صمت واشنطن… حين يتحوّل التواطؤ إلى شراكة في الجريمة

صمت واشنطن… حين يتحوّل التواطؤ إلى شراكة في الجريمة
الحلم الصهيوني من الفرات الى النيل

22-02-2026 06:12 PM

لا معنى سياسيًا ولا أخلاقيًا ولا قانونيًا لصمت واشنطن أمام التصريحات العنصرية والتوسعية الصادرة عن سفيرها لدى الكيان الصهيوني. فالصمت هنا ليس حيادًا، ولا يمكن تفسيره كزلة دبلوماسية عابرة، بل هو موقف ضمني يرقى إلى مستوى التواطؤ، ويمنح غطاءً سياسيًا وأيديولوجيًا لمشروع استعماري قائم على العدوان واغتصاب الأرض وإنكار الآخر.

إن الحديث العلني عن “حق ديني” مزعوم يبيح للكيان الصهيوني السيطرة على المنطقة الممتدة من النيل إلى الفرات، لا يخرج عن كونه إعادة إنتاج فجّة لجوهر المشروع الصهيوني: مشروع توسعي عنصري، قام على التهجير القسري، والمجازر، والاستيطان، وما يزال يمارس الإرهاب المنظم بحق الشعب الفلسطيني، في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني.

الخطورة لا تكمن فقط في مضمون هذه التصريحات، بل في صدورها عن ممثل رسمي لدولة تدّعي رعاية النظام الدولي، وتزعم الدفاع عن القيم وحقوق الإنسان. حين يبرَّر الاحتلال بخطاب ديني مسيّس، فإننا نكون أمام انحراف أخلاقي عميق، ومحاولة متعمدة لتحويل صراع سياسي استعماري إلى صراع ديني مفتوح، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للسلم الإقليمي والدولي.

إن الكيان الصهيوني، الذي قام على الظلم واحتلال أرض الغير، لم يكن يومًا دولة سلام، بل كيانًا إرهابيًا توسعيًا، بنى وجوده على القوة، واستمراره على القتل والحصار والضمّ، مستندًا إلى دعم دولي انتقائي، على رأسه الدعم الأميركي غير المشروط. وكل محاولة لإضفاء “قداسة دينية” على هذا المشروع، ليست سوى محاولة لتبرير الإرهاب، وإسباغ الشرعية على جريمة مستمرة منذ عقود.

صمت الولايات المتحدة عن هذه التصريحات لا يمكن فصله عن سجل طويل من الكيل بمكيالين، حيث تُرفع شعارات القانون الدولي حين تخدم المصالح، وتُداس حين تتعارض مع حماية إسرائيل. وهو صمت يتناقض حتى مع الخطابات الأميركية المعلنة حول رفض الضمّ، وضرورة الحفاظ على الاستقرار، واحترام قرارات الشرعية الدولية.

إن تحويل النصوص الدينية إلى أدوات سياسية لتبرير الاستعمار لا يسيء فقط إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، بل يسيء إلى الأديان نفسها، ويشوّه رسالتها الأخلاقية والإنسانية. فالأديان، في جوهرها، جاءت لنصرة الإنسان، لا لإقصائه، ولحماية الكرامة، لا لمصادرتها.

وما يزيد المشهد قتامة، أن هذا الخطاب يمنح غطاءً أيديولوجيًا لسياسات الضمّ والتهجير، ويهدد الوجود التاريخي للمسيحيين الفلسطينيين، كما يستهدف المسلمين، ويقوّض التعددية الدينية والثقافية في فلسطين، لصالح رؤية عنصرية إقصائية لا ترى في الأرض إلا غنيمة، ولا في الإنسان إلا عائقًا.

إن المواقف العربية والدولية الرافضة لهذه التصريحات أكدت بوضوح أن لا سيادة للاحتلال على أي أرض فلسطينية أو عربية محتلة، وأن الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة أراضٍ محتلة وفق القانون الدولي، وأن حل الدولتين ليس شعارًا سياسيًا، بل استحقاق قانوني وأخلاقي لا بديل عنه.

وعليه، فإن استمرار الصمت الأميركي، أو الاكتفاء بإدارة الظهر لهذه التصريحات، لا يهدد فقط فرص السلام، بل يرسّخ منطق الغاب، ويشجع الكيان الصهيوني على المضي قدمًا في سياساته التوسعية والإرهابية، باعتباره فوق المحاسبة.

إن المطلوب موقف واضح لا لبس فيه: إدانة صريحة، وتراجع رسمي، والتزام فعلي بالقانون الدولي، لا خطابات مزدوجة. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات العبثية، بل إلى عدالة حقيقية، تعيد الاعتبار لحق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على أرضه، وإنهاء احتلال طال أمده، وكان – وما يزال – مصدرًا دائمًا للعنف وعدم الاستقرار في المنطقة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد