الأردن في عين العاصفة: حين تصبح الحكمة خط الدفاع الأول عن الإقليم

الأردن في عين العاصفة: حين تصبح الحكمة خط الدفاع الأول عن الإقليم

01-03-2026 06:38 PM

في لحظة إقليمية هي الأخطر منذ سنوات، يقف الأردن على خط التماس بين الحكمة والفوضى، محاولًا أن يثبت مرة أخرى أن صوت العقل لا يزال ممكنًا وسط ضجيج الحرب. فالتصعيد المتدحرج الناتج عن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران لا يهدد طرفًا بعينه، بل يفتح أبواب المجهول على مصراعيها أمام أمن المنطقة والعالم، ويعيد إنتاج مناخ هشّ تتداخل فيه الصواريخ مع حسابات السياسة، وتتراجع فيه فرص الاستقرار.

وسط هذا المشهد القاتم، يتحرك الأردن بثبات، مستندًا إلى نهج سياسي طالما ميّزه: خفض التصعيد، حماية السيادة، ومنع انزلاق الإقليم إلى مواجهة شاملة. الاتصالات الدولية المكثفة التي يجريها جلالة الملك عبد الله الثاني ليست ترفا دبلوماسيا، بل محاولة جادة لاحتواء النيران قبل أن تمتد. فالحوار مع أورسولا فون دير لاين يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن أمن الشرق الأوسط بات جزءا لا يتجزأ من الأمن الدولي، وأن خرق سيادة الدول وتهديد استقرارها لا يمكن تبريره أو التغاضي عنه.

وفي السياق ذاته، يأتي التواصل مع كير ستارمر ليؤكد أن الأردن لا يعمل منفردا، بل يسعى لبناء موقف دولي ضاغط يضع حدا لهذا الانفلات. كما أن التشاور مع قادة دول عربية شقيقة مثل لبنان والعراق والسودان يعكس قناعة راسخة بأن النار إذا اشتعلت في بقعة، فلن تتوقف عند حدودها.

غير أن الخطر لم يعد سياسيا فحسب، بل بات ماديا ومباشرا. فالصواريخ الإيرانية التي تُطلق باتجاه الكيان الصهيوني لا تسلك مسارات معزولة، بل تعبر الأجواء وتترك شظاياها تسقط على الأرض الأردنية، مخلّفة أضرارا مادية في محافظات عدة، ومُذكّرة الأردنيين بأنهم يدفعون ثمن حرب لم يكونوا طرفا فيها. هذه الشظايا ليست مجرد بقايا معدنية، بل دليل ملموس على كلفة التصعيد، وعلى حجم التهديد الذي يتعرض له أمن المواطنين وحياتهم اليومية.

الأردن، وهو يلتزم ضبط النفس ويدعو إلى التهدئة، يجد نفسه في مرمى تداعيات صراع إقليمي متفلت. ورغم ذلك، يواصل أداء دوره كصمام أمان، مدافعا عن سيادته، وحريصا على ألا تتحول أرضه إلى ساحة رسائل نارية بين أطراف متحاربة. إنها معادلة صعبة: حماية الداخل، ومنع الانفجار الكبير، في زمنٍ أصبحت فيه الصواريخ أسرع من الحكمة، لكن الأردن لا يزال يراهن عليها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد