الملك يضع الصناعة في قلب الاقتصاد الأردني .. رسائل تتجاوز الأرقام

الملك يضع الصناعة في قلب الاقتصاد الأردني ..  رسائل تتجاوز الأرقام
جلالة الملك عبدﷲ الثاني

13-05-2026 04:01 PM

لقاء جلالة الملك عبدﷲ الثاني مع ممثلي القطاع الصناعي لم يكن مجرد اجتماع اقتصادي تقليدي، بل حمل في توقيته ومضامينه رسائل سياسية وتنموية عميقة، تؤكد أن الدولة الأردنية تعيد تموضع أولوياتها الاقتصادية انطلاقا من الصناعة باعتبارها ركيزة الأمن الوطني الاقتصادي، لا مجرد قطاع إنتاجي ضمن قطاعات متعددة.

فالحديث الملكي عن الصناعات الدوائية والكيماوية والغذائية يعكس إدراكا واضحا بأن الاقتصاد الأردني لم يعد يحتمل الاعتماد على الأنماط التقليدية للنمو، في ظل التحولات الإقليمية والاضطرابات العالمية وسلاسل التوريد المتقلبة. ومن هنا، تبدو الصناعة اليوم أقرب إلى مفهوم “السيادة الاقتصادية”، خاصة في القطاعات المرتبطة بالغذاء والدواء والطاقة الإنتاجية المحلية.

الأرقام التي عُرضت خلال الاجتماع لا يمكن قراءتها بوصفها مؤشرات إحصائية فحسب؛ فحين تصل صادرات الصناعات الكيماوية إلى أكثر من ملياري دينار، والصناعات الغذائية إلى مئات الأسواق العالمية، وتصبح الصناعة مسؤولة عن أكثر من 24 بالمئة من الناتج المحلي، فإن ذلك يعني أن الأردن يمتلك قاعدة إنتاجية قادرة على التحول من اقتصاد استهلاكي هش إلى اقتصاد تصديري أكثر تماسكا.

لكن الأهم في اللقاء كان التركيز الملكي على “مدخلات الإنتاج”، وهي نقطة تكشف وعيا استراتيجيا بطبيعة الاختلالات التي تواجه الصناعة الوطنية. فالمشكلة لم تعد فقط في التصدير أو فتح الأسواق، بل في تخفيض كلف الإنتاج وتعزيز الاعتماد على سلاسل توريد محلية تقلل الارتهان للخارج. وهذا التحول في التفكير الاقتصادي يعني أن الدولة لم تعد تنظر للصناعة بوصفها نشاطا تجاريا، بل باعتبارها منظومة أمن واستقرار وتشغيل.

كما أن حضور ولي العهد ورئيس الوزراء وكبار المسؤولين الاقتصاديين في الاجتماع يعكس محاولة لبناء شراكة مؤسساتية متكاملة مع القطاع الخاص، تقوم على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص. فقصص النجاح التي عرضتها الشركات الصناعية الأردنية خلال اللقاء ليست مجرد نماذج دعائية، بل دليل على أن القطاع الخاص الأردني قادر على المنافسة حين تتوافر بيئة تنظيمية مستقرة ورؤية اقتصادية واضحة.

وفي ظل الإقليم المضطرب، يكتسب الرهان على الصناعة بعدا سياسيا أيضا؛ إذ تسعى الدولة إلى تعزيز مناعة الاقتصاد الوطني ضد الصدمات الخارجية، وخلق فرص عمل حقيقية، خاصة مع قدرة الصناعات التحويلية على استيعاب آلاف الأردنيين. فالـ262 ألف فرصة عمل التي وفرها القطاع الصناعي خلال السنوات الماضية تؤكد أن الصناعة ليست مجرد أرقام صادرات، بل أداة استقرار اجتماعي أيضا.

الرسالة الأبرز في لقاء الحسينية أن الأردن يريد إعادة تعريف نفسه اقتصاديا: من دولة محدودة الموارد إلى مركز صناعي إقليمي يعتمد على الكفاءة والمرونة والقدرة على الوصول للأسواق. وهو مسار لن ينجح بالشعارات، بل باستمرار الإصلاحات، وتخفيف الأعباء على المنتج الوطني، وتحويل المؤسسات الرسمية من جهات رقابية تقليدية إلى شركاء في النمو.

في المحصلة، بدا اللقاء وكأنه إعلان غير مباشر عن مرحلة اقتصادية جديدة، عنوانها أن الصناعة لم تعد خيارا تنمويا إضافيا، بل ضرورة وطنية تفرضها الجغرافيا والسياسة وتقلبات الاقتصاد العالمي.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد