سباق الانتخابات الفرنسية: الحجاب في مواجهة اليمين المتطرف

سباق الانتخابات الفرنسية: الحجاب في مواجهة اليمين المتطرف
فتيات محجبات

10-09-2026 01:01 PM

السوسنة - لم يبدأ الجدل بشأن ارتداء الحجاب في فرنسا مع القوانين التي صدرت خلال الألفية الجديدة، بل تعود جذوره إلى خريف عام 1989، عندما رفضت ثلاث طالبات مسلمات خلع حجابهن داخل مدرسة بمدينة كريل شمالي باريس، في واقعة تحولت لاحقا إلى نقطة انطلاق لنقاش سياسي ومجتمعي وقانوني ممتد بشأن حضور الرموز الدينية، ولا سيما الإسلامية، في الفضاء العام الفرنسي.

ومع مرور أكثر من ثلاثة عقود على حادثة كريل، لم يعد الجدل محصوراً في أروقة المدارس الحكومية، بل انتقل إلى ساحات التعليم العالي؛ حيث تتصاعد الضغوط السياسية والدعوات من تيارات المحافظين واليمين لتوسيع نطاق الحظر القانوني ليشمل الطالبات المسلمات في الجامعات الفرنسية، وسط تحذيرات حقوقية وأكاديمية من المساس بالحريات الفردية داخل الحرم الجامعي.

ويرى المحرر والكاتب الفرنسي توماس ديلتومب، الذي بحث في تناول الإعلام الفرنسي للإسلام، أن ما عُرف بـ"حادثة كريل" فتح الباب أمام جدل استمر عقودا بشأن ارتداء المسلمين الرموز الدينية في الأماكن العامة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1989، طُردت ثلاث طالبات من مدرسة "غابرييل-هافيز" الإعدادية في كريل، بعدما رفضن خلع الحجاب داخل الصف.

وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، أصدر مجلس الدولة الفرنسي قرارا اعتبر فيه أن ارتداء الطلاب رموزا تدل على انتمائهم الديني لا يتعارض بحد ذاته مع مبدأ العلمانية.

لكن الجدل لم يتوقف، وفي 15 مارس/آذار 2004، أقرت فرنسا قانونا يحظر في المدارس الحكومية ارتداء الرموز أو الملابس التي تُظهر بشكل واضح الانتماء الديني، وهو تشريع طال الحجاب الإسلامي بصورة خاصة في النقاش العام، رغم أن نصه لم يذكر الإسلام أو الحجاب بالاسم.

ودخل القانون حيز التنفيذ مع بداية العام الدراسي 2004-2005.

وفي 2010، توسع نطاق القيود بإقرار قانون يحظر إخفاء الوجه في الأماكن العامة، مع فرض غرامة تصل إلى 150 يورو على المخالفين.

وامتد الجدل لاحقا إلى أمهات محجبات يرافقن أبناءهن في الرحلات المدرسية، قبل أن يتدخل مجلس الدولة عام 2013 لصالح حقهن في ارتداء الحجاب.

وفي 2024، بالتزامن مع استضافة فرنسا دورة الألعاب الأولمبية، منعت السلطات الرياضية الفرنسية أفراد بعثتها من ارتداء الحجاب أثناء المنافسات.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود على "حادثة كريل"، عاد الملف إلى الواجهة مع مقترحات من اليمين المتطرف لتوسيع نطاق حظر الحجاب ليشمل الفضاء العام بأكمله.

وأعلن مسؤولون في حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف أنهم سيفرضون، في حال فوزهم بالانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، حظرا على ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، مع فرض غرامات على المخالفين، مشيرين إلى اعتزامهم طرح المسألة عبر استفتاء.

كما قال برونو ريتايو، مرشح حزب الجمهوريين (يمين الوسط) في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، إنه سيحظر ارتداء الحجاب في الجامعات حال فوزه بالانتخابات.

الإعلام الفرنسي والهوية الإسلامية

وبحسب ديلتومب، فإن جذور التحول في النظرة إلى المسلمين تعود إلى الطريقة التي بدأ بها الإعلام الفرنسي تناول الإسلام منذ سبعينيات القرن الماضي.

وفي كتابه "الإسلام المتخيل: البناء الإعلامي للإسلاموفوبيا في فرنسا 1975-2005"، الصادر عام 2005، درس ديلتومب طريقة تناول الإعلام الفرنسي للإسلام خلال تلك الفترة.

وأوضح ديلتومب أن الإسلام لم يكن يحظى باهتمام كبير في الإعلام الفرنسي حتى سبعينيات القرن الماضي، عقب استقلال الجزائر عام 1962.

وقال إن الاهتمام بدأ يتزايد مع الحديث عن العمال الأجانب القادمين إلى فرنسا، وبينهم أشخاص من دول ذات أغلبية مسلمة، إذ ركزت وسائل الإعلام على ثقافاتهم وأنماط حياتهم، وأجرت مقابلات بشأن الإسلام في البلاد.

لكن ديلتومب يرى أن ثمانينيات القرن الماضي شهدت "تحولا جذريا" شكّل بداية لمشكلة لا تزال قائمة حتى اليوم.

وقال: "في ثمانينيات القرن الماضي، أصبح الإعلام الفرنسي يهتم بالهوية الإسلامية للمسلمين أكثر من أي هوية أخرى، وأنا أسمي ذلك إسلامنة النظرة إليهم".

وأضاف أن صحفيين ومديري وسائل إعلام وسياسيين بدأوا خلال تلك المرحلة اختزال المسلمين في "هويتهم الإسلامية" وحدها.

ثلاث طالبات يشعلن جدلا وطنيا

وأشار ديلتومب إلى تزايد المقابلات التلفزيونية المتعلقة بارتداء الحجاب في تلك الفترة، معتبرا أن قضية الكاتب سلمان رشدي وكتابه "آيات شيطانية"، وما أثارته من جدل واسع، ثم ما عُرف في فرنسا بقضية "الشادور" الإيراني، أسهما في جعل غطاء الرأس قضية إعلامية وسياسية بارزة.

وقال إن وسائل الإعلام، ولا سيما التلفزيون، بدأت بعد ذلك بأشهر بث تقارير ومقابلات على مدى أسابيع بشأن ما سمته "قضية الشادور" و"قضية الحجاب".

وأوضح أن الاهتمام الإعلامي تركز في أكتوبر/تشرين الأول 1989 على الطالبات الثلاث في مدرسة "غابرييل-هافيز" بمدينة كريل، لتصبح الواقعة لاحقا معروفة باسم "حادثة كريل".

وقال ديلتومب إن القضية تحولت إلى "مسألة وطنية ونقاش وطني استمر أشهرًا"، وفتحت الطريق أمام جدل استمر عقودا بشأن ارتداء الرموز الدينية الإسلامية في الفضاء العام الفرنسي.

ويربط ديلتومب هذا التحول بتغيرات شهدتها فرنسا آنذاك على الصعيدين الإعلامي والسياسي، مشيرا إلى ظهور قنوات تلفزيونية خاصة واشتداد المنافسة بينها، ما دفع بعضها إلى البحث عن موضوعات مثيرة للجدل.

وتزامن ذلك، بحسب ديلتومب، مع صعود اليمين المتطرف وقبول سياسيين فرنسيين فتح نقاش بشأن الهوية الفرنسية.

كما تصاعد حضور العلمانية في النقاش العام، وقال ديلتومب إن عددا من المسؤولين الاشتراكيين قدموا ارتداء الحجاب على أنه يتعارض معها.

وأضاف: "باختصار، كان الرأي السائد لدى اليسار واليمين هو أن ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية يتعارض مع العلمانية".

لكن ديلتومب أكد أن القوانين الفرنسية النافذة في ثمانينيات القرن الماضي لم تكن تعتبر الحجاب بحد ذاته مخالفا للعلمانية، وأن قرار مجلس الدولة عام 1989 أكد أن ارتداء الرموز الدينية لا يشكل في حد ذاته انتهاكا لهذا المبدأ.

وأوضح أن القرار لم يلق قبولا لدى بعض السياسيين من اليسار واليمين، وأن محاولات بدأت لاحقا للالتفاف عليه.

وأشار إلى أن وزير التعليم آنذاك فرانسوا بايرو أصدر عام 1994 تعميما بشأن الرموز الدينية في المدارس الحكومية.

وقال ديلتومب إن التعميم لم يذكر كلمتي "مسلم" أو "حجاب" بشكل مباشر، لكنه رأى أن الرسالة كانت واضحة، مضيفا: "كان الهدف هو حظر الحجاب في مؤسسات التعليم العام في فرنسا".

قانون 2004.. نقطة تحول

ويرى ديلتومب أن المحاولات الرامية إلى الالتفاف على قرار مجلس الدولة الصادر عام 1989 لم تحقق النتيجة المرجوة، إلى أن صدر قانون 15 مارس/آذار 2004 الذي حظر الرموز الدينية الظاهرة في المدارس الحكومية.

وقال: "كان هذا انتصارا كاملا للمحافظين المعادين للمسلمين؛ فقد نجحوا في حظر الحجاب، وكذلك في وصم الشابات اللواتي يرتدينه".

وأضاف أن أحداثا مختلفة في العالم، لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بالإسلام، استُخدمت، بحسب رأيه، في النقاشات العامة لوصم المسلمين، ولا سيما من جانب أشخاص يتبنون أيديولوجيات عنصرية.

وأشار ديلتومب إلى أن قرار مجلس الدولة عام 1989 كان يميز بين اللباس والسلوك، إذ أتاح إمكانية اتخاذ إجراءات بحق الطالب بسبب سلوكه، لا لمجرد ارتدائه لباسا دينيا.

وختم بالقول إن قانون عام 2004 غيّر هذا الوضع، وبالتالي "غيّر إلى حد ما طبيعة العلمانية" في فرنسا.

الاناضول 



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نقيب الصحفيين يؤكد أهمية حظر النشر في قضية الكرك

النائب الصقور يرد على جدل رئاسة المجلس: لا أحتاج شهادة تمثيل من أحد

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

العرموطي رئيسًا لكتلة الأمة بالتزكية

فيديو .. الملكة رانيا تقدم واجب العزاء لذوي شهداء اعتداء الكرك

نتنياهو يتوعد إيران بضربات تفوق التوقعات .. ماذا قال ترامب

سميرة سعيد تهدي نجلها "وليدي" في حفل زفافه وتستعد لطرح ألبوم جديد

الكويت تحدد 125 مسجدا لإقامة صلاة الاستسقاء صباح السبت المقبل

رام الله: اقتحامات إسرائيلية لقرى وتجريف واسع لأراضي الزيتون

نقابة المحامين تعلن التوقف عن الترافع ساعتين تضامناً مع شهداء الكرك

"الأغبى في التاريخ" .. ترامب يجدد هجومه على أوباما

ما هو خط "سوفا 53"؟ .. تفاصيل التوغل الإسرائيلي المستمر في القنيطرة

رغم اهتزاز شباكه بـ 8 أهداف .. هل يكرر لونين تفوقه التاريخي على برشلونة؟

ملك البحرين يبحث العلاقات الثنائية مع وزير الخارجية السوري في المنامة

ولي العهد من الكرك: الأردن سيبقى صامدا والوحدة الوطنية حصننا المنيع

متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟

17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟

قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل

تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل

تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس

قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب

زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.

الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا

الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة

خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة

قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

تقاعدات وترفيعات وإنهاء خدمات في التربية .. التفاصيل والأسماء