جروح نفسية طويلة الامد .. هذا ما تخلفه حوادث اطلاق النار الجماعي

mainThumb

15-07-2022 07:35 PM

 السوسنة - جروح نفسية طويلة الامد.. هذا ما تخلفه حوادث اطلاق النار الجماعي والحوادث المأسوية مثل الحادثتين اللتين وقعتا في مدينة يوفالدي بولاية تكساس ومدينة بافلو بولاية نيويورك يمكن أن تتسبَّب في إصابة الناجين بالاكتئاب الشديد.. واضطراب كرب ما بعد الصدمة.. وغيرهما من الاضطرابات النفسية المزمنة

 
وأضحت المشاهد التي تبُثُّها وسائل الإعلام عبر تغطياتها لحوادث إطلاق النار الجماعي مألوفةً جدًّا لنا بما تحويه من إظهارٍ لأسرٍ باكية مُتفجِّعة، وأطفالٍ تملَّكهم الرعب، ومجتمعاتٍ محلية كسيرة الفؤاد، وقد شهدنا ذلك في الحادثتين اللتين وقعتا في مدينة يوفالدي بولاية تكساس، ومدينة بافلو في ولاية نيويورك، لكن بعدما يرحل الإعلاميون بكاميراتهم، ويُشيَّع الموتى إلى مثواهم الأخير، ويُعالج الجرحى، ثمة أسئلةٌ عديدة تطرح نفسها: ما الجروحُ النفسية التي لا تندمل بسهولة؟ وما الآثار طويلة الأمد التي تعم الصحة النفسية للناجين، وعائلاتهم، والمجتمع المحلي بأكمله؟ وما الخطوات التي من شأنها أن تُقلِّل الضرر الناجم بأقصى قدرٍ من الفاعلية؟
 
يقول جاليا إن الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعًا التي رُصدت في الدراسات التي تناولتها المراجعة التقييمية المنشورة عام 2015 شملت الاكتئاب الشديد، أو اضطراب كرب ما بعد الصدمة (PTSD)، أو بعض أعراض كرب ما بعد الصدمة، ومن الاضطرابات النفسية الأخرى التي أشارت إليها بعض الدراسات اضطرابات القلق، ونوبات الهلع، واضطرابات تعاطي المواد المخدرة، وأنواع من الخوف المرضي، إضافةً إلى مشكلاتٍ أخرى، لكن لوو تعلق بقولها: "يصعُب تحديدُ المشكلات النفسية الأكثر شيوعًا؛ لأن معرفتنا تقتصر على الدراسات التي خضعت للتقييم".
 
تناولت بعض الدراسات ما سمَّته لوو "الكرب النفسي غير المحدد"، والذي يتضمن مشاعر الخوف والتوتر، وتناولت دراساتٌ أخرى أعراضًا عضوية، كالصداع وآلام البطن.
 
كيف تؤثر تلك الأحداث العنيفة بشكلٍ خاص على الأطفال الذين يعايشونها؟
 
يجيب جاليا قائلًا: "عددُ الدراسات التي تناولت الآثار الواقعة على الصحة النفسية للأطفال قليلٌ نسبيًّا"، فخمس دراسات فقط من بين الدراسات التي خضعت لتقييم جاليا ولوو هي التي جعلت محور تركيزها اليافعين في المرحلة الثانوية أو الأطفال الأصغر عمرًا الذين تعرضوا لحوادث إطلاق نار جماعي، وتراوحت نسبة شيوع اضطراب كرب ما بعد الصدمة أو أعراضه من 8% إلى 91%، بناءً على توقيت تقييم تلك الأعراض وكيفيته.
 
وفي دراسةٍ أحدث -نُشرت عام 2020، وشاركت في الإشراف عليها الباحثة مايا روزين-سليتر، التي تعمل حاليًّا أستاذًا مساعدًا لسياسات الصحة بجامعة ستانفورد- رصد الباحثون زيادةً قدرها 21.4% في الوصفات الطبية التي تشتمل على عقاقير مضادة للاكتئاب، والتي أُعطيت لأفراد تقل أعمارهم عن 20 عامًا في المنطقة المحلية التي شهدت حادثة إطلاق نار في مدرسة، مقارنةً بمناطق أخرى تبعد مسافةً تتراوح من 10 أميال إلى 15 ميلًا، تلك الدراسة التي تضمَّنت بيانات الوصفات الطبية المستقاة من 44 مجتمعًا محليًّا شهدت حوادث إطلاق نار في المدارس، رصدت ارتفاعًا في معدل تناوُل العقاقير المضادة للاكتئاب استمر عامين عقب الحادثة.
 
وتشير البحوث إلى عوامل عدة يمكن إدراجها في ثلاث فئات كبرى: قبل حادثة إطلاق النار، وفي أثناء الحادثة، وبعدها، تقول لوو إن المحدد الأول هو "الخصائص العامة للأفراد قبل تعرُّضهم لتلك الحوادث، ومن ضمنها الخصائص الديموغرافية"، فمثلًا نجد أن الأفراد الذين يعانون من مشكلاتٍ مُسبقة في الصحة النفسية أكثر تعرضًا للإصابة بالاكتئاب وغيره من المشكلات النفسية عقب تعرُّضهم لحادثة إطلاق نار جماعي، والأمر نفسه ينطبق على الأفراد الذين يفتقرون إلى الموارد النفسية الاجتماعية التي تشمل الترابط الأُسري والدعم المالي، وتضيف لوو: "نعرف أيضًا أن الفتيات أو النساء هن الأكثر تعرضًا لمشكلات الصحة النفسية عقب هذه النوعية من الحوادث، لكننا لا نعرف في واقع الأمر ما إذا كان ذلك بسبب الفروق البيولوجية بين الجنسين، أم بسبب الأدوار الجنسانية، أم بسبب الارتياح الأكبر الذي تشعر به النساء في التعبير عن الأعراض النفسية، أم بسبب عوامل أخرى".
 
أما الفئة الثانية فترتبط بحادثة إطلاق النار ذاتها، تقول لوو: "تزداد احتمالاتُ التعرُّض للآثار النفسية لدى الأشخاص الذين يكونون على مقربةٍ شديدة من أحداث العنف، فيشاهدون إطلاق النار على أحدهم أو يرون جثث القتلى أو المصابين"، وتزداد هذه الاحتمالات أكثر إذا فقد أحد الأشخاص فردًا من أفراد أسرته أو صديقًا له في تلك الحوادث.
 
وبعد الحادثة، يمكن أن تصنع الموارد الاجتماعية المتاحة فارقًا في دعم الناجين، وفق قول لوو، التي تضيف: "الدعم العاطفي (أي الشعور بأن هناك أناسًا على استعداد لمؤازرتك)، والدعم المعلوماتي (أي المعرفة بماهية الموارد المتوافرة)، والدعم المحسوس (مثل المال والمساعدة المادية) هي أمور بالغة الأهمية بلا ريب"، ومن الأهمية بمكانٍ أيضًا توافُر الإرشاد النفسي وغيره من الخدمات، تقول لوو موضحةً: "هذا النوع من الحوادث قد يُزلزل كيان المرء بحقٍّ ويُزعزع معتقداته الأساسية حول ذاته وحول الآخرين في العالم، مثل اعتقاده بأن العالم مكانٌ آمن وأن أغلب الناس طيبون، وعندما تتحطم تلك الافتراضات، يمكن أن تزداد مخاطر التعرُّض لكرب ما بعد الصدمة والاكتئاب".
 
ويُشير جاليا ولوو إلى عدم توافُر بياناتٍ كثيرة حول مدى تأثر المجتمعات المحلية بحوادث إطلاق النار الجماعي على المجتمعات المحلية، وتستدرك لوو قائلةً: "لكن استنادًا إلى حالات الصدمة الجماعية الأخرى -كتلك الناجمة عن الكوارث المرتبطة بالتغيُّر المناخي- نعرف أن الموارد المتوافرة داخل المجتمع المحلي بالغة الأهمية"، وفي هذا الصدد، تجدُر الإشارة إلى أن لوو قد درست تأثيرات تلك الكوارث على الصحة النفسية، وتتابع لوو: "في كثير من الأحيان، يعقب تلك الحوادث تدفقٌ للدعم على كلٍّ من المستوى الرسمي عبر الهيئات الحكومية، والمستوى غير الرسمي من خلال المجتمعات المحلية الأخرى وأشخاص غرباء، لكن عادةً ما ينحسر هذا الدعم بمرور الوقت، وغالبًا ما يصبح الأفراد الذي يعيشون في مجتمعات تعاني نقصًا في الموارد أكثر تعرضًا للخطر بمرور الوقت إذا واجهوا مستويات عالية من التعرُّض [لكارثة]، وهذه الظاهرة رصدناها في أعقاب إعصار ساندي"، الذي ضرب الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية ومنطقة البحر الكاريبي عام 2012.
 
ما المعلومات المتوافرة لدينا بشأن التأثيرات التي تعمُّ الأشخاص الذين يتابعون تلك الحوادث من بعيد، أشخاص مثلي ومثلكما ومثل باقي الناس ممن يقرءون عن تلك الحوادث المروعة ويشاهدون التغطيات الإخبارية لها؟
 
يجيب جاليا قائلًا: "بالتأكيد نحن نعرف أن الناس يمكن أن يُفيدوا بأنهم يعانون من أعراض اضطرابات نفسية نتيجة مشاهدتهم التليفزيون أو متابعتهم وسائل التواصل الاجتماعي"، ويُضيف مؤكدًا: "الآن، أضحى المعدل الطبيعي للاكتئاب عاليًا بالفعل، نتيجة التأثير الممتد لجائحة «كوفيد-19»، ليس بمقدورنا أن نتعرَّض لمزيدٍ من الأحداث الصادمة".
 
لم تحظَ الآثارُ البعيدة بنصيبٍ وافر من الدراسة؛ فمن بين البحوث التي راجعها جاليا ولوو عام 2015، لم يتناول الآثار النفسية الناجمة عن حوادث إطلاق النار الجماعي لدى الأشخاص البعيدين عن الحادثة سوى عددٍ قليلٍ من الدراسات، وتنوِّه لوو بأن تلك الدراسات رصدت "انخفاضاتٍ مؤقتةً على أدنى تقدير في مستويات الشعور بالأمان، وزياداتٍ في مستويات الشعور بالخوف".
 
ويُشير جاليا ولوو إلى أنه يُوصى باتباع نهجٍ يُطلَق عليه "الإسعافات الأولية النفسية" عقب التعرُّض للأحداث الصادمة، ويشرح جاليا هذا النهج بقوله: "تبدأ الإسعافات الأولية النفسية بالتعليم عن طريق توعية الأشخاص الذين يُحتمل تأثرهم بالحادثة" بأعراض الاضطرابات النفسية المحتملة، ويُضيف جاليا: "بعد ذلك ينتقل النهج إلى منح هؤلاء الأشخاص أدواتٍ مساعدة، ثم يتحول إلى إعانتهم على الوصول إلى خدمات الرعاية إذا كانوا في حاجةٍ إليها، إنه نهجٌ يعتمد على مجموعةٍ من التدخلات المتسلسلة"، من جانبها، توفر الشبكة الوطنية لمكافحة الإجهاد الناتج عن الصدمات لدى الأطفال -والتي تتلقى تمويلًا من الحكومة الفيدرالية- دليلًا أُعد خصوصًا للمدارس.
 
وفيما يتعلق بمَن تظهر لديهم أعراض الكرب، فيمكنهم الاستفادة من نهج تدخلي يُدعى "مهارات التعافي النفسي"، كما تعتقد لوو، التي توضح قائلةً: "يهدف هذا الأسلوب إلى مساعدة الأفراد على استعادة الموارد النفسية والنفسية الاجتماعية، مثل الأمل والتفاؤل والإحساس بالأمان والدعم الاجتماعي".
 
أصبحت حوادث إطلاق النار الجماعي شائعةً جدًّا في الوقت الحالي، حتى إن 96% من المدارس الحكومية الأمريكية تعقد تدريباتٍ على كيفية التعامل مع "مُطلق نار نشط" و/أو تدريبات "ملازمة الفصول"، هل تزيد تلك التدريبات من إحساس الأطفال بالأمان؟
 
تُشير الأدلة القليلة المتوافرة إلى أن الإجابة عن هذا السؤال هي لا؛ فقد توصَّلت دراسةٌ استقصائية، نُشرت في دورية «جورنال أوف أدولسينت هيلث» Journal of Adolescent Health عام 2020، إلى أن 60% من الشباب الذين شملتهم الدراسة عبروا عن شعورهم بالخوف أو العجز أو الحزن أو عدم الأمان نتيجة تلك التدريبات، وأفاد ربعُ المشاركين بأنهم لا يرون أن تلك التدريبات أحدثت تحسنًا في مستوى شعورهم بالأمان لأنهم يعتقدون أن الطلاب ربما يشعرون بالفزع عند مواجهة تهديدٍ حقيقي، ولأن هذه التدريبات قد توفِّر معلوماتٍ لمُطلق نار محتمَل.
 
وفي عام 2021، أُجري تحليلٌ للمنشورات التي شاركها الطلاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد مشاركتهم في تلك التدريبات، وأفاد التحليل المذكور بزيادة معدلات القلق والتوتر والاكتئاب بنسبة تتراوح بين 39% و42% عقب تلك التدريبات.
 
لم تدرس لوو رد الفعل على هذه التدريبات بنفسها، لكنها تُضيف أن طلابها أبلغوها بأنهم يتعاملون عادةً مع تلك التدريبات بروح الدعابة أو بأنها تُشعِرهم بالخوف، تقول لوو: "أعتقد أن ثمة أساليب يمكن من خلالها إجراء هذه التدريبات على نحوٍ أكثر مراعاةً لتأثير الصدمات على الأفراد"، ومن بين تلك الأساليب منح الطلاب خيار عدم المشاركة فيها، على حد اعتقادها.
 
لقد شهدنا في أعقاب حوادث إطلاق النار بالمدارس نماذج مؤثرةً وقويةً للتحرك الفعَّال من جانب مجموعاتٍ مثل الطلاب الناجين من حادثة إطلاق النار في مدينة باركلاند بولاية فلوريدا، وآباء وأمهات الأطفال الذين قُتلوا في حادثة إطلاق النار بمدينة نيوتن بولاية كونيتيكت، هل يُساعد مثل هذا التحرك الفعَّال على تهدئة مشاعر اليأس والكآبة؟
 
لا تعرف لوو بالتحديد ما إذا كان هذا الموضوع قد خضع للدراسة في سياق حوادث إطلاق النار في المدارس، لكنها توضح أنها شاركت في أبحاث حول القلق الناجم عن التغير المناخي، إذ تقول: "لقد وجدنا أن المشاركة في التحركات البيئية الفعَّالة، على غرار المستويات العليا من العمل الجمعي، كانت حاجزًا واقيًا من التأثير السلبي للقلق أو الاكتئاب المرتبط بالتغير المناخي"، وتضيف قائلةً: إنه في حالة مشاركة الفرد في تلك التحركات الفعَّالة "يصبح بمقدوره الحصول على الدعم من مجموعة الأفراد الذين تجمع بينهم أفكارٌ متشابهة، وجميعهم ملتزمٌ بالعمل لصالح القضية ذاتها، لكن يظل خطر التعرُّض للاستنزاف النفسي والإحباط قائمًا كذلك".
 
هل زاد عدد البحوث التي تتناول التأثيرات التي تقع على الصحة النفسية من جرَّاء حوادث إطلاق النار الجماعي واتسع نطاقها منذ نشر المراجعة التقييمية التي أعدها جاليا ولوو عام 2015؟ وهل ثمة دروسٌ جديدة يمكن الاستفادة منها؟
 
يتفق جاليا ولوو على أن عدد البحوث التي تتناول الآثار المترتبة على حوادث إطلاق النار الجماعي لا يزال غير كافٍ، وبينما كانت لوو تتأهب لتحديث الدراسة المنشورة عام 2015 -وهي عمليةٌ لا تزال موضع التنفيذ إلى الآن- عثرت على نحو 50 ورقة بحثية جديدة ذات صلة بالموضوع، وهذا معناه أن إجمالي البحوث بلغ نحو ضِعف ما شملته المراجعة التقييمية الأصلية من بحوث وكان عددها 49 بحثًا، وتعلق لوو على ذلك بقولها: "إذًا تضاعف عدد البحوث في أقل من 10 سنوات، لكن هذا العدد لا يزال منخفضًا بشدة"، على النقيض من ذلك، عثر جاليا ولوو على 100 ورقة بحثية نُشرت في عام واحد حول شيوع الاكتئاب واضطراب كرب ما بعد الصدمة في أعقاب الكوارث المتعلقة بالتغير المناخي، لعل أحد أسباب انخفاض عدد الدراسات في هذا الجانب البحثي ذلك القانون الذي صدر عام 1996 تحت اسم «تعديل ديكي»، بهدف تقليل التمويل الفيدرالي للبحوث التي تتناول العنف الناجم عن استخدام الأسلحة، وفي عام 2018، أوضح الكونجرس معنى ذلك القانون وسمح بالبحوث التي تتناول العنف المسلح طالما لا تُروِّج لمسألة الرقابة على الأسلحة، وفي أواخر عام 2019، قرَّر الكونجرس أخيرًا تخصيص 25 مليون دولار أمريكي لتلك البحوث، بما يشمل دراسةً وطنيةً بالغة الأهمية للإستراتيجيات الهادفة إلى حماية المدارس.