الوالد تركي بني سلامة، شاهدٌ على البطولة التي لم تُروَ

الوالد تركي بني سلامة، شاهدٌ على البطولة التي لم تُروَ

06-06-2026 01:33 PM

في الخامس من حزيران عام 1967، دخل الأردن واحدة من أكثر المراحل قسوة وألماً في تاريخه الحديث. لم تكن تلك الأيام مجرد حرب عابرة أو خسارة عسكرية يمكن أن تطويها السنوات، بل كانت زلزالاً سياسياً ووطنياً ما تزال ارتداداته حاضرة في الوجدان الأردني والعربي حتى اليوم. ففي تلك اللحظات المصيرية وجد الأردن نفسه في قلب معركة فرضتها ظروف إقليمية معقدة، بينما كان يقف على رأس الدولة قائد حمل مسؤولية القرار في أصعب الظروف، هو الراحل الملك الحسين بن طلال.

كان الحسين يدرك حجم التحديات التي تواجه الأردن، ويعلم أن قرار المشاركة في الحرب ليس قراراً عادياً. فقد وجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما الوقوف إلى جانب الأشقاء العرب التزاماً بميثاق الدفاع المشترك والتضامن العربي، وإما الامتناع عن المشاركة وما قد يجره ذلك من اضطرابات داخلية وانقسامات تهدد وحدة الدولة واستقرارها. وبين هذين الخيارين اختار الحسين أن يتحمل المسؤولية التاريخية كاملة، واضعاً الأردن في صف أمته، رغم إدراكه أن الثمن قد يكون باهظاً.

ولعل أكثر ما يميز مراجعات الملك الحسين لتلك المرحلة هو صدقه وشجاعته في توصيف الواقع كما كان. فقد أقر بأن الاستعداد العربي للمعركة لم يكن بمستوى التحدي، وأن كثيراً من الشارع العربي كان يعيش على وقع الشعارات والخطابات الحماسية والدعاية الإعلامية التي كان يمثلها صوت أحمد سعيد، بينما كانت الحقائق العسكرية على الأرض مختلفة تماماً. لقد كانت الأمة تسمع أخبار الانتصارات عبر الأثير، في الوقت الذي كانت فيه الجيوش تواجه واقعاً قاسياً لم تكن مستعدة له بما يكفي.

ورغم مرارة الهزيمة، فإن الجيش العربي الأردني سطر في القدس والضفة الغربية صفحات من البطولة والشرف ستبقى خالدة في سجل الوطن. فقد قاتل الجنود الأردنيون دفاعاً عن الأرض والمقدسات والكرامة، وأثبتوا أن الشجاعة لا تقاس بنتيجة المعركة، بل بحجم الثبات والإيمان بالواجب في أصعب الظروف.

ومن بين تلك القصص التي تستحق أن تُروى للأجيال، قصة والدي، صاحب الرقم العسكري 71154، أطال الله في عمره، والذي شارك في تلك الحرب ضمن صفوف كتيبة الحسين الثاني المرابطة في القدس. وما زلت أستمع منه إلى شهادات حية عن أيام النار والدخان والبطولة، وعن رجال آمنوا بواجبهم حتى اللحظة الأخيرة.

لقد قدمت كتيبة الحسين الثاني واحدة من أعظم صور التضحية في تلك الحرب، حيث ارتقى من صفوفها 139 شهيداً، وأصيب 42 جريحاً، كان والدي واحداً منهم. ولم تتوقف معاناتهم عند الإصابة، إذ تم أسر الجرحى من المستشفيات بعد سقوط المواقع التي كانوا يدافعون عنها. غير أن العناية الإلهية شاءت أن ينجو والدي من الأسر في ظروف استثنائية ما زال يحتفظ بتفاصيلها في ذاكرته حتى اليوم، وهي رواية وطنية وإنسانية تستحق أن تُوثق وأن تُروى عبر وسائل الإعلام الأردنية.

وللأسف، فإن كثيراً من قصص البطولة والتضحية التي قدمها أبناء القوات المسلحة الأردنية لم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقه، رغم أنها تمثل جزءاً أصيلاً من تاريخ الأردن الحديث. فخلف كل اسم في سجل الشهداء قصة أسرة، وخلف كل جريح حكاية صبر وصمود، وخلف كل ناجٍ شهادة حية على مرحلة صنعت هوية وطن بأكمله. وإن من الوفاء لتلك التضحيات أن نمنح أصحابها فرصة رواية ما عاشوه للأجيال الجديدة، حتى يبقى التاريخ حياً في الذاكرة الوطنية.

وفي ذكرى الخامس من حزيران، لا نستحضر الهزيمة بقدر ما نستحضر الرجال الذين واجهوها بشرف، والقائد الذي تحمل عبء القرار في زمن كانت الخيارات فيه أشد قسوة من نتائجها. نستذكر الملك الحسين الذي اختار الوقوف مع أمته، ونستذكر شهداء الجيش العربي الذين دفعوا من دمائهم ثمناً لمواقفهم، ونستذكر أولئك الذين عادوا من ساحات القتال يحملون في ذاكرتهم قصصاً لم تُكتب بعد.

لقد كانت هزيمة حزيران جرحاً عربياً عميقاً، لكنها في الذاكرة الأردنية تبقى أيضاً قصة وفاء وتضحية وصمود. قصة ملك واجه العاصفة بشجاعة، وقصة جيش قاتل حتى النهاية، وقصة شهداء وجرحى ما زال الوطن مديناً لهم بأن يحفظ أسماءهم ويروي للأجيال بطولاتهم، حتى لا يغيبوا عن الذاكرة الوطنية مهما تعاقبت السنوات.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الأمانة تحذّر .. غرامة تصل إلى 500 دينار لمرتكب هذه المخالفة

قبيل مباراة النشامى بالمونديال .. الأردنيون على موعد مع عطلة رسمية

وزارة العمل تنفي أنباء متداولة بشأن البكار وتصدر توضيحاً

من 50 إلى 115 ديناراً .. تفاصيل رسوم التأمين الصحي الاختياري في الأردن

الأمن العام: حادثة الأشرفية نتجت عن خلاف بحكم الجوار

حكم بحبس أمين عام وزارة .. ما السبب

الأمن العام: وفاة مطلق النار بعد إصابة ثلاثة مواطنين في الأشرفية

درجة الحرارة تصل إلى 40 بهذه المنطقة اليوم

سؤال نيابي حول الشذوذ والتحول الجنسي داخل السجون

دائرة الإفتاء توضح أحكام "الإقالة" وإعادة المصوغات الذهبية للبائع

فاجعة في إربد .. 3 وفيات وإصابتان بحادث تصادم

الأمن العام : وفاة أحد المصابين بحادثة الأشرفية متأثرا بإصابته

وفاة شاب طعناً في دير أبي سعيد والأمن يلقي القبض على الجاني

وظائف شاغرة ومدعوون للاختبار التنافسي في الحكومة

فقدان أثر اليورانيوم الإيراني المخصب ومخاوف من الانتشار النووي