حرفي عراقي يجدد إرث السيوف في كركوك .. صور

حرفي عراقي يجدد إرث السيوف في كركوك ..  صور

08-05-2026 01:03 PM

السوسنة -  رغم تحولات الزمن، والتناقص المتسارع في أعداد ممتهني هذه الحرفة تعد صناعة السيوف واحدة من أعرق الحرف التقليدية التي ميزت الهوية التاريخية لمدينة كركوك شمالي العراق، حيث تحظى بإقبال من المثقفين ومتذوقي التراث. 

وفي زاوية تضج بعبق التاريخ في حي "المصلى" بمدينة كركوك يقضي الحرفي جمال علي (67 عاما) يومه بين مطرقته وسندانه، صامدا أمام تحولات الزمن للحفاظ على مهنة صناعة السيوف اليدوية، التي باتت تصارع البقاء في ظل طغيان التقنيات الحديثة، وتراجع عدد ممتهنيها.
داخل ورشته المتواضعة، يطوع علي الحديد بالنار بجهده البدني، متمسكا بالطرق التقليدية التي ورثها عن الأجداد، في بيئة عمل تقوم بالدرجة الأولى على "المهارة اليدوية" والخبرة المتراكمة في تشكيل المعادن، بعيدا عن الآلات الحديثة، ليخرج من بين يديه نصلٌ يحاكي في جودته ودقته السيوف التاريخية القديمة.
ورغم تغير الزمن، لا تزال سيوف "علي" تحظى بإقبال من المثقفين ومتذوقي التراث وهواة المقتنيات الثمينة؛ حيث تزين جدران البيوت كقطع فنية تعكس الفخر والأصالة، أو تُقدم كهدايا للشخصيات البارزة، بوصفها منتجا يختزل عمق الحضارات المتعاقبة التي شهدها شمال العراق.
** خطر الاندثار

تواجه صناعة السيوف اليوم خطر الاندثار الفعلي نتيجة عزوف الأجيال الصاعدة عن تعلم أسرارها، وغياب الكوادر الشابة القادرة على حمل مشعل هذا الإرث المهني.
ووسط هذه الظروف، يقف علي نموذجا للصمود المهني، مستندا إلى رحلة بدأت قبل نحو 3 عقود، حين انطلق من صناعة سكاكين الصيد قبل أن يتخصص تدريجيا في فن إنتاج السيوف، مسخرا خبرته الطويلة لبعث الروح في هذا الفن التراثي والحيلولة دون طيه في سجلات النسيان.
وفي حديثه للأناضول، حذر علي من التناقص المتسارع في أعداد ممتهني هذه الحرفة، مؤكدا أن تقلص عدد الحرفيين يضع ثقلا مضاعفا على عاتق المبادرات الفردية، التي تظل الركيزة الأخيرة للحفاظ على هذه الصنعة ونقل تقنياتها الأصيلة إلى الأجيال المقبلة.
** نماذج تاريخية
يحرص علي على إنتاج نماذج أعمال مستوحاة من فترات تاريخية مختلفة، لاسيما العصور العباسية والسلجوقية والعثمانية، إذ يعمل على إعادة تشكيل سيوف كانت تُستخدم في تلك الحقب، مع مراعاة الخصائص الفنية التي تميز كل مرحلة.
ويرتكز في صياغة نصاله على مادة "الفولاذ"، لقدرتها الفائقة على الجمع بين الصلابة والمرونة، ما يتيح له إنتاج قطع تحاكي النماذج التاريخية الأصلية في أدق تفاصيلها الهندسية والجمالية.
وفي تجسيد لافت لمهارته، أنجز علي أخيرا نسخة من سيف "ذو الفقار"، المنسوب إلى الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وهو مشروع استثنائي استهلك منه أكثر من 6 أشهر من العمل الدؤوب.
ولم تقتصر الجهود على الجانب الحرفي فحسب، بل شملت بحثا تاريخيا معمقا بالتنسيق مع مؤرخين وخبراء، لضمان خروج السيف بصورة تطابق مواصفاته التاريخية وتليق برمزية هذا الإرث العظيم.
** احتراف بعد شغف
بدأت علاقة علي بهذه الحرفة منذ شبابه، عندما كان يتردد على سوق الحدادين في سوق كركوك الكبير، حيث كان يراقب الحرفيين ويتعلم منهم أساسيات العمل.
ومع مرور الوقت، تحول هذا الاهتمام إلى شغف حقيقي، ثم إلى مهنة أتقنها بعد سنوات من التجربة.
ولفت علي في حديثه إلى أن طريق التعلم لم يكن سهلا، إذ واجه العديد من التحديات والأخطاء خلال المراحل الأولى، لكنه تمكن من تطوير مهاراته تدريجيا حتى أصبح قادرا على إنتاج سيوف تحمل طابعا احترافيا.
** زينة ورمزية
أوضح علي أن اقتناء هذه السيوف يتجاوز الوظيفة التقليدية؛ إذ غدت قطع فنية رفيعة تُزين المجالس، أو هدايا رمزية فاخرة يغلب عليها الطابع العثماني والعباسي لما تتميز به من عمق تاريخي ومكانة اجتماعية.
ورأى الحرفي العراقي أن هذه النصال ليست مجرد مشغولات معدنية، بل أوعية حضارية تروي قصصا ضاربة في القدم، ما يمنحها قيمة معنوية تتجاوز بريقها الجمالي.
وختم علي حديثه برؤية يملؤها الإصرار، مؤكدا التزامه بمواصلة هذا المسار المهني الشاق، مدفوعا بهدف أسمى يتمثل في حماية إرث الأجداد من الاندثار، وضمان انتقاله للأجيال المقبلة بوصفه ركيزة أساسية من ركائز الهوية الثقافية العراقية.

الأناضول



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد