مسنّون يبيعون مقتنياتهم!!

mainThumb

09-08-2022 11:28 PM

السوسنة ـ خمس سمكات بلا رؤوس، ملفوفة بقماش برتقالي، مبللة بمياه تبخر جزء منها جراء أشعة الشمس الحارقة. أحذية قديمة. ثلاثة صحون زجاجية بيضاء. جاكيت رجالي رمادي اللون.. كلها بضائع تتناثر على حصيرة زهرية، يحرسها السبعيني أبو محمد (اسم مستعار) الجالس على الحصيرة ذاتها، كأنه جزء منها، وهو يمسح بيده المجعدة الجافة عرقه المتساقط من جبينه قبل أن يصل ذقنه.

من الصعب الربط بين هذه البضائع المختلفة، أسماك وأحذية وأدوات منزلية، وكأننا أمام لوحة سوريالية، لكنها بالنسبة لأبومحمد، ثروة، فهو ينتظر يوم الجمعة بفارغ الصبر ليبيع مثل هذه التشكيلة من البضائع، وهو متربع على طرف حصيرته، يتجاذب الأحاديث مع المارة، فقد يلفت نظر أحدهم الى “كنوزه”، لكنه أحيانا يركن للصمت، ويسقط في حال إحباط تغنيه عن الكلام.

المشهد لبعض رواد سوق الجمعة في وسط البلد سقف السيل في عمان القديمة ليس غريبا، فقد اعتادوا مثله، وشاهدوا مقتنيات أشخاص من كبار السن تفرد على الحصر والاقمشة على هذا النحو الغرائبي، لتباع بأسعار زهيدة، كما يبيعون ما حصلوه من مواد تموينية جاد عليهم بها محسنون، كطرود الخير، مؤثرين عدم تناول ما فيها لسد جوعهم، او ارتداء ما تحتويه من ملابس، وبيعه، لتغطية مستلزماتهم.


حين ترصد المشهد عن كثب، وتقترب أكثر وأكثر من بسطة أبو محمد، وتستمع لحديثه مع بعض المارة، ستجدها ليست بعيدة عن هواجس الاقتصاديين والسياسيين حول كيفية مواجهة “وحش غلاء الأسعار” وهو ينهب جيوب المواطنين المثقوبة، بيد أن كل فريق يعبر عنها بلغته الخاصة.


ثمة قواسم مشتركة بين أصحاب بسطات المسنين الذين ينفضهم غبار الفقر بمزيد من الغبار والإحباط وهم في هذه الاعمار. فلكل منهم بسطته؛ أكانت طاولة أو “طبلية” خشب، أو حصيرة بلاستيكية، أو قطعة قماش، واحيانا تجد سيدة ترتدي عباءة سوداء، تجلس على حجر وأمامها بضائعها السوريالية، فيما يتقافز في رؤوسهم وأرواحهم أمل مشحون بتساؤل مرير: متى ستنتهي فصول الشقاء؟


ما يرفع من حدة قهر هذه الشريحة الغائبة عن أجندة المعنيين، وتحت وطأة فشل السياسات الحكومية بإنعاش الاقتصاد، وتعزيز حماية الفقراء، يعرض هؤلاء في ظل توحش الاسعار، بضائعهم بأسعار بخسة، أمام تفاوض المتسوقين والمارة الذين قد يرغبون بشرائها، دون اعتبار أن هذه البضائع بأسعارها التي يعرضها أولئك، لن تحقق جني ثروة، وفقط، قد تقيهم التشرد لفترة، او الحصول على وجبة طعام ليوم، فالمسن الذي يبيع كيس حليب مجفف، أو معلبات قارب تاريخ صلاحيتها على الانتهاء، بالتأكيد لا يبحث عن الثراء.

وبرغم ذلك، تجد من يتعاطف معهم، ويشتري بضاعتهم، من باب مساعدتهم، ومنحهم الأمل، بأن الحياة يمكن احتمالها.

وكلما غصت بين زقاق سوق الجمعة، تكتشف مشاركة واضحة لمسنات يسهمن بدعم عجلة “اقتصاد الظل” او “الاقتصاد الخفي” دون أن يدركن معاني تلك المفردات المعقدة التي أطلقها مراقبون للشأن العمالي، أو حتى معرفة أن الحكومة أسقطت من حساباتها حمايتهن بما يليق بالبشر، وتنفيذ استراتيجياتها الوطنية لحماية كبار السن من أنياب غول الفقر.


أما الحياة اللائقة لكبار السن التي تتحدث عنها الاستراتيجيات الوطنية، فهي منبثقة من مواثيق وعهود الامم المتحدة، كالاعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهدين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما فيها من تفصيلات حقوقية تخص فئات عديدة ومنها كبار السن، وقد أعادت خطة العمل الدولية للشيخوخة التي اعتمدتها الجمعية العالمية للشيخوخة، التأكيد على الحكومات ما أمكن، الالتزام بمجموعة مبادئ تتعلق بتحقيق الذات، وضرورة تمكين هذه الشريرحة من التماس فرص تنموية تحقق لهم حياة كريمة.

حال البائعات المسنات كحال المسنين هنا في سوق الجمعة الذي يحتل جزءا من منطقة سقف السيل، إذ ينصب تفكيرهن، على بيع محصولهن من الملوخية والفرفحينا والبقدونس والنعنع، إذ تأتي بعضهن من مناطق بعيدة عن العاصمة عمان، لبيع الجبنة البيضاء والبيض البلدي والورقيات، لتأمين قوت أسرهن، فالعوز والفقر لم يمكنهن من العيش في بيوتهن مع أسرهن على نحو سوي، ليزج بهن في دروب البيع والشراء في نطاق غير سوي أيضا وتحت ظرف قاهر.


لم تختلف بسطة أبو محمد كثيرا عن السبعيني أبو مصطفى الذي ينسل كل جمعة الى سقف السيل، فيفرش “شادرا” بلاستيكيا، ويعتلي البسطة كيس حليب مجفف وعلب فاصولياء بيضاء وفول، وثلاثة أكياس مفتول بلدي ومجمدات نباتية كالجزر والبازيلاء، وأحذية أطفال مهترئة.. فبسطته عينة أخرى، يحتاج فنان سوريالي لرسم محتوياتها المتناقضة.


بعفوية الأطفال، قدم أبو مصطفى أسعاره التفضيلية لـ”الغد” بقوله “خذي 4 علب بدينار والرزق على الله وليس على العباد، خذيهم كلهم والحليب سعره في الدكان بدينارين راح أبيعه إلك بدينار ونص”.

أما أغلى سعر على رأس قائمة أسعاره فكانت مادة الزعتر البلدي، فالكيلوغرام يصل إلى 4 دنانير. لم تفلح محاولات المارة بتخفيض سعره دينارا واحدا ليصل الى 3 دنانير، فالزعتر الممزوج بحبات السمسم والسماق الأحمر”لا يساوم على ثمنه أحد”، كما يقول.


لن تنتهي فصول حكايات كبار السن الذين يواصلون الالتقاء ليوم واحد في عطلة نهاية الأسبوع في سوق الجمعة بسقف السيل، لعرض بضائعهم في تشكيلات غرائبية، دون ان يكون للحكومة اي انتباهة لأوجاعهم، وكان هذه الغرائبية شكل من أشكال الاحتجاج الصامت على قتامة حياتهم وسوداويتها التي أضفى عليها الإهمال الرسمي والغلاء والتهميش لهذه الشريحة هما سيظل معلقا كإدانة لنا.

الغد