مجلس الأعيان بين دوران النخبة وتدوير الأسماء .. آن أوان تغيير النهج

مجلس الأعيان بين دوران النخبة وتدوير الأسماء ..  آن أوان تغيير النهج

06-09-2026 12:42 AM

في لحظات التحول الكبرى، لا يكفي أن تتغير التشريعات والخطط والشعارات؛ فالتحديث الحقيقي يبدأ عندما تتغير أيضًا فلسفة اختيار النخب التي تتولى مواقع المسؤولية وصناعة القرار. وإذا كان الأردن قد اختار، بإرادة سياسية واضحة، المضي في مشروع شامل للتحديث السياسي والاقتصادي والإداري، فإن من الطبيعي أن ينعكس هذا التحول على تشكيل مؤسسات الدولة ونخبها، وفي مقدمتها مجلس الأعيان.

فمجلس الأعيان ليس موقعًا بروتوكوليًا، ولا محطة أخيرة في مسيرة المسؤول، ولا مساحة للترضية أو التكريم أو إعادة توزيع المواقع. إنه أحد جناحي السلطة التشريعية، ومؤسسة دستورية يفترض أن تكون بيتًا للحكمة والخبرة والرأي الرصين، وأن تقدم للدولة قيمة مضافة في التشريع والسياسة العامة واستشراف المستقبل.

ومن هنا، فإن النقاش حول تشكيل مجلس الأعيان لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش حول أسماء بعينها؛ فالقضية أكبر من الأشخاص، وتتعلق بالنهج والمعايير وفلسفة بناء النخبة السياسية في دولة تريد أن تدخل مئويتها الثانية بأدوات جديدة.

المشكلة التي ينبغي أن نتوقف عندها هي استمرار ظاهرة تدوير النخب ذاتها بين المواقع العامة؛ وزير يغادر الوزارة ليذهب إلى مجلس، ومسؤول ينتقل من مؤسسة إلى أخرى، وشخصيات تبقى حاضرة في مواقع القرار لسنوات طويلة، بينما تقف خلفها أجيال جديدة من الأكاديميين والخبراء والاقتصاديين والقانونيين والشباب والنساء وأصحاب الخبرات المتخصصة تنتظر فرصة حقيقية للمشاركة في خدمة الدولة.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين تدوير الأسماء ودوران النخبة Elite Circulation، وهو أحد المفاهيم المعروفة في علم الاجتماع السياسي ونظريات النخبة.

فدوران النخبة لا يعني نقل الأشخاص أنفسهم من كرسي إلى آخر، وإنما يعني قدرة النظام السياسي والمؤسساتي على تجديد نخبته، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة للصعود والمشاركة والتأثير. المجتمعات الحيوية لا تغلق أبوابها أمام الخبرة المتراكمة، لكنها في الوقت نفسه لا تجعل الخبرة ذريعة لاحتكار المواقع العامة.

الدولة الحديثة تحتاج إلى التوازن بين الخبرة والتجديد؛ تستفيد من أصحاب التجارب الطويلة، لكنها تضخ في مؤسساتها باستمرار دماء جديدة وأفكارًا مختلفة وخبرات تتناسب مع طبيعة العصر.

فالعالم الذي نعيش فيه تغير بصورة جذرية. ملفات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه والتغير المناخي والأمن الغذائي والاستثمار والاقتصاد الرقمي والهجرة واللاجئين والتحولات الجيوسياسية لم تعد قضايا هامشية، وإنما أصبحت في صميم الأمن الوطني وصناعة السياسات العامة.

فهل يمكن التعامل مع تحديات القرن الحادي والعشرين بالأدوات والنخب ذاتها التي أدارت ملفات العقود الماضية؟

السؤال هنا ليس انتقاصًا من أحد، ولا إنكارًا لما قدمته شخصيات وطنية خدمت الدولة بإخلاص واقتدار، وإنما هو سؤال يتعلق بمنطق الدولة الحديثة واستدامة مؤسساتها. فالأوطان لا تعاني من نقص الرجال والنساء الأكفاء، وإنما قد تعاني أحيانًا من ضيق دوائر الاختيار.

لدينا في الأردن جامعات ومراكز بحث ومؤسسات اقتصادية ومهنية ومجتمع مدني وقطاعات تكنولوجية تزخر بكفاءات وطنية متميزة، بعضها يتمتع بحضور وخبرة دوليين. ومن حق الدولة أن تستفيد من هذا الرصيد البشري، ومن حق هذه الطاقات أن تجد أبواب المؤسسات الوطنية مفتوحة أمامها.

ومشروع التحديث السياسي تحديدًا يجعل هذا الأمر أكثر إلحاحًا. فلا يمكن أن ندعو الأحزاب إلى تجديد قياداتها، والشباب إلى المشاركة، والمرأة إلى التقدم، والمجتمع إلى الإيمان بالتغيير، ثم تظل بعض مواقع الدولة محكومة بمنطق الأسماء المألوفة والدائرة التقليدية نفسها.

الديمقراطية ليست انتخابات فقط، بل ثقافة وممارسة وتداول وفرص متكافئة للمشاركة. ومن أهم مؤشرات حيوية الأنظمة السياسية قدرتها على إنتاج نخب جديدة وإدماجها بصورة سلمية ومؤسسية في دوائر صنع القرار.

ولهذا فإن التشكيلات المقبلة لمجلس الأعيان يمكن أن تشكل فرصة مهمة لتقديم نموذج عملي لفلسفة التحديث السياسي: مجلس يجمع بين الحكمة والتجربة من جهة، والتجديد والتخصص والقدرة على قراءة المستقبل من جهة أخرى.

نريد مجلسًا يضم خبراء في الاقتصاد والتكنولوجيا والقانون والعلاقات الدولية والأمن الوطني والمياه والطاقة والبيئة والتعليم والصحة والإدارة العامة، إلى جانب الخبرات السياسية والوطنية المعروفة. ونريد تمثيلًا حقيقيًا للأجيال الجديدة وللكفاءات التي لم تأخذ فرصتها بعد، بعيدًا عن منطق المحاصصة أو العلاقات الشخصية أو الترضية الاجتماعية والسياسية.

ولا يعني ذلك إقصاء أصحاب الخبرة أو الدعوة إلى القطيعة مع الجيل السابق؛ فالتحديث الذي يلغي الذاكرة خطأ، كما أن المحافظة على الذاكرة من دون تجديد تتحول إلى جمود. المطلوب هو مزيج ذكي بين الخبرة المتراكمة والطاقة الجديدة.

إن ضخ دماء جديدة في مجلس الأعيان وغيره من مؤسسات الدولة سيبعث برسالة سياسية بالغة الأهمية مفادها أن التحديث ليس مجرد وثائق وتشريعات، وإنما نهج جديد في إدارة الدولة واختيار قياداتها.

وسيكون لذلك أثر مباشر في تعزيز ثقة المواطنين، ولا سيما الشباب، عندما يرون أن الكفاءة والإنجاز والتميز يمكن أن تفتح أبواب المسؤولية العامة، وأن الوصول إلى مواقع الدولة ليس حكرًا على دائرة محدودة من الأسماء التي تنتقل بينها المواقع والمناصب.

الأردن يمتلك مخزونًا بشريًا أكبر بكثير مما يظهر أحيانًا في قوائم التعيينات. ولدينا من الكفاءات الوطنية في الداخل والخارج ما يكفي لتجديد مؤسساتنا مرات عديدة.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس تغيير أسماء بأسماء فحسب، بل تغيير فلسفة الاختيار نفسها؛ من الترضية إلى الكفاءة، ومن المحاصصة إلى الجدارة، ومن تدوير المواقع إلى دوران النخبة، ومن البحث عن الاسم المألوف إلى البحث عن العقل القادر على تقديم الإضافة.

إذا أردنا تحديثًا سياسيًا حقيقيًا، فعلينا أن نمنح مفهوم دوران النخبة مكانه الطبيعي في مؤسساتنا. فالدولة التي تجدد نخبها تجدد أفكارها، والدولة التي توسع دائرة المشاركة تعزز شرعيتها وثقة مواطنيها، والدولة التي تمنح الفرصة للكفاءة الجديدة تبني مستقبلها بدل أن تكتفي بإدارة حاضرها.

لقد حان الوقت لكي تصبح القاعدة واضحة:

الخبرة مطلوبة، والاستمرارية مهمة، لكن تجديد الدماء ضرورة.

فالأردن الجديد الذي نتطلع إليه يحتاج إلى نخب جديدة تحمل خبرة الماضي، وتفهم تحديات الحاضر، وتمتلك شجاعة صناعة المستقبل.

نريد دورانًا للنخبة... لا تدويرًا للأسماء.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

رواتب ترتفع والديون تكبر .. لماذا لا يصل النمو إلى جيب الأردني؟

الحرب على غزة لم تتوقف من النكبة حتى اليوم

مجلس الأعيان بين دوران النخبة وتدوير الأسماء .. آن أوان تغيير النهج

تفاصيل طقس الأحد .. عودة الأجواء المعتدلة ونشاط تدريجي للرياح

قراءة في كتاب ملك وشعب (36)

جمعية عَون تبحث مع جامعة الزيتونة التعاون في حماية البيئة

رولا إبراهيم جميل العزارات في ذمة الله

الطفل أيوب .. نهاية مؤلمة بعد 4 أيام من محاولات إنقاذه في الجزائر

هذول مش إحنا .. عامر أبو عبيد عقب خسارة الحسين بخماسية

الجزيرة يكتسح الحسين إربد في انطلاق الدروي الأردني

إعلان نتائج المتقدمين لوظيفة أمين عام وزارة التربية للتخطيط .. رابط

الاتحاد الأوروبي يدين الاعتداءات الإيرانية على الأردن

المنتخب الوطني للسيدات يخسر أمام نظيره اللبناني ببطولة غرب آسيا

الترخيص المتنقل في الأزرق والرصيفة .. أوقات وتفاصيل

السلط يفوز على العربي بثلاثة أهداف في افتتاح مشواره بالدوري

لتجنب إشارة التسفير .. تحذير مهم للعمالة غير الأردنية

العثور على جثة مواطن داخل مركبته مقتولا بالرصاص جنوب اربد

من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟

تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده

مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند

تعيين رؤساء مجالس أمناء الجامعات الحكومية .. أسماء

جامعة تُلزم العاملين بدفع رسوم رغمًا عنهم

بسبب وجود تهديد .. رسائل تحذيرية على هواتف مواطنين بالأردن

تفاصيل جديدة حول حادث سيناء المروع الذي قضى به 10 أردنيين .. صور

توضيح من الملكية بشأن حركة الطيران ومواعيد الرحلات

بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟

من 33 نهاراً إلى 17 ليلاً .. تغير ملموس على أجواء الأردن

الجيش يُسقط 8 صواريخ اخترقت أجواء الأردن

مؤثر أردني يثير موجة من الغضب .. ماذا فعل وكيف اعتذر عن خطئه

بطريقة رومانسية .. خطوبة النجمين الأردنيين النجار والعوضي تتصدر