وغيفارا ضد الطاغية باتيسا وكيف حرروا بلادهم  كوبا منه , وقرأت كتب المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي , وقرأت كتاب رومل ثعلب الصحراء  ومذكرات تشرشل رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية , وكتاب كفاحي لهتلر , ومذكرات ديغول وكتاب البؤساء لارنست همنغواي , وحرب العصابات الفيتنامية التي قادها هوشي منه والجنرال جياب ضد الاحتلال الفرنسي . وقف الرجل متعجبا من كلامي وهو لا يدري ما علاقة هذه العناوين والقراءة بلقائي معه ,  فقال :  رائع يا عبادي ( وكان حفظ اسم العبادي على سائر الأسماء على الطريقة الأردنية بحفظ أسماء العشائر قبل أسماء الأشخاص )  أن نجد شابا بسنك من أبنائنا  يهتم بهذه المواضيع ويقرأ مثل هذه الكتب , ثم صمت وكأنه يقول ما علاقة هذا الكلام بالحديث إليه ؟  .
       قرأت سحنته وما في ذهنه واستخرجت ورقة مكتوبة  بخط يدي , وقلت وخرجت منها يا باشا  بدراسة مدونة على هذه الورقات لعلكم تستفيدون منها عند وضع الخطط للدفاع  عن الأردن وإخراج المسلحين من عمان . وهنا اهتم بالموضوع وقد سمع المقدمة ومد يده مهتما لما فيها , وقال : وما بها ؟ قلت : وضعت مخططا  لنشر المخافر المسلحة  بعمان لضبط الأمن وطمأنة الناس وحمايتهم من أيدي العبث , وقطع دابر التخريب . قال : بكل سرور , نحن بحاجة إلى الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى لنحل مشكلتنا . قلت هي في هذه الصفحات القليلة , وهنا تصفحه محتوياتها بسرعة ثم أخذها ووضعها في جيبه . ثم قال رحمه الله : يا احمد يا عبادي إن من يقرا هذه الكتب في هذه السن يجب أن نقرا رأيه ونسمع صوته ونشجعه على المزيد . قلت إن سمح لي دولة الباشا أن أكون على صلة به لأنني لا أجد مسئؤلا  سواك أثق به  وأسديه النصيحة رغم صغر سني  ,  فقال البيت بيتك في أي وقت وأفضلها وانسبها عندي  أيام الجمعة وتعال بدون موعد مسبق قبل صلاة الجمعة . وكذلك كان . واستمريت على صلة قوية مع المغفور له وصفي التل حتى صار بعدها رئيسا للوزراء ثم  انتقل إلى الرفيق الأعلى  شهيدا أي لأكثر من سنتين , وقد اثر تعاملي معه على شخصيتي وفكري الوطني وعلى مواقفي البرلمانية , لأنني من مدرسته بامتياز . وبالفعل تم تطبيق خطتي لإنشاء المخافر بدقة متناهية وكانت وسيلة ناجعة ناجحة لسيطرة الدولة وحماية الناس ووقف التخريب . وصارت الدولة مهابة الجانب وأجرى الملك مصالحة مع أبناء العشائر وأعاد إلى الخدمة أبناءهم من الضباط الذين كانوا مرمجين بسبب نشاطهم السياسي منذ الخمسينات إلى نهاية الستينات , واستطاع هؤلاء الإمساك بالوطن وحمايته .
   وأثناء كان المغفور له الشهيد وصفي التل  رئيسا للوزراء صرت مسئؤل مفرزة حي المصاروة في جبل عمان  ومركزنا قرب الدوار الثاني في أثناء موجات العنف وانعدام الأمن , واحتدام الصراع , وقد أصبحت مسئؤل مركز من المراكز التي اقترحت إنشاءها . وكنا نتعرض إلى الهجوم والقصف ليلا بشدة ونهارا بشكل متقطع , ولا شك أن ذلك زاد في يقيني أن الإنسان لا يمكن أن يموت إذا لم يحن اجله وكنت احزن للزملاء الذين كانوا يسقطون صرعى أمامنا دفاعا عن الأردن وحرائره وأهله وأمنه  . وعلى اثر إحدى المعارك المتبادلة , حضر الباهي  الأدغم مندوب رؤساء الدول العربية لمراقبة وقف إطلاق النار بالأردن  , وكنا لا نرتدي الرتب وكنت برتبة ملازم أول , ونلبس الفوتيك جميعا خاليا من الرتب . ولما وصل المفرزة سال : أين الضابط المسئؤل , فأشاروا إلي  فجاء وطرح السلام فرديت عليه بالسلام , ثم مد يده إلي للمصافحة , فرفضت مصافحته وقلت له إني لا أصافح شخصا تضمخت يداه بدماء الأردنيين , فقال كيف يكون هذا ؟ قلت أنت منحاز ضد الأردن والأردنيين مثلما هو النميري  والقذافي والكثير من رؤساء العرب . كان يرافقه عقيد من الجيش الليبي فقال العقيد الليبي إن ليبيا لا علاقة لها بالسوء , فقلت أقول ألقذافي والنميري ولا أقول ليبيا والسودان .
      كان الباهي الأدغم  طويل القامة ضخم الجثة اسمر السحنة فازداد لون وجهه سوادا  بعدما سمع ما سمعه من شاب في مطلع العشرينات من عمره  وهو حضرتنا , وقال سأشكيك إلى رئيس الوزراء الأردنية, وكان آنذاك المرحوم وصفي التل , فقلت له : وصفي على راسي وعيني ولكن لماذا لا تشكوني إلى جامعة الدول العربية وهي جامعة الهمل العربية  التي تفرق الناس والأمة وهي التي أنشأها الإنجليز بديلا عن وحدة العرب  . لماذا تأتي لبلادنا مادمت  تقف سلفا ضدنا ؟
.     وهنا وجد الباهي الأدغم انه في ورطة لم تكن في حساباته ,  وغادر المكان , وما هي إلا ساعة أو يزيد وإذا بالية مصفحة تحضر إلى عندي وتأخذني إلى مدير الأمن العام , وأخذوني مباشرة إلى مكتب الباشا . فقال لي  مدير الأمن العام : مالذي فعلته يا ملازم احمد ؟ قلت رفضت مصافحة هذا الباهي  الأدغم . فقال قل لي انك لم تفعلها . قلت لا بل فعلتها , إن الذي لا يخاف الرصاص وهو تحت نيرانه ليل نهار لا يخاف من الباهي ولا من هم وراء الباهي . ابتسم وكاد ينفجر ضحكا لكنه ضبط نفسه وشعرت انه سعيد بهذا الكلام جدا , قال من تقصد ؟ قلت : الجامعة العربية المتآمرة على الأردن . كان مدير الأمن العام يشعر بالنشوة وهو يسمع هذا الكلام ويبتسم .قال اذهب إلى الرائد فلان وهو ضابط امن المديرية يأخذ منك كلمتين ونغلق الطابق ولكن قل انك لم تقلها , لان دولة الرئيس وصفي باشا كلمنا بالأمر . ذهبت إلى مكتب الرائد وكرر نصيحة الباشا مدير الأمن العام أن أعلن إنكاري , فرفضت وإذا به ينفجر ضحكا و ويقول الحمد لله الذي يوجد فيه مثلك في جهازنا وبلدنا , نريد ضباطنا أن يكونوا مثلك , سوف ننتصر . وأضاف قائلا: سوف اكتب انك لم تقلها وتوقع. قلت  لا لن أوقع على الكذب ولكن اكتب ما شئت ووقع أنت .  وبالفعل كتب ما ملخصه  ما يلي وهو يبتسم : لدى استدعاء الملازم الأول احمد صالح عويدي العبادي والتحقيق معه تبين عدم صحة ادعاء الباهي الأدغم , وان الملازم احمد ليس المقصود بالشكوى وسنبحث عن الضابط المعني وعند التعرف عليه سنحاسبه . وهنا ضحكت وضحك ,  ثم وقع على الكلام وقال شكرا لك يا احمد والآن تعيدك المصفحة إلى مركز عملك . أديت التحية العسكرية , وشعرت بالكبرياء أن أجد قادة يحمون ضباطهم , ويفرحون للمواقف الرجولية. وعندما زرت  وصفي باشا في الجمعة التي تليها  في بيته كالمعتاد : قال لي : ويش اللي مساويه بالباهي الأدغم يا عبادي ؟ . قلت زدت في سخامه ولطامة جهنم تأخذه يا باشا . فضحك حتى كاد أن يقع على ظهره . ترى هل يوجد الآن رجال مثل هؤلاء الرجال  ؟ . عندما كان هؤلاء في  مواقع القرار في الأردن استطعنا أن  نتغلب على جميع المؤامرات .
دخلت أحمل التوجيهي الأردني الأدبي (1965) وخرجت (1987) , وأثناء خدمتي بالأمن العام التي قاربت اثنين وعشرين عاماً خرجت  أحمل الدكتوراه  من كمبريدج ( حصلت عليها نهاية 1982) ... وأثناء الخدمة هذه قدمت الكثير من الخدمات للناس بشكل عام،ولقاعدتي العشائرية  بشكل خاص، فقد جنّدت المئات والمئات منهم ضباطاً وضباط صف وأفراداً وهؤلاء حفظوا الجميل في ذلك الزمن , حيث لم يأتي الفساد والأنانية على نفوس الناس بهذا المستوى الحالي  بعد , وكان لازال في الناس نقاء , وقرروا ردّ  الجميل  لي , ومؤازرتي في حملتي الانتخابية عام  1989 . وكان لبعثتي للدكتوراه قصة
فقد دخلت الأمن العام وأنا احمل التوجيهي بعد سنة قضيتها في البيت بانتظار فرصة العمل , عملت فيها بحمل الباطون في ورشات البناء في الطريق المحاذية لطريق وادي السير , وكلما مررت من تلك العمارات حدثتني نفسي أنني ساهمت في بناء هذه  العمارة  وتلك التي لا أستطيع دخولها الآن ومن قبل . وقد كان همي الأول هو إكمال دراستي إلى درجة الدكتوراه , وكم لقيت من الزملاء   الضحك علي والاستهزاء  بطموحي  , ذلك أنني ضابط بالأمن العام وبالتالي فان الدراسة بحاجة إلى موافقة سلفا . وانتسبت إلى الجامعة رغم انف التعليمات الواضحة الصريحة ضد  التعليم في حينه . وذات مرة,  ومن نمط الاستهزاء والإحباط  الذي كان يحيطني من قطعان التنابلة أن الضابط  الذي كان مسئؤلا عني سألني  كم بقي لك أن تنهي دراستك , فقلت سنتان بعد الانتهاء من ألسنة الجارية وكان ذلك قبل الامتحانات بثلاثة اشهر وكنت في السنة الثانية  . فضحك بسخرية وقال : أنت مثل العجوز الذي لا أسنان له وأعطي أربع حبات جوز غير مقشر فوضع واحدة في فمه , فلما سأله : كم بقي حبة لم تأكلها . فقال ثلاث حبات وأما الرابعة فهي في فمي وليس له أسنان . فقلت له أن لي أسنان  وقلب واعي , والعلم هو جوز قاسي لغيري وليس لي . 
   حصلت على البكالوريوس من بيروت العربية  بتفوق ومن ثم درست الماجستير في القاهرة بالانتساب أيضا وحصلت عليها بامتياز  عام 1978 , ومن ثم صممت على إكمال الدكتوراه في بريطانيا . ولحسن الحظ أنني تلقيت رسالة من المستشرق البروفسور سارجنت في  عام 1978  وهو اسكتلندي ويعمل أستاذا في كمبريدج البريطانية , وهو مختص باليمن , وكان يتكلم عدة لغات منها العربية وهو مترجم كتاب الجاحظ  : البخلاء من العربية إلى الإنجليزية . وكان في رحلته من اليمن إلى لندن , إلا انه حط رحاله ليلة في عمان, وقرا على متن الطائرة مقابلة معي في جريدة الجوردن  تايمز تحدثت فيها عن كتبي الجديدة والعادات . وبعد حوالي أسبوعين من النشر تلقيت مكالمة من المعهد البريطاني بعمان يطلبونني نسخا عن كتبي التي تحدثت عنها في المقابلة  لإرسالها إلى البروفسور , وكانت : من القيم والآداب البدوية , وكتاب : المرأة البدوية  , فأعطيتهم نسختي مجانا عن كل كتاب منها وأخذت  رقم هاتف البروفسور وعنوانه  . وحصلت عليها .
 بعد ذلك كتبت إلى شقيقي د عبدالله عويدي العبادي الذي كان يدرس التخصص  الباطني في الطب في جامعة مانشستر أن يتصل بهذا المستشرق لعله يساعدنا على قبول بجامعة كمبريدج . فاتصل به شقيقي عبدالله من داخل بريطانيا ورحب البروفسور بذلك ولكنه رغب في دعوتي إلى إلقاء ورقة حلقة بحث في مؤتمر خاص بالدراسات العربية , وينعقد في تلك السنة في جامعة لندن : كلية الدراسات العربية والأفريقية . وقد أرسلت ورقة إلى أخي عبدالله وهي عن الأمن والحماية عند البدو الذي أرسلها بدوره إلى البروفسور سارجنت   منسق الدراسات الشرقية , وقد كان إعجاب البروفسور بها عاليا فوجه إلي دعوة للمشاركة , وكان المغفور له اللواء الركن غازي عربيات هو مدير الأمن العام وكان منفتحا وبعيد النظر وكنت من المقربين له واعمل مدير مكتب العلاقات العامة في المديرية . فوافق لي على المشاركة , أما  تغطية التذكرة والرحلة فكان على حسابي الخاص  . وهناك التقيت شقيقي د عبدالله الذي  جاء خصيصا من مانشستر لاستقبالي والمشاركة  معي في المؤتمر . وهناك تعرفت على العلماء من كل حدب وصوب من العالم واستمعت إلى دراسات رائعة في شتى العلوم والحقول . وبعد الانتهاء من المؤتمر ذهبت مع شقيقي د. عبدالله إلى مانشستر  وكان يدرس التخصص في الباطنية , وقضيت معه عدة أيام هناك تعرفت فيها على عدد  من الطلاب الأردنيين من أبناء العشائر الذين كانوا يدرسون هناك تخصصات علمية مختلفة ومتميزة وكانوا من المتفوقين بالجامعات , وكانوا يشكون لي انهم لا يستطيعون العودة إلى الأردن قبل إنهاء الدراسة خشية حجز جوازاتهم ومنعهم من السفر , وزادوا في شكواهم انهم لم يروا أمهاتهم وآبائهم وأسرهم منذ سنوات , وتحدث آخرون منهم والعبرة تخنقهم والدموع تنحدر على وجناتهم أن أمهاتهم أو آباءهم ماتوا ولم يستطيعوا العودة للوداع أو التعزية خشية القبض  عليهم أو منعهم من العودة للدراسة , كانت مأساة وكارثة بكل ما تعنيه الكلمة , فنحن محاربون في بلادنا على أيدي حفنة حاقدة من المرتزقة لا يسرها أن ترى أبناء العشائر  الأردنية  يتعلمون  , فقلت لهم لا تعودوا إلا بعد الانتهاء ولا داعي للمجازفة فسياسة الدولة بالأردن  هي محاربة أبناء العشائر ولا يريدون لنا أن نتعلم أبدا , ولكن لابد ويأتي يوم ولو بعد حين يغير الحال إلى ماهو أفضل إن شاء الله تعالى .
         طلب إلي البروفسور سارجنت أن أتقدم بطلب إلى الجامعة وان يكون مرفق بالطلب دورة بالإنجليزية لتسهيل العملية . فكلفت شقيقي د عبدالله  عويدي العبادي أن يحصل لي على  قبول في مدرسة لتعليم اللغة  في بريطانيا اختصارا للوقت , وأعود بعد ذلك  لدراسة اللغة , لان وجودي هنا هو لعشرة أيام فقط والعودة . وبالفعل قام شقيقي الدكتور عبدالله بترتيب قبولي بدورة لغة في مدرسة جون لويس لتعليم الإنجليزية في مدينة ساوثامبتون بجنوب بريطانيا  الواقعة على القنال الإنجليزي . وقد وافق المغفور له اللواء غازي عربيات مدير الأمن في حينه , أقول وافق لي على إجازة لشهرين حيث لم احصل لسنتين على إجازة من قبل , وسافرت إلى بريطانيا على حسابي واستقبلني شقيقي د عبدالله  في مطار هيثرو , ثم رافقني بقية الرحلة  , حيث استقلينا القطار من لندن إلى ساوثامبتون ثم عاد إلى مانشستر مباشرة بعد أن اطمأن على سكني  . وكنت قدمت إلى مدير الأمن العام طلبا بالموافقة لي على دراسة الدكتوراه في بريطانيا بعثة على حساب الأمن العام  , فوافق على ذلك رحمه الله , قبل سفري إلى اللغة  .
      وبذلك تغير الحال مع الإصرار وتغير الرجال . فغازي عربيات رحمه الله كان رجلا وطنيا ومخلصا ومحبا للعلم ويريد من أبناء البلد أن يتعلموا . إلى درجة أنني عندما حصلت على الماجستير من القاهرة وأرسلت له برقية بالخبر وأنني حصلت عليها بامتياز جمع ضباط المديرية وابلغهم الخبر وقال لهم : كونوا مثابرين مثل احمد عويدي العبادي الذي لم يتوقف عند المنع قبل اثني عشر سنة حتى صار له ماكان يصبو إليه وبرهن انه ليس من مستحيل أمام الإرادة . وقال للضباط أريد منكم أن تتعلموا وتحصلوا على شهادات عليا . وبذلك وجدتها فرصة أن أتقدم إليه في حينه للحصول على موافقة أولية للابتعاث للدراسة أو على حسابي فكتب رحمه الله ما يلي : أوافق على إيفاد الرائد احمد صالح العويدي إلى لنيل الدكتوراة  في الجامعات البريطانية على حساب الأمن العام وابلغني ذلك هو شخصيا رحمه الله ,  وكذلك كان .
          , وجدتني اسكن في ساوثامبتون مع عائلة لديها كلب ضخم كانت المرأة تفضله على الآخرين وكنت أتقزز منه وابتعد عنه كي لا ينجس ملابسي فانا رجل اصلي والحمد لله , وعندما داومت في اليوم التالي في المدرسة طلبت إليهم ترتيب سكني مع عائلة ليس لديها كلاب , وكان ذلك نادرا واحتاج الأمر إلى أسبوع كامل لكي يجدوا طلبي حيث سكنت مع عائلة بجانب المتنزه العام في المدينة وكنت اقضي فيه وقتا ممتعا ,وبعد الانتهاء من دورة اللغة   كلمت البروفسور سارجنت وأخذت موعدا منه وقابلته في مكتبه في معهد الدراسات الشرقية في جامعة كمبريدج وسلمته أوراق اللغة وعبأ لي طلب الجامعة ووافق أن يكون مشرفا علي شريطة أن  تكون رسالتي للدكتوراه عن القضاء العشائري في الأردن من منظور العدالة والسياسة والمقارنة مع القوانين الشرعية والمدنية Bedouin Justice in Jordan , وأثناء وجودي في دورة اللغة توفي المغفور له غازي عربيات بحادث سير أثناء عودته من الخارج .
            وبموت المرحوم غازي عربيات تنفس الحاسدون الصعداء , حيث دخلوا على المدير الجديد وأقنعوه انه لا جدوى من إرسالي للدراسة وان دراستي باطلة من أساسها لأنني تمردت على التعليمات السابقة ودرست رغم انف المسؤلين , وانه لا يجوز مكافأته على اختراقه للقانون والضبط والربط العسكري  , واقتنع منهم , وحاولت معه كثيرا ولكنه رفض , وهنا شكوت الأمر إلى  سمو الأمير الحسن ولي العهد في حينه الذي كان يعرفني جيدا , وأوصل الشكوى إليه مستشاره الإعلامي الذي كان صديقا لي . وما هي أيام إلا وقام ولي العهد بزيارة مديرية الأمن العام ضمن برنامج كامل من التفقد وتناول الغداء . وبعد الزيارة كان غداؤنا في قيادة قوات الشرطة الآلية , التي  هي الآن مقابل سجن سواقة الذي تم سجني به عام 2008 , وبعد الغداء جلست وزميل آخر وكنا اصغر الرتب الموجودة ,      أقول جلسنا في نهاية الصف بحكم الأقدمية  باعتبارنا اصغر الرتب في الجلسة , فطلب الأمير أن يقدم كل منهم نفسه برتبته واسمه . وعندما وصل الدور إلي والى ضابط العمليات قال : انتم لا داعي أن تعرفوني على أنفسكم ,  فانا أعرفكم . ثم قال : احمد العويدي جاءك قبول من كيمبردج , قلت نعم يا سمو الأمير ,  والقبول هو في كلية القديس جونز , ثم التفت إلى مدير الأمن العام وقال: احمد العويدي سيذهب في بعثة إلى كمبريدج ليدرس الدكتوراه, اليس كذلك ؟  . فقال الباشا يا سيدي لا نستفيد من موضوع دراسته , فكرر الأمير قائلا : احمد العويدي سيذهب بعثة للدكتوراه على حساب الأمن في جامعة كمبريدج أليس كذلك ؟  . فقال مدير الأمن : يا سمو الأمير هذا يريد أن يدرس عن البدو والعشائر والجمال والعربان وهو أمر لا يفيدنا ولا علاقة لنا به  كما أن العويدي لا يستطيع أن يحصل على الدكتوراه من بلاد الإنجليز فهو ليس( قد هالحمل ), ما يقدر عليها ؟. وهنا غضب سمو الأمير أن ينتقص الباشا من شان العشائر والبدو فقال بصوت قوي وحازم : احمد العويدي سيرسل بعثة على حساب الأمن العام للدكتوراه في كمبريدج ويصدر كتاب ابتعاثه غدا من عندك , أليس كذلك ؟  . وهنا فهم الباشا المتخلف المعوق الرسالة فقال : أمرك سيدي . فقال الأمير يصدر كتابه غدا مش هيك ؟ فقال الباشا الكداشي  أمرك سيدي غدا يصدر كتاب ابتعاثه . فقال الأمير  يا عويدي , فقلت نعم يا سمو الأمير : قال( وعلى مسمع  سائر الضباط  الجالسين )  بكرة يصدر كتاب ابتعاثك للدراسة في كيمبردج  للدكتوراه . فقلت شكرا لله ثم لكم يا سمو الأمير , ولكن يا سمو الأمير أرجو أن أوضح ما قاله الباشا على أنني لن ابيض وجهكم في الدراسة , وأقول :  إنني الحصان الذي تستطيع المراهن عليه وليس من صعب ولا مستحيل على الإرادة . وعندما  حصلت على الشهادة أرسلت نسخة منها إلى سمو الأمير .
         صدر كتاب للابتعاث في اليوم التالي بتوقيع الباشا الرافض , ولم يقم بالكرامة بل جاء بالأوامر العليا ,  وبقي الزملاء يرون في شخصي خطرا عليهم , فالحسد من طبيعة البشر , وكما قيل قديما : وقديما كان في الناس الحسد .واجهت صعوبة أخرى في  مطلع السنة الثالثة في الدكتوراه  عندما قطعت مالية الأمن العام المستحقات المالية الشهرية عني, كضغط علي لقطع دراستي , أي أن الإجراء كان الوجه الآخر لمنع أبناء العشائر من الدراسة فبدل حجز الجوازات للمدنيين , جرى وقف المستحقات المالية  وهم  يعرفون فقري وعدم قدرتي على مواصلة الدراسة إذا انقطعت البعثة ,وبقيت وزوجتي / السيدة جميلة عبدالحليم الطواهية /  أم البشر ثلاثة اشهر بدون مصروف وذقت وإياها الأمرين من  الجوع والحرمان , وعندما وجدت أن الأمر وصل إلى الخطوط الحمراء في المعيشة , ولم يبق معنا ثمن السند ويش ولا  ثمن الطعام ,  قابلت المرشد في كلية القديس جونز التي  كنت طالبا فيها وأخبرته معاناتي وجوعي وعدم قدرة أهلي على إرسال أية مبالغ إطلاقا , وكنت صادقا  . وهنا اتخذ  المرشد قرارا عاجلا حسب التعليمات في الكلية بتغطية نفقات الأشهر الثلاثة وتغطية نفقاتي في حال عدم قدوم المبلغ إلى حين إكمال الدكتوراة لان تقارير المشرفين بحقي ممتازة جدا  والحمد لله , وان ما يعطينيه هو مساعدة من الجامعة غير مستردة . وبعد ذلك وصلت الفلوس ولكنني وجدت شفقة من الإنجليز أكثر مما وجدته من شفقة زملائي بالجهاز وهم مختلفون عني في الجينات الوطنية , وكل ذلك اثر على مواقفي البرلمانية والحياتية  فيما بعد . وعندما كنت في السنة الأولى كان د خالد الكر كي في السنة الأخيرة في جامعة كمبريدج  وعدد آخر من الأردنيين من أبناء العشائر , وكنا نقضي أوقاتا كثيرة من جلسات الحديث الأردني . 
  ورغم أن القانون يسمح لي بالتمديد لسنة دراسية أخرى , إلا أن الحاسدين وطنيا في  مديرية الأمن أخطروني خطيا ورسميا وكانوا في موقع القرار المالي والتدريبي , أقول أخطروني عبر الملحق العسكري في لندن أن علي العودة إلى عمان  في وقت أقصاه 12/12/1982 وهو التاريخ الذي استكمل فيه سنوات ثلاثة من البعثة  , وقد ذهبت مذعورا إلى المشرف وقرا الكتاب لأنه يقرا العربية ويعرفها جيدا , وهنا قرر أن يخصص لي إشرافا  مرتين في الأسبوع بدلا  من مرة كل أسبوعين , فانهينا الرسالة إشرافا بسرعة وكنت كتبتها وأنهيتها من قبل , وطلب البروفسور مناقشة الرسالة بصورة عاجلة وبذلك حصلت على الدكتوراه  في اقل من ثلاث سنوات , وتسلمت الشهادة يوم 11/12/1982  وغادرت إلى عمان يوم 12/12/1982 وداومت في اليوم التالي 13/ 12/ 1982 . وقد اثر هذا الظلم والتضييق علي في تفكيري تجاه فئات كثيرة . فهم لا يريدون أردنيا من أبناء العشائر أن يحصل على شهادة لكننا قاومنا الظلم بالعمل والمثابرة وبدون وساطات .

قبل دخولي مجلس النواب الحادي عشر
لقد شعرت قاعدتي العشائرية  بالظلم الذي وقع عليّ، ووقع بهم من الطريقة التي تمت بها إحالتي على التقاعد كما سيأتي بعد قليل , وكانوا يتحفزون لأية فرصة لردّ الاعتبار  إليّ أو المساهمة في ذلك. وقد رأيت بركات ذلك في صناديق الاقتراح يوم 4/11/1989.  لقد عرفوا بالطلب إليّ من مدير الأمن العام بشطب اسمي وهو اسمهم ,  وقرروا أن يكون اسم العبادي قبساً من نار في أعين الفاسدين , وقبساً من نور أمام الأردنيين. لقد انتشرت قصتي مع مدير الأمن حول انتزاع اسم العشيرة والرتبة العلمية من صدري انتشار النار في الهشيم، وصدر القرار الاجتماعي  العشائري بردّ الاعتبار لهذا الاسم الذي كنت أحمله وحميته (من الحماية)، وأن أكون تحت القبة لحمله وحمايته، -ذلك ما كان في خلد الكثيرين من أبناء قبيلتي الكريمة، وذلك ما ركّزت عليه في حملتي الانتخابية ضمن برنامجي.
         كنت أنا المؤلف (د. أحمد صالح عويدي العبادي) أحد الذين شاء الله سبحانه أن أكون واحداً من خيارات الشعب الأردني في انتخابات عام 1989 , وكنت أوّل عباديٍّ حرّاث ابن حرّاث، راعي ابن راعي , غلبان ابن غلبان ,  فقير ابن فقير , من غير أبناء المشيخات التقليدية , يصل إلى قبّة البرلمان لأكون، ومن خلال الانتخاب الصادق الصافي النزيه , في الصف الأول في الدولة، والمجتمع  ولا أقول المنصّة أو الصدارة في الدولة، لأنها ليست لنا على أية حال(!؟!) وهي محرمة على أمثالي من الأردنيين .
           كنت كما هو شأن غالبية النواب الجدد، عانيت من الاضطهاد والمراقبة، والأذى،والجوع والتجويع أثناء خدمتي بالأمن العام وبعد انفكاكي منه  ، وعانيت من الطرد من الوظيفة، والمضايقة،والملاحقة والحرمان،ومنعي من ممارسة العمل في الداخل والخارج، ومنعي من الكتابة في الصحف ومنعي من السفر ومن علنية النشاط الاجتماعي والسياسي، ولكن أحداً لم يستطيع منعي من النشاط الفكري والذهني، ولم يستطيع أحد أن يسلبني شهادة الدكتوراه،، رغم أنهم سلبوني الرتبة العسكرية, ومنعوني من العمل ضمن هذا المؤهل .
      نشأت عصامياً لم أجد مجداً من قبل مبنياًّ أمامي , سوى التقوى الذي أورثه لي والدي  المؤمن المتدين الصادق الصالح, ولا نزكِّي على الله أحداً،ولم أجد إلا المعاناة وشقاء العيش وشظفه. والصراع مع الحيتان والجرذان والذئاب والثعالب والأفاعي، والعقارب واللصوص  والفاسدين والمفسدين والجهلة والسّفلة والطواغيت والعلمانيين  والماسونيين.مما جعلني مؤهلا لخوض صراع البقاء وحسن إدارة المعارك والأزمات  , والاستمرار في البقاء والحياة , مما شد من عودي وأزري , أمام سائر أصناف الصراعات والمعارك , وكما قال البروفسور اندرو اشركوف / أمريكي  في كتابه الذي خصص الجزء الأكبر منه عني : أن اليوم الذي يمر بأحمد العويدي بلا معركة ليس محسوبا من عمره/ أي عمري أنا  .
        كانت قد تمت إحالتي مبكرا على التقاعد من جهاز الأمن العام   في 20/3/ ,1987 في يوم الجمعة . دونما حجة ,  وهو أمر مخالف للقانون , لأنه يوم عطلة رسمي، وكنت حينها متوعكاً في الفراش، ولم يستطع المسئولون في حكومة البيع والعمولات واحتقار الكرام وتكريم اللئام , ولا إدارة الأمن العام الموصوفة بصفقة الاودي في حينه استمرار تحمّلي لليوم التالي وهو السبت وكان وقت دوام  , لأنهم لا يتحملون شخصاً وطنياً مثلي، صاحب قلم أصيل ولسان سليط، لا يستحي منهم، ولا يخاف أو يتقهقر عن انتقادهم. وكلما رايتهم تذكرت ذلك الرجل الذي انهزم أمام الدحدول / الحجارة واقعى بعيدا على صخرة , فهم فاقدون للشرعية ولا يتحملون صاحب شرعية حقيقية أن ينتقدهم , لأنه يثبت عدم شرعيتهم  , إنها دولة في مواجهتي أنا الغلبان الفقير من المال الغني بالنفس والكرامة , وهم أغنياء المال فقراء فيما سواه .  ولكن شرعيتي تجعلني أتفوق عليهم كثيرا شأني بذلك شان أي أردني من أصحاب الشرعية المماثلة لشرعيتي .
     كان ممنوعاً عليّ الكتابة وأنا ضابط بالأمن العام وأحمل الدكتوراه، لكنني كنت أكتب، وممنوع علي (رسمياً) التأليف والتفكير لكني كنت أفكر وأؤلف... لقد عانيت طويلاً من ذلك، لأن كتاباتي لم تكن للتسبيح بحمد الطغاة والبرامكة والمرتزقة والانكشاريين والماسونيين ,  وإنما تتغنى بالأردن والأردنيين، وهذا  أمر  آثار حفيظة أمناء الارتزاق ضد أمناء الأردن , وأثار ممارسي الطقوس الوثنية لعبادة الأصنام الحجرية , أمام من يمارس عبادة الله سبحانه وحب الوطن وأهله  ,  إلى درجة أن أحد مدراء الأمن العام أصدر تعميماً للجهاز كله عنوانه: حظر النشاط الإعلامي والذهني والتعامل الخاص مع أجهزة الإعلام وهو تحت رقم 81/1/3601 - 6/4/1983 وكان هذا بالأصل موجهاً الي، وبرهان على نشاطي الفكري رغم أنف التعليمات وأصحابها . 
     لا يمكن أن يصدق شخص عاقل أو سويّ أو وطني فحوى هذا الكتاب أعلاه  لو تحدَّثت عنه دون نشره هنا , مما اضطرني أن أضع نصّه كاملاً، وهو يبيِّن الصراع بين الجهلاء الذين يريدون لنا أن نبقى على الجهل والتنبلة والوثنية ، وأن نبقى مثل بغل فردريك الأكبر الذي قطع جبال الألب أربعين مرة وبقي بغلاً، هكذا يريدون من كل أردني ,  وبيننا نحن الأردنيين المتنورين المدركين للعبة القذرة، والمتطلعين لأخذ مكاننا في وطننا تحت الشمس ، وبالتالي كانت معركتي غير متكافئة بمنظور الرتب، لكنني كنت ولا زلت وسأبقى أكبر منهم والحمد لله طالما أعطاني الله القلم ومقومات القلم.وأستطيع القول أنها بالمقابل  لم تكن متكافئة من حيث العقل والعلم . ولكن فارق الرتب كان يطيح بالعلم , بل وأطاح به ردحا طويلا من الزمن .  كان المطايا يحبون إبراز الطاعة الوضيعة لمثل هؤلاء الأصنام , وإذا رفع أي منهم رأسه فهوة سيلاقي ما لقيه  د احمد عويدي العبادي من العنت والأذى والحرب وتشويه السمعة . كانت حرب لا يثبت أمامها  إلا من آتاه الله قوة في عناصر البقاء على حساب ضعف عناصر الفناء .
 وفيما يلي النص الكامل للكتاب  81/1/3601 - 6/4/1983 .وهو المشار إليه أعلاه :

الموضوع: حظر النشاط الإعلامي والذهني
والتعامل الخاص مع أجهزة الإعلام.
(لاحظوا حظر النشاط الإعلامي والذهني)
(( حرصاً على هيبة جهاز الأمن العام، ومراعاة لحرمة الوظيفة الشرطية ولعدم الزج بأعمال قد تتعارض بشكل أو بآخر مع الواجبات الوظيفية التي تقتضي التفرغ التام والتحلل من أي ارتباط آخر مع أية جهة غير الجهة الرسمية الممثلة بجهاز الأمن العام، ودفعاً لأية شبهة في تورط أي فرد من أفراد الجهاز بأعمال ذات صبغة تجارية على أي وجه من الوجوه، وعملاً بأحكام الفقرتين الثالثة والثامنة من المادة 36 من قانون الأمن العام رقم 38 لعام 65؟ والمادة 45 من قانون العقوبات العسكري رقم 43 لسنة 1952، على الجميع التقيد المطلق بما يلي: (لاحظوا كلمة المطلق) 1- يمنع منعاً باتاً التعامل الرسمي مع أجهزة الإعلام إلا عن طريق الجهة المخولة رسمياً بذلك وهي إدارة العلاقات العامة وفقاً للأسس المعتمدة. 2- يحظر على جميع منتسبي الأمن العام تعاطى الكتابة والنشر للصحف والدوريات بالاسم الحقيقي أو المستعار إلا بعد الحصول على تصريح من قبلي وبناءً على تنسيب رئيس اللجنة الإعلامية في مديرية الأمن العام على الاستدعاء المرفوع إلى العلاقات العامة باعتبارها الجهة المعنية بشؤون الثقافة والإعلام. 3- يحظر التعامل مع الإذاعة والتلفزيون على أي نحو مادام خارجاً عن العمل الرسمي إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة بنفس الأسلوب الوارد في الفقرة (2). 4- جميع الممارسات الأدبية والفنية والفكرية أياً كانت وسيلة الاتصال المستخدمة وأياً كان أسلوب التعامل،كل ذلك محظور مالم يتم بناءً على موافقة مسبقة وحسب الأصول. 5- النشاط الفكري والإعلامي مع أية جهة حكومية أو خاصة بما في ذلك إلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات أو الحلقات الدراسية داخل وخارج المملكة محظور مالم يتم بمعرفة الأمن العام وموافقته من خلال الجهة المعنية. 6- تناول أجهزة الإعلام لأعمال ونتاج منتسبي جهاز الأمن العام أو الكتابة عنهم خارج حدود العمل الرسمي وعن غير طريق الجهة المسئولة مخالف للتعليمات ويستتبع مسؤولية من تناوله النشر إذا تم بمعرفته. 7- يعتبر جميع منتسبي جهاز الأمن العام تحت تصرف الواجب أثناء الدوام الرسمي وبعده، ويحظر على الجميع القيام بأية أعمال مما سبق الإشارة إليه بهدف الكسب أو اشباعاً للهواية دون الحصول علي الموافقة المطلوبة والتي يراعى فيها دائماً عدم المساس باعتبارات الوظيفة من قريب أو بعيد. أملاً من الجميع التقيد التام.       الفريق الركن مدير الأمن العام نسخة إلى ( لإجراء اللازم كل ضمن اختصاصه )  - المساعد للشرطة المعاونة، - المساعد للشرطة الإدارية للعلم. - المساعد للشرطة القضائية.  - رئيس اللجنة الإعلامية. - مدير إدارة الشؤون القانونية. - مدير إدارة العلاقات العامة.
- مدير إدارة شؤون الضباط والأفراد. -مدير الأمن الوقائي. - رئيس الديوان. - الأمين العام. للاضبارة الخاصة بالتعليمات.
////////////////////////////// نلاحظ فيما ورد أعلاه أ- أنه اعتبر الكتابة والنشر نمطا من أنماط المخدرات عندما قال في البند 2 يُحظر... تعاطي، والتعاطي عادة يكون لأصناف المخدرات؟!  ب- نلاحظ أيضاً أن هذه الممنوعات تطال المنتسب للجهاز حتى ولو مارسها إشباعاً للهواية (بند 7). ج- أود القول هنا أن الحصول على الموافقة المسبقة التي أشترطها التعميم كان يعد في قائمة المستحيلات الثلاثة، بالنسبة لي .  ولا أريد الخوض في التحليل والتعليق، ولكنه برهان على عظيم ما كنت أعانيه  من أجل بلدي وفكري ، ومن أجل الحرية والتفكير ( مجرد التفكير ) والكتابة والتأليف عن الأردن، أنه صراع حضاري , بين من يريد الخبز وحده ولو عاش عيشة الدواب والعبيد ,  ومن يريد الحرية والوطن، حتى ولو كان ذلك على حساب الخبز والأذى والقهر ، ومع هذا استمرت مسيرتي والحمد لله وسط هذه الألغام والعقبات والعقوبات. فانا جائع للحرية وليس للخبز .
كان محرماً علي النشاط الذهني والتفكير احترافاً وهواية، وممنوعاً عن الترجمة والتحدث في السياسة والنشر,  كما نرى في نص الكتاب، الذي سبق وصدر مثله تعميمات مشابهة خلال خدمتي بالأمن العام، وكان ممنوعاً بل ومحرّماً علينا الدراسة بالجامعة بالحضور أو الانتساب.
وكنت أخالف هذه التوجيهات  كلها وأضرب بهذه التعليمات المتخلّفة التي يمارسها  الجهلة عرض الحائط، , لأنني اعتبرتها موجهة ضد الأردن ونهضته وأبنائه،وبناته , وأنها  رمز للتخلف والحقد على البلد وأهله , وانهم  يريدوننا أن نتحول أرقاماً وقطعاناً وسائمة تدر الحليب، ولا تسرح في أرض الله الواسعة...لكننا لست كذلك، ولن أكون. ويريدون منا أن نقوم -فقط- بالحراسة وكتابة التقارير ضد بعضنا والرقص في المناسبات والتسبيح بحمد من لا يحمد الله , ولم أكن ذلك يوما والحمد لله
ومع هذا رأيت ضرورة إبداء محاولة احتواء هذا القرار والغضب الجامح من مدير الأمن العام بتعميمه أعلاه، ورأيت أن هذا الكتاب حرب علي شخصيا إذ كنت الوحيد الذي يمارس هذه النشاطات الفكرية والقلمية في الجهاز كله  آنذاك . اعتبرت هذا التعميم  حربا شعواء على ثقافتنا الأردنية وتراثنا الأردني  وهويتنا الأردنية  وتاريخنا الأردني، وضمن مخطط الحرب على تاريخنا وثقافتنا وعشائرنا وهويتنا؛ ومحاولاتهم الفاشلة للتكديش والتجحيش  والتبغيل لي شخصياً , لأنني شخص لا يهدأ له بال إلا إذا قرأ وكتب وترجم وفكر واستخدم ذهنه وعقله.إنها كارثة أن يتم الحظر على النشاط الفكري , وهو شبيه بما كانت تمارسه الكنيسة  من صكوك الغفران والحرمان في عصور الظلام ضد أصحاب الفكر.        رأيت أن أتعامل مع التعميم والمدير الباشا  كما تعامل سيدنا موسى وهارون مع فرعون عندما أمرهم الله سبحانه «وقولا له قولاً لينّاً لعله يتذكر أو يخشى» , فوجهت المذكرة اللطيفة التالية, وهي بتاريخ 14/4/1983. في محاولة مني لاحتواء الهيجان ألغابي (من الغابة) الوحشي من الباشا ومن حوله من مسامير الصحن ، لا تمكن من خدمة بلدي , بعيداً عن الممنوعات التي يريدها مدير الأمن العام ... إنه صراع حضاري وصراع الأخلاق والشرعية  بين عقلية متطورة متحضرة متفتحة شابة وثابة  حصلت على الدكتوراه في السياسة والعلوم الاجتماعية من جامعة كيمبردج في بريطانيا، يمثلها د. أحمد عويدي العبادي، وعقليه بالية أكل الدهر عليها وشرب لا تصلح أن توضع حتى في متحف الأواني المكسّرة. أو القمامة المتعفنة التي يمثلها نص هذا التعميم.
وحيث أنه غير  مسموح مخاطبة مدير الأمن العام في حينه مباشرة باعتباره مرجعاً  وثنيا مقدساً، يقضي الحديث معه مباشرة إلى  المحاكمة والإهانة , لأنها تأتي في باب جريمة تجاوز المرجع، فإن المعاملة يجب آن تبدأ بمخاطبة المسئول المباشر الذي لا يرفعها إلا بعد الاستئذان من الجهلة من فوقه. وبذلك يمكن للقارئ أن يعرف استحالة الحصول على الموافقة التي اشترطها كتاب مدير الأمن. وهذه هي  المذكرة  الجوابية التي رفعتها إلى  مدير الأمن العام في حينه ( جوابا على مذكرته ) :مديرية معهد تدريب الضباط/ بالوكالة الموضوع: الدراسات التراثية بالأردن وطناً ونظاماً وشعباً. بعد التحية: 1- فحيث أن تراثنا جزء من شخصيتنا التي نعنى جميعاً بالمحافظة عليها كل في مجاله، فقد كرست قلمي منذ عام 1970 للدراسات والتأليف (بشتى الطرق والمجالات الثقافية) عن تراثنا الأردني، وسبق أن كُلِفْتُ من مجلس شيوخ العشائر بعمل البرامج والمسلسلات التلفزيونية المتعلقة بذلك، كما وتلقيت شكراً سابقاً من جلالة قائدنا الأعلى حول بعض كتبي، وحصلت من مدير الأمن العام السابق على موافقة لمواصلة الدراسات ووضع النظريات وتغطية ذلك إعلامياً داخل وخارج الأردن. كما تلقيت شكراً من جلالة الملك المعظم أيضاً (وبطيه نسخة عنه) لاهتمامي الموصول بتراثنا الأردني الذي يشكل ركناً هاماً من شخصيتنا. هذا بالإضافة إلى أن أطروحتي الدكتوراه هي عن تراثنا الأردني، مبعوثاً على حساب الأمن العام. 2- وحيث أنني واع للظروف المحيطة بهذا البلد من الداخل والخارج، وأن كتاباتي بعيدة عن السياسة أو الطعن بأحد، وأنها ذات علاقة بتراثنا الأردني، وأن بعض البحوث (على شكل كتب ومقالات علمية أو مسلسلات تلفزيونية سينمائية) هي قيد البحث والدراسة منذ سنوات (أي أنني شرعت بها بناءاً على الموافقات السابقة).
فإنني التمس من عطوفة مدير الأمن العام التكرم بالموافقة لي على مواصلة أداء رسالتي في خدمة الأردن والمواطن الأردني، وذلك بالتعبير والكتابة عن التراث الأردني وإيصاله إلى الناس بالوسائل اللازمة المشروعة، ليعرفوا أن لدينا تراثاً أصيلاً قابلاً للتعبير عنه بشتى الصور والوسائل من كلامية ومسموعة ومقروءة وبصرية.
إنني واثق أن عطوفته لن يتوانى بالموافقة للسماح لي بمواصلة رسالتي في خدمة تراثنا والكتابة والتعبير عنه بالوسائل والطرق اللازمة المشروعة، وكما سبق وفصلنا أعلاه. علماً بأن ذلك لن يؤثر على عملي الوظيفي أو مركزي الشرطي. 14/4/1983  وتفضلوا بقبول فائق الاحترام  > المقدم / الدكتور أحمد العويدي العبادي
         كان مسموح لي شيئاً واحداً. أن أقول: أمرك سيدي، وأن أؤدي التحية، حتى للجهلة والسفهاء، وأن أطيع وأوافق أي مسئول أو ضابط يقدمني بالرقم أو الرتبة ما يقوله ولو كان هراءً، فالأقدمية في الجندية خط احمر ومقدس إلى درجة مقرفة حيث لا ينظر إلى العقل والإبداع وإنما  إلى الأقدمية .  وكنت أرفض ذلك مجاهرة وبشجاعة وهذا عرفه كل من زاملني (أي كان لي زميلاً) بالأمن العام، بل وربما عاناه مني كل من كان مسئولا عني  طيلة حياتي في الخدمة .
وكنت خطاً مستقيماً وسط خطوط متعرجة، وكما يقولون: فإن الخط المستقيم يتقاطع مع الخطوط المتعرجة التي يمرّ بها،وكذلك كان حالي وأنا في الخدمة بالجهاز في سائر الظروف الصعبة التي مرت بالبلاد , ،وبالتالي كنت حالة نشازاً، ولم تعد هناك حاجة لي وأنا أنتقد الفساد والفاسدين والعطاءات والعمولات (في حينه). وهي السياسة والثقافة التي كانت سائدة بشكل رسمي، بدلاً من الثقافة الأردنية التي أحبها وأتمسك بها (!؟!).
عانيت كثيراً من جراء ممارستي للتأليف والترجمة والمطالعة والثقافة، وتم توجيه كتب رسمية إليّ مباشرة من مدير الأمن العام تأمر بتوقفي عن التأليف وعن المطالعة وعن الفهم وعن النشاط الذهني، وكنت عنيداً في الإجابة وهذا مثال آخر على ما أقول، حيث وجهت المذكرة التالية إلى مدير الأمن في حينه  ردّاً على أوامره القمعية بهذا الخصوص.         والغريب أن هذه المذكرة وصلت في اليوم نفسه التي قدمتها إلى المعهد، وحولها مدير الأمن خلال لحظات إلى المستشار القانوني للتحقيق معي على أنني ارتكبت جريمة وقام المستشار القانوني باستدعائي بنفس اليوم، وأجرى معي تحقيقاً مطولاً حول انتهاكي لأمن الجهاز وأمن الوطن، وأمن النظام وامن  المصادر العليا, والسبب والجريمة التي يشير إليها  بسبب أنني أفكر  واقرأ وأكتب وأترجم، ولا يمكن لأحد أن يصدق الآن  ما أقول عن سابق الأيام ، لأنه أمر خارج  عن المعقول والمألوف والعقل  في حينه , وحالة نادرا ما تتكرر , ولأنه يعتبر في حينها تجاوز لما  يسمونه دائما الخطوط الحمراء والذوق ومصلحة الأردن , وما اسميه  ( أنا ) عدم الاعتراف بالطقوس الوثنية لعبادة الأصنام  ؛ لذا فإنني مضطر  إلى نشر مذكرتي الموجهة إلى مدير الأمن في حينه حول هذا الموضوع حرفيا كما كانت في وقت رفعها , وهي تتحدث عن هذه المهازل المهينة التي تتم عن الجهل والحقد والتجهيل والتبغيل ، ومقاومة أية عقليات نيرة  أو فكر أردني إبداعي.
      وفيما يلي نصّ المذكرة التي رفعتها شخصيا إلى مديرية الأمن العام محتجا على أوامر مدير الأمن العام لأنه أصدر أمرا بمنعي من التفكير والكتابة والإعلام , وكانت مذكرة غير مألوفة ومرفوضة رسميا لأنها تعتبر في بابا الاستخفاف بصاحب العطوفة مدير الأمن العام في حينه ومن تمر بهم المذكرة . كانت تعتبر قلة ذوق وتطاول على عطوفته وسدنته ومريديه في عالم الطقوس الوثنية لتقديس الأصنام و الازلام  . وفيما يلي نصّ مذكرتي وهي تغني عن الشرح والتعليق: مديرية الأمن العام/ الديوان. بعد التحية؛ فإشارة  إلى كتابكم رقم 18/1/1991 تاريخ 14/ نيسان/1983. 1- ورد يوم الأربعاء 14/4/1983 كتاب من المستشار القانوني/ يستدعيني في قضية تحقيقيه، وعند الذهاب هناك وجدته يريد التحقيق معي لأنني ارتكبت جريمة في رأيه؟!! أما الجريمة فهي أنني أكتب عن الأردن والتراث الأردني وطنا وشعباً مع ما يترتب على ذلك من تغطية إعلامية لمثل هذه الأعمال الوطنية , وابرز لي كتاباً رسمياً من العلاقات العامّة التي تشاركه هذا التجريم، قلت له: ليس في كتاباتي عن بلدي ما يشكل أية جريمة وذلك أنني أكتب من منطلق حبي لها وإخلاصي لترابها، ولدى موافقات سابقة في ملفي.
 أبرزت له الموافقات يوم الخميس 14/4/1983 وتم إنهاء الموضوع، ولا تزال نسخ الموافقات عنده. 2- فوجئت أمس السبت 16/4/1983 بورود الكتاب رقم وتاريخ أعلاه موجهاً إلي حول نفس الموضوع يتضمن التقريع والتأنيب والتهديد والوعيد على أمور ومخالفات تبيّن أنني أسأت لجهاز الأمن العام لأنني أفكر وأكتب وأترجم وأؤلف وأن ذلك في رأيه جنون وجريمة تسيء إلى بلدي وجهازي... وأنني إذ استغرب ذلك، ذكّرت عطوفته ( أي المستشار القانوني )  أن الكتابة عن بلدي وتراثي إنما تم بناءاً على موافقات سابقة، وهو بالتالي لا يشكل جريمة إطلاقا، وحبذا لو كلف مديراً العلاقات والشؤون القانونية أنفسهما بالتكرم بالتوكيد قبل أن يضعا قيادة المديرية في حرج ومأزق هم في غنى عنه. 3- أنني أعتبر نفسي غير معني بفحوى كتابكم رقم وتاريخ أعلاه، لذا فإنني لا أرغب الرد على فقراته ومحتوياته، لأنها لا تعنيني، ولا تنطبق عليّ، ولم أرتكب أية مخالفة انضباطية إطلاقا استحق اللوم عليها، أو تستحق مني الرد. 17/4/3891 وتفضلوا بقبول فائق الاحترام المقدم / الدكتور  : أحمد العويدي العبادي  ( انتهت المذكرة المؤرخة في 17/4/3891 )
 وحيث رفضت الانسجام مع الخطأ والخطيئة والولوغ في  دماء الأردنيين وإهانة كراماتهم في مراحل سابقة ولاحقة من عملي الأمني ، وحيث رفضت أن أكون جزءاً من برنامج التجويع والتركيع والسكوت عن النهب والفساد والإفساد , وامتهان كرامة الأردنيين، خرجت الإدارات المتعاقبة للأمن العام العتيدة بقرار عبقري (؟؟) وطني (؟؟) ضروري (؟؟) صائب (!؟!) حكيم (!؟!) في حينه بقرار تجميدي طيلة السنوات الممتدة ما بين 1983-1987م وهي التي كنت أحمل فيها الدكتوراه من كيمبردج (1982) البريطانية، إلى أن تمت إحالتي إلى التقاعد قي. (1987/3/20).       وقبل الإحالة بأيام استدعاني مدير الأمن العام في حينه وقال لي: عليك أن تنزع كلمة الدكتور من رقعة الاسم على صدرك...  وكانت مرتبات الجهاز من مديره الذي يخاطبني , حتى الشرطي في الميدان ,  ملزم بوضع اسمه على رقعة تعلق على صدره الأيمن باعتبار الأيسر للأوسمة )... فقلت له: عندما تنزع كلمة مهندس من رقعة اسمك سأنزع كلمة الدكتور من رقعة اسمي. ثم قال  بفوقية رأسمالية ويبدو عليه أنه معبأ بالكره والحقد عليّ، ويريد مبرراً للإطاحة بي: عليك أن تنزع كلمة العبادي من رقعة اسمك ,  ليبقى اسمك أحمد عويدي بدون الدكتور وبدون العبادي، فقلت: وعندما تنزع اسم عشيرتك انزع اسم عشيرتي فعشيرتك ليست أحسن من عشيرتي.
وتصبح أنت بلا مهندس ولا عشيرة، سأكون حينها بلا دكتور ولا عشيرة... وهنا استشاط غضباً فوقياً، وقال: هذا كلام ليس عسكرياً يا عقيد، من عقيد في مخاطبة فريق ( وهي رتبة مدير الأمن العام في حينه عندما كان يتحدث إلي ) ، فقلت (بطريقة فوقية أيضاً مليئة بنبرة التحدي) أنت لا تتحدث في شأن عسكري بل في شأن شخصي وأنا أجبتك حسب نمط حديثك فقال: يبدو أنك تغرد في غير سربنا، قلت: يبدو أن سربكم لا يغرّد في سربي، فقال: يبدو أن التفاهم معك متعذر فقلت: لن أسمح لنفسي أن أنضم لسربكم لأنه ذو طبيعة مختلفة عن طبيعتي .  وانتهت المقابلة.وآمل أن آتي عليها بالوصف المفصل الدقيق فيما بعد أن يسر الله الأمور .
لا يمكن أن يستوي أو ينسجم مالي القليل النادر مع الكثير التي تعجب الآخرين كثرته ,  رغم التساؤلات التي أدت إلى الشبهات المحيطة بمصادر هذا المال الذي في أرصدتهم ... تلك هي سنة الحياة: لا يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون، ولا الحاسدين  مع المحسودين ، ولا الفاسدين مع الأنقياء , ولا المنحرفين مع الأسوياء  ،ولا الخبيث مع الطيب. ولا من تأخذه العزة بالإثم مع من يربا بنفسه عن الإثم والعزة الخاطئة.ولا المسئول الجاهل، مع المرؤوس العاقل، ولا من يستمرئ ويستطيب مال الشعب، مع من يحرص على مال الشعب ويحرسه . كانت هذه هي صورة الوضع أثناء معاناتي  مع إدارة الأمن العام، قبل تقاعدي , ولا أقول خدمتي فيه.
أثناء وجودي بالأمن العام منذ مطلع 1983 ، كنت أجاهر بانتقادي سياسات الفساد  الحكومي في الدوار الرابع وكنت أقول أنها تحولت إلى شركة عقارية محدودة المسئؤلية لبيع الأردن , والعائد إلى التقارير السرية ضدي وما أكثرها سيجد ذلك وأكثر بكثير . والصفقات التجارية والعمولات في الحكومة والجهات التي بلغت شأوها في حينه، وصار شقيق رئيس الوزراء مستشارا لمدير الأمن العام ل شئؤن الصفقات التجارية المشتركة وصار دوامه في المديرية  حيث كنت أداوم , وصار يدخل إليها ويخرج منها ,  وفي سحنته الكره لنا والحقد علينا والتعالي في تعامله معنا , وقد سمع مني علنا ووجاهة  كيف كنت أقول علنا أن  شقيقه فاسد وانه نهب البلد وانه حولها إلى مكتب عقاري لبيع الأردن ,   وكنت أجاهر بمعارضتي للمواقف السياسية  للدولة التي كانت على حساب الأردن،  والتي كانت لا تراعي مشاعرنا الوطنية، وتتعامل معنا، وكأننا فاقدي الحواس والعقل واللسان والإرادة ، تتعامل معنا وكأننا سائمة في مزرعة (!؟!) ليس عندنا من أحاسيس . صاحبها يستطيب لحمنا، وشرب دمائنا , ولا يسمح لنا أن نحمي رقابنا من سكين الجزار. كان يجن جنونهم ان يقوم عقيد دكتور من كمبريدج بالمجاهرة بانتقاد الدولة والفساد ورئيس الوزراء ومدير الأمن العام ومدير المخابرات في حينه . انه أمر لم يكن مألوفا, بل ومخالف لجميع أصول الضبط والربط العسكري ,  ورغم أنني اعرف أن كتبة الإخباريات كانوا يحيطون بي لكتابة ما يسمعون لأنهم مرتزقة وأهل رخص وخساسة , إلا أنني كنت احتقرهم ولا أتوانى عن تعرية هؤلاء الفاسدين الذين أكلوا البلاد والعباد . 
فمثلاً كانت  العملية السياسية وإدارة الملف الأردني الفلسطيني تثيرنا كضباط وكان اللغط  بيننا قوي والغضب يتجذر , ولكن لم يجرئ احد  منهم ان يعلن ذلك  . أما أنا فقد جاهرت بالانتقاد حول طريقة الدولة بإدارة هذا الملف الذي غاب عنه الأردنيون غيابا تاما . فقد وجهت نقدا لاذعا وعلنيا إلى طريقة تشكيل اللجان   السياسية  لبحث العلاقات  الثنائية ، وكان الأخوة أو أبناء العم أو القرية يتحاورون، هذا ممثل لنفسه، وذاك (ولا أقول هذا) ممثل للأردن، وهي معادلة كانت تثيرنا وتجعلنا نتقزز , وكان البلاد ليس لها أهل , وكأنها مزرعة خاصة أو عريشة بطيخ , المشتري منها  شقيق البائع فيها .إذ لا يعقل أن يفاوض عنا , في القضايا المصيرية  من ليس منا إلا بجواز السفر ، وعلى الأقل لم تحترم الدولة وأصحاب القرار والحكومات والقرارات في حينه مشاعر الأردنيين وهم يرون الأقارب يتباحثون على مصيرنا ولا علاقة لنا بذلك ولا علاقة لهم بنا (!؟!؟!؟).تلك كانت ثقافة تلك الفترة, وكنت أجد نفسي الوحيد في داخل البلاد والوظيفة الذي ينتقد ذلك علنا.وقد اثر ذلك التحدي لوطنيتنا , أقول اثر على عملي السياسي والبرلماني فيما بعد , فانا وما قلت في برقية لاحقة وأنا نائب لا أوافق على أن نمثل أحدا ولا أن يمثلنا احد . نحن شعب له هويته وهي ليست مرتبطة بجواز السفر الممنوح بالاكتساب ,  وإنما بالهوية المتجذرة طويلا وقديما في تراب الأردن . 
   كنت انظر إلى ذلك أنه نمط من  المساومة الرخيصة  والبيع  بالمزاد على قطعان من السائمة العجفاء من أجل أن يوضع لحمها للكلاب , أو يدفن في التراب . أو يسومها صاحبها سؤ العقاب . ونحن شعب محترم وليس كما ينظر إلينا اصحاب القرار  . وإن كنت أنسى فلا أنسى ما كان متّبعاً في جهاز الأمن العام في كثير من  سنوات الخدمة التي خدمتها ,  حيث اعتدنا أن ينظر التنابلة من حول الباشا إلى وجهه في الصباح، فإن كان غاضباً عمّموا ذلك على المدراء في سائر أنحاء الأردن , أن الباشا غاضب وان يومه هذا يوم بؤس , وإياكم وزيادة إغضابه فيحل عليكم غضبه ويلحق بكم تعبه/ نصبه   , ثم يصل الأمر إلى سائر كوادر الجهاز  من الأعلى إلى الأدنى , أن هذا يوم شؤم وبؤس , فالباشا غاضب، وقد يكون السبب أن زوجته صفعته على وجهه بما يقي قدميها من الحرّ والشوك والقرّ. وكنت اسخر من هذا  كله , وزملائي الذين كانوا معي يعرفون ذلك عني جيدا . كنت  ولا زلت مؤمنا أن المؤسسة / أية مؤسسة هي لكل أردني وله الحق فيها , وبالتالي لا يجوز أن تخضع لمزاج الشخص كائنا من كان . فالوطن ليس مزرعة ولا عبوة خضار , انه وطن وله أهل , ولكنني لقيت المتاعب ولا زلت بسبب ذلك
كنت أجاهر وأنا ضابط وبرتبة مقدم ثم عقيد , وبخاصة بعد حصولي على الدكتوراه , بعلانية  الانتقادات الوطنية والشخصية للممارسات السلبية للدولة والحكومة والجهاز وإدارته , كنت صوت إصلاح في طاحونة الفساد والإفساد , وطاحونة العناد والاستبداد  , وكنت أتحدث منتقدا لهذه الوفود التي كانت تنظر إلينا بعين الاحتقار والازدراء لأنه لا يوجد من يمثلنا وأنهم يمثلوننا عند بعضهم بعضا ... ولكن موقفي هذا لم يكن يروق لمن هم أعلى مني رتبة عسكرية أو سياسية حتى ولو كانوا أدنى منِّي مرتبة علمية وثقافية ووطنية وسياسية وعقلية.
كنت أعاني من الفقر والفاقة  وضيق ذات اليد في أسرتي وحياتي،وزاد عليه أن قام قطعان الفاسدين وزمر السفهاء بتطويقي، ومحاربة لقمة عيش أطفالي الصغار في العمر الكبار في نفسي، وكان حالي هذا حال مئات الآلاف من الأردنيين، إن لم نقل الشعب الأردني جُلُّه؛ ولا أقول المترفين والأكابر المجرمين  , الذين يعيثون في الأرض فسادا .وكنت أشعر ولا زلت أنني في سجن كبير لانعدام الحرية وكان يشعر معي ومثلي مئات الآلاف، وربما الملايين من الأردنيين, من مختلف الأطياف والشرائح بالشعور نفسه. ونحن نتطلع لليوم الذي تطلع فيه شمس الحرية والحياة والعدالة والديمقراطية,  ويتبدد ظلام الفساد والإفساد والاستبداد واحتقار الأردنيين. ونستبدل العبوس الذي حل بنا منذ زمن الاحتلال الصليبي ولم يفارقنا إلى الآن .
كنت موضع الكره لدى غالبية المسئولين والضباط في الجهاز، بعكس ما كان عليه الأمر وحالي مع من يدنوني مرتبة، وزاد البلاء بعد حصولي على الدكتوراه، وأصبح أي رأي أو مشروع أطرحه، يُنظَرُ إليه أنه غير مقبول، تماماً مثلما تُلقِي بالدرر أمام من لا يحسن إلا العواء. فالحسد في الإنسان وهو قاتل الأمم والشعوب والأفراد .
      لم تكن هذه المشاعر مقتصرة علي وحدي بل على الأردنيين , وكانت ثورة معان برهان على ما أقول , فهذا الشعب الأردني الذي هاج وماج وأنفجر فجأة في لحظة واحدة، وبدون سابق إنذار وخارج التوقعات، كما هو شأن الأردنيين عبر التاريخ،وهكذا سيبقى ديدنهم أيضاً، لم يكن غبيّا، بل إن من تجاهله كان الغبي، ولم يكن متسرعاً أو مدفوعاً من جهات أجنبية  حسبما ادعى بعض المثبورين والمرتزقة والغرباء والمقاطيع ، بل ربما أن من احتقره كان يهتم بالحماية الأجنبية. ولكن عندما ينفجر بيتك فلن تجد من يساعدك إلا في حالات نادرة , لأنه لا مناص من التفاهم مع الأردنيين , فهم أهل البيت وأهل الشرعية , بل إنهم هم الذين أسبغوا الشرعية على من سواهم . لذا فان سياسة محو هذا المفهوم قد باءت بالفشل , وستبؤ بالفشل إلى يوم القيامة إن شاء الله . لقد كان المسؤلون الغرباء ينعمون بخيرات البلاد وكان لنا أعين تنظر ولا ترى , وكان لنا آذان معطلة السمع , وكان لنا جلود لا تحس , وكان مشاعرنا قد ذهبت في البحر الميت , ولكنها كانت موجودة وعالية الكفاءة وانفجرت في ثورة نيسان / معان العظيمة , ومرغت أنوق الطغاة والبغاة , وجروا أذيال الخيبة أمام الأبرياء والعزل
   أما الزمر الخرقاء وقطعان الفاسدين والمفسدين وأسراب الطفيليات فقد كانوا ينعمون بأموال الشعب الأردني في غدوهم ورواحهم ,  وسفراتهم وزفراتهم، كانوا ينعمون بأكل السكاكر ونحن لا نجد «القليّة» ويتعرّون من الملابس بطراً , ونحن لا نجد ما يستر عوراتنا فقراً، وأصبح دمهم  حرام  لأنه من أموال المساكين ، ودماؤنا مباحة لهؤلاء لأنهم لا يرعون فينا إلاًّ ولا ذمّة.كانوا  ولا أخصّ فئة أو دائرة معينة ,  يتعطرون بدماء الشعب الأردني دون أن يطفئ ذلك أو يخفف من روائحهم النتنة , التي تخجل الخنازير والضب من نتنها، ويرقصون على جراحاته، وموسيقى أناته، دون أن نطرب معهم... وكانت نساؤهم أو نساء بعضهم تتخذ ولا زالت دماءنا كماكياج يعطيهن الحمرة والصفرة والبياض والشباب.ودماؤهم محرمة علينا... كنت أدرك هذا كله، وكان المسئولون لا يريدون أردنياً يفهم السياسة أو يمارسها أو يتكلم بها , أن يكون في أي مكان ,  فكيف به يكون في جهاز  حساس مثل الأمن العام؟...
إنها كارثة الكوارث ( بالنسبة لهم ) أن يكون مثلي في هذا الموقع، لذا تم تجميدي عدة سنوات وأنا احمل الدكتوراه , ووضعني مدير الأمن صاحب الصفقات المشبوهة في حينه , التي تعرضت للمجاهرة مني بالانتقاد , أقول وضعني في مكتب قميء وصغير  في ديوان المديرية , وكنت احزن لحال رئيس الديوان ألذي كان عاجزا تماما  أن يفرض علي  التعليمات الصادرة عن الباشا  , فصار يتجنب الحديث إلي إطلاقا . , وعندما وجد أن عدد الزوار إلي بالمديرية يفوق أعداد  زوار ضباط المديرية الآخرين مجتمعين , من خلال الاستعلامات , جن جنون الباشا وأمر بعدم السماح بإدخال أي زائر إلى مكتبي , في محاولة لتطويقي , فاضطررت لاستقبال الناس في بيتي , والخروج من الدوام لقضاء حوائجهم شبه يومي , وكان الباشا ومطاياه يغضون الطرف عن ذلك لأنهم كانوا يفرحون  بمغادرتي للمديرية ويعتبرونني كابوسا عليهم  لحدة انتقاداتي العلنية لهم وللباشا , وما أكثر المطايا والجواسيس الذين يتبرعون بزيادة الكلام أضعاف ما كنت أقول . ومع هذا كنت أعرف كل شيء , أو كثيراً من الأشياء في داخل الجهاز وخارجه، وتم تطويقي بحواجز متتالية ,  ولكنني اخترقت سائر  أو كثيراً من دوائر المعلومات لحماية نفسي ليس إلاّ... لقد كان كثير من الأردنيين من سائر الرتب والمواقع يزوّدونني بكل شيء، ويشعرون معي بنفس الشعور الذي يساورني ، إلا أن لقمة عيشهم وأطفالهم حالت دون التصرف مثلما أتصرف.وقد دفعت وأولادي الثمن ولا زلت ادفع ذلك . ومع هذا فانا نتمنى على الله سبحانه أن ينصفنا من سائر قطعان الظالمين .
كان  عدد من المسئولين السياسيين والأردنيين لا يطيقون من يشير إلى سوءاتهم المتضمخة بدمائنا ودموعنا , وكانوا يغضبون عندما أتحدث عن مزارع فلان،وعطاءات علتان، وشراكة الفساد واللهف واللهط. ، والبطر، والعمولات  والحفلات الماجنة، والعلاقات المخملية على حساب شعبنا الفقير المسحوق.  لقد شعرت قاعدتي العشائرية  بالظلم الذي وقع عليّ، ووقع بهم , وكانوا يتحفزون لأية فرصة لردّ الاعتبار  إليّ أو المساهمة في ذلك. وقد رأيت بركات ذلك في صناديق الاقتراح يوم 4/11/1989.  لقد عرفوا بالطلب إليّ من مدير الأمن العام بشطب اسمي وهو اسمهم ,  وقرروا أن يكون اسم العبادي قبساً من نار في أعين الفاسدين , وقبساً من نور أمام الأردنيين. لقد انتشرت قصتي مع مدير الأمن حول انتزاع اسم العشيرة والرتبة العلمية من صدري انتشار النار في الهشيم، وصدر القرار الاجتماعي  العشائري بردّ الاعتبار لهذا الاسم الذي كنت أحمله وحميته (من الحماية)، وأن أكون تحت القبة لحمله وحمايته، -ذلك ما كان في خلد الكثيرين من أبناء قبيلتي الكريمة، وذلك ما ركّزت عليه في حملتي الانتخابية ضمن برنامجي.
في الحلقة القادمة /الحلة الرابعة إن شاء الله
التجويع  المريع  لي ولأطفالي بعد إحالتي على التقاعد يوم الجمعة 20/3/1987
 منعي من العمل في الداخل , ومن السفر إلى الخارج
الرعب يدب في قلوب المسؤلين فيرفضون استقبالي
القصر يوارب الباب معي رغم الترهيب الأمني مني
صاحب القرار  يطلب مني خوض الانتخابات النيابية  عام 1989 بدلا من السفر  



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد