بيتنا ...بيت القناطر


الكاتب : عبدالله علي العسولي

 من التراث الحلقة الثالثة والعشرون

 
إنهدمت قناطر الدار وطاح على الارض ترابها..ما عاد ينفع طينها المخلوط بتبن قمحها ..خشب سقفها الاسود انكّسر وطيون سقفها مخلّط بترابها ..ما عاد ينفع مفتاح بابها الكبير صرنا نفوت نفشق عن حيطانها المهدمة اجزائها ..هون نامت امي وهون كنت انام انا واخواني ..هاي جرة الزيت اللي فيها ابوي كان يخزنّ المونه ..وهون كوارة القمح اللي ما فضيت يوم بعمرها ..وهون مطوى فراشنا اللي كنا نطوى فيه غطانا لما امي تكون مريضه ..هاظ كانون الجمر اللي كان يدفّي البيت واللي كانت تغلى عليه القهوة الساده بسخانها الاصفر وابريق الشاي المرسوم عليه شحبار نار الموقدة اللي كانت تهربج فيه نار الحطب لما تلزب الدنيا وهون بالموقده كان ابوي يخبز قرصة خبز القمح لما تلزب الدنيا وما حدا يقدر يطلع برّيت البيت من كثر الشتا ..كان يعجنها ويدمل عجينها تحت جمرها وسكنها ..وهاي مخبزة الميه اللي عليها كوز الالمنيوم اللي اشتراه ابوي قبل سنوات ..كوز كبير يروي الحراث اذا طلب ميه يشرب.
 
وببيتنا المهدود بقايا العقده اللي كنا نطلع عليها ونفرشها للنوم لما يجينا ضيف سهرته طويله ...وشبابيك العقده الطويله نقف عليها لما تزخ الدنيا نتفرج على مزراب البيت كيف يرشم مرّاق الطريق اللي مش منتبه للمزراب.. ونضحك لما المزراب يصيد مراقين الطريق ونضحك اكثر لمّا ينهزموا من تحته.
 
كنا طفال نلبس جزمة العصفور الجديدة اللي اشترالنا اياها ابوي ونطلع برّا والدنيا ملزبه ونفرك الارض بجزمتنا الجديده ونشوف كيف الميه بتغمر الجزمه وما بتفوت فيها الميه ’ونرجع نفرك ادينا البارده من السقعة وننفخ بأدينا مشان ندفيها ...بباب دارنا كان حِمل الحطب مركون عجنب الحيط مشان وقت ما تِصحي الدنيا يشقّف والدي بالفاروعه القرامي الكبيره مشان يسهل توليعها .
 
ببيتنا... بيت الطين كانت الدخنه تعبّي البيت وتعقّمه من كل الحشرات والقوارض وتنظف عيون اللي فيه وتدمع عيون الحاضرين مش دمع حزن ..بل دمع سهرة فرح ومحبه وتعليلة حبايب .
 
ببيت الطين ---  فانوس الكاز كانت تصير سودا بنورته لمّا تشلعبْ ويخفتْ ضّوه ونفّكْ البنوره وتمسحها أمي مشان ضّو الفانوس يعلىْ .
 
ببيتنا ...كان جاجاتنا متهرجمات على بعض ومدفيات بعض وصوت الديك الخافت يخّبْر الجاجات بالبرد والعتمه والسكون. ...حصانّا المربوط بقاع البيت... يطيحْ ابوي ويعلفه ويحطّله حقيبتين تبن ويوجّههنْ بثمنية شعير فيبدأ الحصان بتحريك ذيله يمنة ويسرة ابتهاجا بقدوم والدي اليه الذي تربطهما صداقة قوية ومحبة والفة .
 
اما هرة الدار فتجول فيه وتجدها تتفقد الساكنين وكأنها تبحث عن شيئ فتدخل في عبائة هذا وفي فراش ذاك وتتلامع عيونها وهي تجلس امام قبةّ النار بفرحة وسكينة .
 
نسهر ليلتنا ونخلد في نوم هانئ في بيت دافئ بأنفاس أهله وببقايا نار سكنت جمارها وغُلّفت بسكن جمرها ونصحو على يومنا الجديد وعلى بركة الزلابيا ورائحتها الزكية وقد جهزها والدي مع إبريق شاي تتلامع كاسته ونحن ننظر اليه من تحت لحاف نومنا فتنفتح شهيتنا ونهرع الى أكلةٍ طيبة بعد ليلة شتاءِ طويلة .
 
يا بيتنا المفقود ويا اهلنا الغائبين الحاضرين... الا ليت الزمان يرجع .
 
رحمكم الله واسكنكم جنانه فأنتم بركتنا وانتم عنوان الخير والبركة والرضوان.