حرية الصحافة… مسؤولية وطنية لا تُختزل بتجاوزات جمع التبرعات

حرية الصحافة… مسؤولية وطنية لا تُختزل بتجاوزات جمع التبرعات

22-02-2026 05:44 PM

ليست حرية الصحافة في الأردن ترفاً سياسياً ولا منّةً تُمنح، بل هي ركيزة دستورية وأخلاقية تشكّل أحد أعمدة الدولة الحديثة، وضمانة أساسية لوصول صوت المواطن وهمومه ومعاناته إلى صانع القرار والرأي العام، ضمن إطار مهني وقانوني واضح يحمي الجميع.

إن الإعلام الأردني، حين يلتزم المهنية والموضوعية والحياد، لا يمارس دورا خارجا عن القانون، بل يؤدي واجبا وطنيا أصيلا يتمثل في نقل الواقع كما هو، وتسليط الضوء على التحديات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي تواجه الأردنيين بمختلف فئاتهم ومواقعهم. هذا الدور لم يكن يوما محل تشكيك، بل حظي بدعم مباشر ومتكرر من أعلى المستويات، باعتبار أن الصحفي شريك في البناء، لا خصما أو متهما مسبقا.

ومن المهم التأكيد أن أي تجاوز مهني أو قانوني يصدر عن صحفي أو وسيلة إعلامية بعينها يجب أن يُعالج في إطاره الفردي والقانوني، دون تعميم أو تحميل الجسم الصحفي بأكمله وزر أخطاء لا تمثله. فالتعميم في مثل هذه القضايا لا يسيء فقط للإعلام، بل يضعف الثقة العامة بدور الصحافة، ويحدّ من قدرتها على القيام بوظيفتها الرقابية والإنسانية.

القوانين الناظمة للعمل الإعلامي في الأردن واضحة في حماية كرامة الإنسان وخصوصيته، وفي منع استغلال الحالات الإنسانية أو الفئات الأكثر ضعفا، كما أنها تضع ضوابط صارمة لمسألة جمع التبرعات، وتحصرها بالجهات الرسمية والمخولة قانونا. وهذه الضوابط ليست موضع خلاف، بل هي محل احترام والتزام من الإعلام المهني الجاد، الذي يدرك تماما الفارق بين نقل المعاناة واستغلالها.

فالصحفي ليس جامع تبرعات، ولا وسيطا ماليا، ولا بديلا عن المؤسسات الرسمية، لكنه في الوقت ذاته ليس مطالبا بالصمت أو التغاضي عن معاناة الناس. من حقه – بل من واجبه – أن ينقل القصص الإنسانية بموضوعية وكرامة، وأن يسلّط الضوء على مكامن الخلل أو القصور، بهدف لفت الانتباه إلى المشكلة ودفع الجهات المختصة نحو معالجتها، دون مساس بالخصوصية أو الكرامة، ودون استدرار عاطفي أو توظيف غير مهني.

إن الخلط بين الدور الإنساني للإعلام والدور التنفيذي أو المالي للجهات الرسمية يخلق إرباكا غير مبرر، ويقود أحيانا إلى قراءات قاصرة لطبيعة العمل الصحفي. فالنقل المهني للمعاناة لا يعني التحريض، ولا يُعد تجاوزا، بل هو ممارسة مشروعة ومطلوبة، ما دامت منضبطة بالقانون وميثاق الشرف الصحفي.

الأردن، الذي دافع عن حرية الإعلام باعتبارها جزءا من صورته ودوره الإقليمي، لا يمكن أن يتقدم إلا بإعلام قوي، حر، ومسؤول. إعلام يعرف حدوده القانونية، لكنه لا يتخلى عن رسالته، ولا يُختزل حضوره في بيانات رسمية أو محتوى آمن خالٍ من نبض الشارع.

إن حماية كرامة الإنسان، واحترام القانون، وضمان حرية الصحافة، ليست مسارات متعارضة، بل هي خطوط متوازية لا تستقيم إحداها دون الأخرى. وأي مقاربة متوازنة لهذا الملف يجب أن تنطلق من الثقة بالإعلام المهني، لا من التضييق عليه، ومن المحاسبة الفردية لا من التعميم، ومن الإيمان بأن نقل معاناة الأردنيين هو حق، وواجب، وأحد أشكال الدفاع عن الوطن والإنسان معًا.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد