ملقة ( مالقة ) الإسبانية : أردن الأندلس .. قصة الشام التي أزهرت في قلب إسبانيا
24-07-2026 02:03 AM
بين شواطئ البحر المتوسط الساحرة في جنوب إسبانيا ، وتلال شرق المتوسط العريقة في بلاد الشام ، يمتد خيط رفيع من التاريخ الإنساني والحضاري الذي نسجه الفاتحون الأوائل بوعي وحنين عميق . فلم يكن ارتباط مدينة ملقة ( مالقة ) التاريخي ببلاد الأردن مجرد تشابه عابر أو صدفة جغرافية ، بل كان تجسيداً حياً لوطن نُقلت تفاصيله بدقة ليُعاد بناؤه فوق تراب الأندلس ، حتى استحقّت بجدارة أن تُعرف تاريخياً وبعمق بلقب ( أردن الأندلس ) .
الجذور التاريخية والتأسيس المبكر : من ( مالاكة ) الفينيقية إلى كورة ريّة :
تمتد جذور مدينة ملقة ( مالقة ) التاريخية لأكثر من 2800 عام ، مما يجعلها واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في أوروبا الغربية . فقد أسسها التجار ( الفينيقيون ) في القرن الثامن قبل الميلاد ( حوالي عام 770 - 1000 ق . م ) ، وأسموها ( مالاكة ) . ويرجح اللغويون والمؤرخون أن الاسم مشتق من الكلمة الفينيقية التي تعني ( الملح ) ، نظراً لتمليح الأسماك وتجارتها على شواطئها ، أو نسبةً للإله الفينيقي ( مالكارت ) ، أو لكونها مرفأً تجارياً عظيماً يتحكم بثروات المنطقة وموقعها الإستراتيجي ، حتى وصفها التجار الأوائل بأنها ( ضوء الليل ) لانعكاس ضوء القمر على شواطئها .
تعاقبت على المدينة لاحقاً حضارات عريقة ؛ بدءاً من القرطاجيين واليونان ، مروراً بالإمبراطورية ( الرومانية ) في القرن الثاني قبل الميلاد والتي تركَت آثاراً خالدة كالمسرح الروماني ، ثم القوط الغربيين ، وصولاً إلى المحطة التاريخية الأبرز وهي ( الفتح الإسلامي عام 711 م ) .
كيف وُلد جند الأردن في الأندلس ؟
يعود أصل الارتباط الخاص بين ملقة ( مالقة ) والأردن إلى منتصف القرن الثاني الهجري ، وتحديداً في عام ( 142 هـ ) ( الموافق 742 م ) ، عندما واجهت الدولة الأموية في الأندلس مخاضات واضطرابات داخلية حرجة . حينها ، بادر الوالي ( أبو الخطار الكَلبي ) إلى الاستعانة بالأجناد الشامية الباسلة لضبط الأمن وإرساء دعائم الاستقرار .
وعندما هدأت الأمور واستقرت البلاد ، اتبع الوالي سياسة إدارية حكيمة قوامها تسكين الجند في مناطق تطابق بيئتهم الأصلية ، حيث وزّع هذه القبائل والأجناد على أقاليم الأندلس :
جند دمشق : استقروا في إلبيرة ( غرناطة ) .
جند حمص : استقروا في ( إشبيلية ) .
جند الأردن : خُصصت لهم ( كورة رَيّة ) ، وكانت عاصمتها التاريخية مدينة ( أرخدونة ) ، قبل أن تنتقل السيادة والمركزية تدريجياً إلى درة الساحل مدينة ملقة ( مالقة ) .
لماذا ملقة ( مالقة ) سُميت ( أردن الأندلس ) ؟ ( فلسفة التشابه البيئي والجغرافي ) :
أكد المؤرخون والباحثون المعاصرون ، وفي مقدمتهم معالي الباحث ( الدكتور صلاح جرار ) في دراسته القيّمة حول المدينة ، أن إطلاق اسم ( أردن الأندلس ) على ملقة ( مالقة ) لم يكن من فراغ ، بل جاء نتاج تطابق بيئي وجغرافي لافت :
التضاريس والمناخ المعتدل : طبيعة ملقة ( مالقة ) الجبلية وسواحلها المطلة على البحر المتوسط تشبه إلى حد كبير ساحل الأردن التاريخي وجباله المطلة على الأغوار .
المياه المعدنية الحارة : تميزت المنطقتان بوجود العيون والمياه المعدنية الحارة التي أعادت إلى أذهان الجند تفاصيل مواطنهم الأصلية .
النهضة الزراعية واقتصاد الأرض : نقل جند الأردن معهم خبراتهم المتراكمة في الفلاحة ؛ فاشتهرت ملقة ( مالقة ) بإنتاج ( التين والزيتون والعنب ) ، وهي المحاصيل ذاتها التي كانت وما زالت عماد الاقتصاد الزراعي في بلاد الأردن . وحينها ، صار تين ملقة ( مالقة ) يُضرب به المثل في الجودة والنكهة تماماً كما عُرف تين الأردن ، فضلاً عن ازدهار صناعات يدوية كالفخار والخزف والمواد الإنشائية .
ملقة ( مالقة ) في عيون المؤرخين والمعالم الأندلسية الخالدة :
سجل الجغرافيون والمؤرخون المسلمون هذا الارتباط في مدوناتهم الخالدة ، فكانوا يصفون ( كورة رية ) بأنها ( أردن الأندلس ) . وكتب المؤرخ والأديب ( لسان الدين بن الخطيب ) واصفاً المدينة بأنها طيبة الهواء ، كثيرة الفواكه ، وقد غلب عليها طابع الجند الذين نزلوها وأضفوا عليها رونقهم .
ولم يقتصر هذا الارتباط على الجانب العسكري والإداري ، بل تحول إلى روابط اجتماعية وثقافية عميقة ؛ حيث حافظت العائلات التي استقرت هناك على أنسابها الشامية لقرون طويلة ، ونقلت معها أنظمة الري المبتكرة وتقنيات الفلاحة المشرقية التي حولت ملقة ( مالقة ) إلى جنة خضراء . ومن أبرز المعالم الإسلامية التي شُيدت في تلك الحقبة :
القصبة ( Alcazaba ) : الحصن الأندلسي العريق الذي بُني في القرن الحادي عشر الميلادي ، ويعد من أفضل القلاع المحفوظة في إسبانيا ، حيث تتربع على تلة وسط المدينة مطلةً على الميناء .
قلعة جبل الفارة ( Castillo de Gibralfaro / قلعة جبل المنارة ) : التي بُنيت في القرن العاشر الميلادي بأمر من الخليفة الأموي ( عبد الرحمن الثالث ) لتقع أعلى التل المطل على المدينة وتحمي القصبة وتدافع عن ثغورها .
الإرث الحديث والشخصيات البارزة :
في العصر الحديث ، أعاد الباحثون إحياء هذا الرابط التاريخي المنسي ، حيث أثبتت الدراسات أن الروح الأردنية ظلت حاضرة بقوة في ملقة ( مالقة ) حتى بعد سقوطها التاريخي بيد مملكة قشتالة عام ( 1487 م ) وتحول مساجدها تدريجياً إلى كنائس ( مثل كاتدرائية ملقة الشهيرة ) . ويتضح هذا الإرث جلياً في هندسة شبكات الري القديمة ، وفي المطبخ الملقي الذي لا يزال يحمل بصمات وتشابهات واضحة مع المطبخ الشامي التقليدي .
كما أنجبت ملقة ( مالقة ) عبر تاريخها قامات علمية وأدبية عالمية خلدت اسمها ، وفي مقدمتهم العالم الطبيب والنباتي الشهير ( ابن البيطار ) ، وصولاً إلى عصر النهضة الصناعية والاقتصادية في القرنين التاسع عشر والعشرين ، واشتهارها عالمياً كمسقط رأس الفنان العالمي ( بابلو بيكاسو ) .
إن لقب ( أردن الأندلس ) ليس مجرد استعارة شاعرية أو ترف أدبي ، بل هو وثيقة تاريخية دامغة تؤكد كيف استطاع الإنسان العربي أن يحمل وطنه في أعماق قلبه ليغرس أوتاده في أرض جديدة ، لتظل ملقة ( مالقة ) - التي تشرق شمسها اليوم على ملايين السياح من أصقاع الأرض - تحمل في ذاكرة التاريخ بصمة جند الأردن الذين رأوا فيها طبرياهم وجبالهم الخضراء ، فجعلوها أجمل ثغور الأندلس وأزهرها .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) الدكتور صلاح جرار : دراسة محكمة ومنشورة في صحيفة الرأي حول عنوان : مدينة مالقة هي أردن الأندلس .
2 ) صحيفة الدستور الأردنية : مقال وتوثيق تاريخي بعنوان : جبال وسواحل الأردنيين في مالقة الإسبانية - تاريخ الأندلس .
3 ) ابن الخطيب ، لسان الدين : الإحاطة في أخبار غرناطة ، مادة الحديث عن كورة رية وملقة .
4 ) الأنطاكي ، يحيى / والمؤرخون الأندلسيون : دراسات حول توطين الأجناد الشامية في الأندلس خلال العصر الأموي .
5 ) موسوعة ويكيبيديا وموقع إسلام ويب : مواد توثيقية وتاريخية حول تاريخ مدينة مالقة الأندلسية ومعالمها الأثرية ، القصبة وجيبرالفارو .
6 ) موقع مالقة الرسمي Malaga . com وموقع Spain . info السياحي : نبذة تاريخية عن الاستيطان البشري ، المعالم الأثرية ، وشخصيات ملقة البارزة كابن البيطار .
ربط المسلسلات بارتفاع الجريمة: حُجة أم مغالطة
ملقة ( مالقة ) الإسبانية : أردن الأندلس .. قصة الشام التي أزهرت في قلب إسبانيا
الرأي والرأي الآخر .. بين الاستهبال والتخوين
حين يصبح الإصلاح مكلفًا .. لماذا يُحارَب الناجح؟
الدلالات الإقليمية للاتفاقية الأردنية الأميركية
ندوة تناقش دور "السردية الثقافية الرسمية" في ترسيخ الهوية الوطنية
ليال أردنية على المسرح الشمالي ضمن فعاليات مهرجان جرش
للمرة الـ14 .. إسرائيل تمدد إغلاق مكتب الجزيرة بالقدس 90 يوما
الأردن ودول عربية وإسلامية تدين التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى
ترامب: لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي
مجلس النواب الأمريكي يقيّد صلاحيات ترامب العسكرية ضد إيران
افتتاح جناح السفارات بمشاركة 10 دول في مهرجان جرش بدورته الـ 40
الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة
جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها
فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء
حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن
البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي
بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية
الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن
بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني
تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء
السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل
وفاة الفنانة الأردنية فتحية الفاعوري
هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك
عادل إمام يتصدر الترند ما السبب .. صورة


