حكاية رجل مجهول

حكاية رجل مجهول

06-05-2021 03:03 PM

قصة قصيرة :
خرج من بين زحام المراجعين أمام دائرة الشؤون الاجتماعية منتفضاً على غير عادته.. تميد به الأرض كالمخمور وهو يلتقط أنفاسه المتحشرجة.. وقد غطت التجاعيد رقبته وطوقت عينيه الغائرتين وانتشرت تجاويفها وعروقها في وجهه المكفهر الشاحب، بدا شارد النظرات كأن رابوصاً حط على صدره المتعب.. كان رث الثياب إلى درجة أن الذباب استطيب رائحة العرق التي فاحت منه، فزكمت أنوف العابرين الذين واروا وجوههم كأنه جيفة نتنة..
 
 أليس القهر يُسكر حتى الموت!  
 
وتمكن أخيراً من دخول مبنى الدائرة، وبطنه الضامر  الخاوي يصدر كركعة.. وعيناه الذابلتان لا تقويا على استجلاء الطريق الذي اكتظ بالزحام.. 
تجاوز ممرات مبنى الإدارة حتى تصلبت قدماه أمام مكتب المالية.. رفع قبضة يده المتشنجة فتراخت أطرافه قبل أن يطرق الباب ثم انحنى مهزوماً كمن تلقى ركلة طائشة على بطنه.. وبغتة مات منهاراً مكانه.. كان جاحظ العينين! فانحبست الأسئلة المبهمة فيهما.
 
وبعد دقائق من الإهمال، استجاب المارة الذين ازدحمت بهم الممرات لصراخ الفراش:
 "يا ناس.. يوجد مجهول ميت أمام مكتب المدير".
 وبعد صَدٍّ ورد، وتفتيش وتمحيص، لم يعثر رجل الأمن على ما يشير إلى شخصية الميت.."
تساءل أحدهم:
- "ربما كان متسولاً ينشد حظه في هذه الدائرة التي تعنى بالشؤون الاجتماعية".
اشتعلت الأسئلة المبهمة في الرؤوس المصدوحة، تخاطفت جثمانه الأيادي والحناجر تهتف بصوت واحد" لا إله إلا الله". 
هذا باختصار شديد ما حدث مع هذا "النكرة" الذي أربك الزحام .
 
 وبعد أن أخلي الممر من المتزاحمين الفضوليين، خرج المدير مندهشاً والحيرة تأكل رأسه، وقد تدلى كرشه كأنه خرج لتوه من غرفة طعام توسطتها مائدة اللئام.. نده على الفراش وسأله بحزم:
" ما هذا الضجيج الذي اختفى فجأة من أمام مكتبي!"
 
فرد عليه الفراش بارتباك وهو يمسح يديه بالفوطة :
" مجرد رجل مجهول سقط ميتاً أمام مكتبكم يا بيك.. أخذوه إلى مكان ما.. ربما إلى المستشفى أو مركز الشرطة.. لست أدري".
فعلق البيك متمتماً: 
 
"مش ناقصين قرف!"
 
ثم أمره البيك وقد انتفخت أوداجه ممسداً على شاربيه الخفيفين بالسبابة والإبهام:
 
"لا بأس.. أحضر لي فنجان قهوة.. لا تتأخر فرأسي تأكله الديدان من ضغط الشغل!"
 
ثم عاد البيك يجلس إلى مكتبه متأففاً بعد أن انسحب من المشهد؛ ليتابع مكالمته مع أحد السماسرة، ويبدو أنهما كانا يتفاوضان على صفقة ما كان يخطط للظفر بها.. قال متلهفاً: 
"لا باس يا باشا.. مجرد رجل مجهول قطع علينا التواصل وانقضى أمره ميتاً.. أين وصلنا!؟"
 
حدث الموقف بكل بساطة وانقضى سريعاً.. مجرد رجل مجهول مات سره إلى الأبد ومشى في جنازته حتى الجناة وكأنه رقم سقط من قائمة المهمشين على هذه الأرض اليباس.. وأخذ العابرون يؤولون حكايته ويُسْقِطون عليها الأسئلة، ناسجين من حوله الحكايات والطرائف.. وكان أحد الشباب يراقب المشهد بينما كان جالساً في ردهة المقهى المقابل، ارتشف قهوته ثم وضع فنجان القهوة جانباً وقد استلب المشهد ناظريه.. أخذ يضرب كفاً بكف متمتماً:
 
 "الرجل مات من القهر.. ولم يسقط سهواً".
 
 وسرعان ما استل هاتفه النقال.. وبدأ يوثق المشهد بالصور.. وفي غمضة عين كان العالم يشاهد الموقف عبر منصات التواصل الاجتماعي.. وبعد ساعة، كانت المكالمات تتدفق من كل مكان فتتساقط في أذن المدير المتسيب، كالجمر؛ حتى امتقع وجهه.. وفي حومة ما جرى من تفاعلات الموظفين مع الخبر الطارئ، انشغل كل من في الدائرة ببناء القصة كما يريدها البيك.. وبعد ذلك تم إعداد تقرير عن الواقعة كي يذيله البيك بتوقيعه بعد أن كتب في خاتمته بأنه قام بالواجب قدر استطاعته.. والبحث ما يزال جارياً عن أهل الميت لدراسة ظروفهم وتقديم يد العون لهم  إن أمكن، فهذا واجب منوط بدائرته.
 
ترى ! هل يصدق الناس تقرير عطوفة المدير بعد أن أشغلت هذه القصة الصحف والمنابر السياسية التي روست كلماتها بعبارة "حكاية صادمة وألف سؤال.. من المسؤول!".. الخبر طاف العالم في لحظات، بينما هذا الرجل المجهول كانت قد حاصرته الظروف في ممر دائرة الشؤون الاجتماعية حتى مات وسط الزحام بعيداً عن الأضواء، فيما توافد ألى الدائرة شباب من كل حدب وصوب باحثين عن صورة للرجل الذي بذرته الصدفة في حرث هذا الصباح .


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إطلاق نار على شاب أردني في الفلبين .. والشرطة تكشف مفاجأة أثناء ملاحقة المتهم

3 حكام أردنيين في مهمة قارية بدوري أبطال آسيا

ترامب: لن نهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي

1. موجة إدانات عربية ودولية بعد هجمات الحوثيين على مطاري أبها والملك خالد

ممنوع إدخال الأراجيل إلى حدائق عمان .. والأمانة تبدأ حملات المخالفة والمصادرة

"ابننا مش فنجان قهوة" .. عائلة معتصم ترفض الصلح العشائري وتطالب بالقانون

أنباء عن 3 قتلى و36 إصابة بهجوم حوثي على مطاري الرياض وأبها

تحذيرات أمنية من خطر الغبار والأمطار الرعدية جنوبي المملكة

بعد انتخاب رئيس جديد .. كولومبيا تقرر رسميا نقل سفارتها إلى القدس

سلسلة مداهمات أمنية تطيح بـ 31 تاجر مخدرات في الأردن

أسعار الذهب في الأردن اليوم الخميس .. تفاصيل التسعيرة الرسمية لجميع العيارات

الأمير مرعد وغوشة يبحثان تعزيز وصول الأشخاص ذوي الإعاقة للمباني

اعتبارا من اليوم .. منع بيع الشيبس بمختلف أنواعه في المقاصف المدرسية

الأردن يرحب بموقف بريطانيا بشأن القنصلية في القدس

18 باحثا من عمان الأهلية ضمن 2% من العلماء الأكثر تأثيرا عالميا

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

مقتل الأردني محمد الحشايشة في شيكاغو .. تفاصيل اللحظات الأخيرة داخل متجره

تنكة الزيت قد تتجاوز 100 دينار .. وارتفاع مرتقب لأجور العصر

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين

انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21

حوادث وجرائم مروعة تهز قلوب الأردنيين .. تفاصيل ما حدث

التوجيهي إلكتروني هذا العام .. التربية تكشف تفاصيل الامتحان الجديد

بعد اختراق FBI .. الأردن يطيح بعضو بارز في مجموعة قرصنة وابتزاز رقمي

بعد اتهام الأردن بالتقصير .. الداخلية توضح أسباب أزمة جسر الملك حسين

هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"