من الردع التقليدي إلى الردع الذكي: قراءة في الرؤية الملكية

من الردع التقليدي إلى الردع الذكي: قراءة في الرؤية الملكية

25-01-2026 12:17 AM

في الرسالة الملكية للجيش العربي، لا نقرأ توجيها عسكريا تقليديا بقدر ما نقرأ إعلانا عن انتقال واع في طريقة التفكير بالأمن الوطني. نرى بوضوح أن جلالة الملك عبدﷲ الثاني لا يخاطب مؤسسة عسكرية فحسب، بل يخاطب الدولة في أحد أعمدتها الأكثر حساسية، واضعا أمامها سؤال الكيف لا الكم، والنوع لا العدد، والقدرة المؤثرة لا الجاهزية الشكلية.

نؤكد منذ البداية أن اللغة التي اختارها الملك ليست لغة رفع معنويات فقط، بل لغة تشخيص دقيق لبيئة استراتيجية مضطربة، تتغير فيها طبيعة التهديدات بوتيرة أسرع من قدرة النماذج التقليدية على استيعابها. هنا، لا يدع مجال للشك بأن الأردن لم يعد يواجه مخاطر يمكن احتواؤها عند الحدود، بل تحديات تمتد إلى الفضاء السيبراني، وإلى الوعي الجمعي، وإلى مراكز القرار، وإلى البنية التحتية الحيوية للدولة.

نستنتج من الإصرار على مفهوم التحول البنيوي أن المطلوب ليس تحديث معدات أو إعادة توزيع تشكيلات، بل إعادة بناء المنظومة الذهنية والمؤسسية التي تعمل من خلالها القوات المسلحة. فالتحول البنيوي، كما نفهمه من الرسالة، يعني تغيير منطق العمل نفسه: من جيش يستعد لكل شيء، إلى جيش يعرف أين يضع ثقله، وكيف يصنع فارقا نوعيا في نقاط محددة.

لا يد أن التوقف عند مفاهيم مثل الحروب الهجينة، والعمليات غير التقليدية، واتساع بيئة العمليات، يعكس إدراكا ملكيا بأن الحروب القادمة قد لا تعلن، وقد لا تبدأ بإطلاق نار، لكنها تبدأ باختراقات سيبرانية، أو بحروب إدراك، أو بإرباك اقتصادي ونفسي. وهنا نرى أن الملك يعيد تعريف الردع، لا بوصفه قدرة على التدمير، بل بوصفه قدرة على الصمود، والحماية، والاستمرار، ورفع كلفة الاستهداف.

نؤكد كذلك أن الدعوة إلى التفوق الانتقائي في مجال أو أكثر ليست تراجعا عن الطموح، بل تعبيرا عن واقعية استراتيجية عالية. فالملك لا يطرح وهم التكافؤ الشامل، بل يطرح منطق التخصص الذكي، حيث يمكن لدولة ذات موارد محدودة أن تحقق تأثيرا كبيرا إذا أحسنت اختيار ميادين الاستثمار العسكري والتقني والبشري.

ونرى أن التركيز على التكنولوجيا، والأنظمة المسيرة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء السيبراني، ليس انبهارا بالحداثة، بل استجابة عقلانية لتحولات ميزان القوة العالمي. فالقوة اليوم لم تعد محصورة في الدبابة والطائرة، بل في البيانات، والخوارزميات، والقدرة على السيطرة على المعلومات وحمايتها.

لا يد أيضا أن إدراج الصناعات الدفاعية والحوكمة والبحث والتطوير ضمن صلب الرسالة، يكشف عن فهم عميق لارتباط الأمن العسكري بالأمن الاقتصادي والمعرفي. فالقوات المسلحة، في هذه الرؤية، ليست مستهلكا للتكنولوجيا فقط، بل منتجا ومطورا ومشاركا في بناء السيادة الوطنية.

نستنتج اخيرا أن هذه الرسالة ليست استعراض قوة، ولا إعلان مواجهة، ولا وثيقة علاقات عامة، بل إعادة تموضع استراتيجي هادئة ومدروسة، تعترف بالقيود، لكنها ترفض الجمود، وتراهن على الإنسان الأردني، وعلى العقل المؤسسي، وعلى القدرة على التكيف قبل فوات الأوان.

في المحصلة، نرى أن الملك عبدﷲ الثاني يضع الجيش العربي أمام لحظة مفصلية: إما الانتقال من ثقافة التشكيل إلى ثقافة المنظومة، ومن الاتباع إلى الابتكار، ومن الاستجابة إلى المبادرة. وهي لحظة، إن أحسن التقاطها، ستجعل من الأردن نموذجا لدولة تعرف كيف تحمي نفسها بالعقل الاستراتيجي لا بفائض القوة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد