من لويس الرابع عشر إلى ترامب: عودة الحاكم المطلق

من لويس الرابع عشر إلى ترامب: عودة الحاكم المطلق
دونالد ترامب

25-01-2026 12:29 AM

في تصريحات دونالد ترامب الاخيرة، نرى مشهدا سياسيا يتجاوز حدود الاستفزاز اللفظي إلى إعادة صياغة فوضوية لمفهوم السلطة في النظام الدولي. لا نعتقد أننا أمام رئيس دولة كبرى يتصرف وفق أعراف القيادة العالمية، بل أمام شخصية سياسية ترى نفسها مركز الكون، وتتصرف كما لو أنها تقول صراحة: أنا العالم والعالم أنا.

لا بد هنا من استدعاء العبارة الشهيرة «أنا الدولة والدولة أنا»، تلك العبارة الرنانة التي اختلف المؤرخون حول نسبتها الحرفية إلى لويس الرابع عشر، لكنهم لم يختلفوا يوما على دلالتها. واليوم، نستنتج أن هذه العبارة تعود للحياة بصيغة أكثر اتساعا وخطورة، لا في ملكية مطلقة تقليدية، بل في جمهورية عريقة كالولايات المتحدة، حيث يهدم ترامب التقاليد السياسية والدستورية دفعة واحدة، ويتصرف وكأن الدولة الأمريكية لم تعد سوى امتداد لإرادته الشخصية.

نرى بوضوح أن ترامب لا يكتفي بتحدي خصومه، بل يهاجم علنا حلفاءه، ويقلل من شأن قادة دول كبرى، ويضع نفسه في موقع الحكم الأعلى الذي يجب على الجميع الانصياع له. الهجوم الساخر والمهين على الرئيس الفرنسي لم يكن مجرد زلة لسان أو انفعال عابر، بل كان إعلانا رمزيا عن اختلال موازين الاحترام المتبادل بين الدول، وصادما لأنه صدر عن رئيس يفترض أنه يمثل قمة النظام الدولي لا قاعه.

نؤكد أن هذا السلوك لا يمكن فصله عن رؤية ترامب للعالم، رؤية تقوم على احتقار القانون الدولي، والاستخفاف بنظام الأمم المتحدة، وتحويل العلاقات الدولية إلى صفقات تجارية خاضعة لمزاج رجل واحد. حين يعلن انسحاب واشنطن من عشرات الهيئات الدولية، وحين يقرر أن معيار الشرعية هو أخلاقه الشخصية، فإننا لا نكون أمام سياسة خارجية، بل أمام نزعة استحواذ شخصي على مصائر العالم.

نستنتج أيضا أن فكرة ما يسميه ترامب «مجلس السلام العالمي» ليست سوى ذروة هذا المنطق. مجلس يصنعه على مقاسه، يختار أعضاءه، يحتفظ بحق الفيتو وحده، ويحول السلام إلى اشتراك مالي، والشرعية إلى بطاقة عضوية. هنا لا بد أن نقول إننا لا نواجه عبثا سياسيا فحسب، بل محاولة لتفكيك النظام الدولي واستبداله بنظام فردي قائم على القوة والابتزاز.

نرى أن أخطر ما في هذا المشهد ليس السخرية ولا العقوبات الجمركية ولا التهديدات المتلاحقة، بل ما تسببه هذه السياسات من فوضى غير تقليدية في العلاقات الدولية. فالدول، أمام هذا السلوك العدواني، لا تجد أمامها سوى البحث عن بدائل، وهو ما يفسر ميل كندا ودول أوروبية وأمريكية لاتينية نحو الصين، التي تقدم نفسها اليوم بوصفها شريكا يحترم قواعد التجارة الدولية، ويجيد اللعب داخل النظام بدل تمزيقه.

لا بد أن نؤكد أن ترامب، وهو يلوح بفائض القوة الأمريكية، قد يكون في الواقع يبدد ما تبقى من رصيدها الاستراتيجي. فالحلفاء الذين يدفعهم اليوم إلى الزاوية، هم أنفسهم من صنعوا مع واشنطن نفوذها العالمي لعقود. ومع كل خطوة تهديد، ومع كل إهانة علنية، تتآكل هذه المكانة، ويزداد الفراغ الذي تملؤه قوى أخرى بهدوء وثبات.

نستنتج كذلك أن وهم القدرة المطلقة، سواء في محو دول أو إسقاط أنظمة أو فرض خرائط جديدة بالقوة، لم يعد مقنعا حتى لحلفاء ترامب. التجارب القريبة أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع نصرا سياسيا، وأن العالم لم يعد قابلا للإدارة من مكتب واحد، مهما كان صاحبه واثقا من نفسه.

في المحصلة، نرى أن ترامب لا يتصرف كرئيس دولة، بل كمنصّب نفسه رئيسا لمجلس إدارة العالم، يرفع ويخفض، يعاقب ويكافئ، ويعتقد أن الجميع أصغر من حجمه. لكننا نعتقد أيضا أن هذا السلوك، بدل أن يعيد تشكيل العالم وفق رغباته، يسرع في تفكك النظام الذي سمح للولايات المتحدة أصلا بأن تكون قوة عظمى.

وهنا لا بد أن نسأل: هل يدرك ترامب أنه وهو يقول أنا العالم والعالم أنا، قد يكون في الحقيقة يفتح الباب لعالم لا تكون فيه أمريكا هي المركز، ولا هو اللاعب الاوحد؟ الزمن وحده سيجيب، لكن المؤشرات تقول إن الفوضى التي يصنعها اليوم قد تكون بداية نهاية عصر، لا بداية هيمنة جديدة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد