استقالة بتوقيت غرينتش

استقالة بتوقيت غرينتش

04-12-2021 10:10 PM

 في دولة بحجم مصر تعلَن استقالة وزير في نبأ صغير على الصفحة الأولى، أو الثانية. في فرنسا تعلَن في زاوية الاجتماعيات، إلا إذا كان وزير الخارجية أو الدفاع. في لبنان وُضع البلد في حالة تأهب قبل يومين، لأن وزير الإعلام جورج قرداحي سوف يعلن استقالته في الساعة الواحدة بعد الظهر، بالتوقيت العالمي.

شاهدت في لندن مسرحية للكوميدي بيتر كوك عن رجل يزعم أن غداً في الواحدة يبدأ يوم القيامة، ويجلس مع رفاقه في انتظار الساعة. ولما حلّت الواحدة ولم تهتز الأرض، ولم تخطئ حافلات لندن في مواعيدها، سُئل صاحبنا: ماذا يحدث؟ فقال: انتظروا توقيت غرينتش!
 
ليس من حدثٍ محليٍّ في لبنان. الحكومة تستقيل بسبب الصراع الأميركي - الإيراني، وتتألف بسبب التوافق الإيراني - الفرنسي. وجورج قرداحي يستقيل بالتماس من فرنسا. ورئيس الجمهورية يلين برجاء من روسيا. والحكومة لا تجتمع إلا بانفراج في المحادثات النووية في فيينا. والتواضع يرفع مشنقته لأنه لم يعد قادراً على التحمل.
هذا التواضع ليس جديداً. مرض عضوي وراثي في الجينات لا شفاء فيه. والمصيبة أن هذا صحيح. وأن «هالكمّ ارزة العاجقين الكون» لا يكفّون عن ذلك. ولذلك، بايدن لا ينام. وماكرون مُضرب عن الطعام. بئست الدول الواقعة على مفترقات الأمم ومفارق الشعوب لا أحد يدعها تنام. دول بلا إرادة وبلا هدف وضميرها صدئ.
وكل لبناني يريد منصباً. ومرجعاً وسنداً. وجورج قرداحي سنده بشار الأسد وماكرون. ولا يستقيل إلا من أجلهما. و«تظن أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر». وفي أيام جُعل وزيراً، ثم بطلاً، ثم رمزاً لشرق أوسط جديد، لا أحد يعرف توقيت قيامته. لبنان أزمة لا دولة. ومجموعة دول لا مجموعة بشر. لا توحّده شعوب، ولا أديان، ولا لغات، ولا أرض. وبعد ثمانين عاماً من الاستقلال يجد أن أهم حدث يمكن أن يعرفه هو ما إذا كان جورج قرداحي، صاحب الحزازير المسليّة، سوف يستقيل أو لا يستقيل. إنها الحزّورة الكبرى، لكنها خالية في الوقت نفسه من رتابة الدعابات المتكررة والاستعانات بالأصدقاء في دمشق وبيروت وسائر البلدان التي توزّع الجوائز، المعنوية وغيرها.
قامت الدنيا ولم يقعد الوزير الجديد، الذي حاول إرضاء الجميع دفعة واحدة. لكن ليس في السياسة جوائز تدوم. فما هو مكافأة هنا، عقاب هناك. وبسبّب هذه الحالة المتصادمة والمتعادية أبداً، لا يدوم في لبنان إلا الخلاف، ولا يستديم إلا الصراع.
كان جورج قرداحي يعتقد أن العمل السياسي شغلة بسيطة وخلافات صغيرة يمكن حلها سريعاُ بمجرد الاستعانة بصديق، أو مجموعة أصدقاء. لكنه وجد نفسه في بلد الأزمات الولاّدة. وهو الآن في مأزق غير مريح على الإطلاق. فالبقاء حيث هو مشكلة، والخروج خسارة. وكلما خُيّل إليه أن مهارته تمكّنه من ضبط الساعة، تبين له أن لبنان يعيش بجميع المواقيت والساعات، وينام وفقاً لغرينتش، ويفيق على التوقيت الصيفي السريع الزوال.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث

ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال

حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم

إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو

جريمة قتل تهز الكرك .. والأمن يكشف التفاصيل

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

من توقيفه بسبب الدرون إلى دعوة رسمية .. قصة جو حطاب في الأردن .. فيديو

من هو الداعية إبراهيم السعودي الذي أحزن رحيله الأردنيين؟

بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

القوات المسلحة تنعى شهداء الواجب وتوضح تفاصيل الحادث الأليم

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

بعد شكاوى مستهلكين أردنيين .. السفارة الصينية تتدخل لحل أزمة طراز من المركبات