بين الشحّ والحلّ: لماذا يُعد الناقل الوطني مشروعاً مصيرياً

بين الشحّ والحلّ: لماذا يُعد الناقل الوطني مشروعاً مصيرياً
مشروع الناقل الوطني

21-04-2026 11:03 PM

في لحظة مفصلية من تاريخ التحديات المائية في الأردن، أرى أن مشروع الناقل الوطني لم يعد مجرد خيار حكومي، بل ضرورة وجودية تفرضها الجغرافيا ويفرضها الواقع. فحين يشهد رئيس الوزراء جعفر حسّان التوقيع على الاتفاقية الفنية القانونية النهائية، فإننا لا نقف أمام إجراء إداري تقليدي، بل أمام خطوة تؤسس لتحول استراتيجي في إدارة واحد من أخطر الملفات التي تواجه الدولة.

أعتقد أن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في أرقامه الضخمة، رغم أن الكلفة الرأسمالية التي تقدر بنحو 4.3 مليار دولار، والكلفة الكلية التي تصل إلى 5.8 مليار دولار، تعكس حجم الرهان الكبير عليه، وإنما في الرسالة التي يحملها: أن الأردن قرر أخيراً الانتقال من سياسة إدارة الشح إلى صناعة الحلول. وهذا بحد ذاته تحول في التفكير قبل أن يكون تحولاً في البنية التحتية.

نستنتج من تصريحات وزير الاتصال الحكومي، محمد المومني، أن المشروع ليس مجرد تحسين تدريجي، بل قفزة نوعية في التزوّد المائي. فرفع عدد أيام التزويد من يوم واحد في الأسبوع إلى ثلاثة أيام، ليس تفصيلاً خدمياً، بل تغيير في نمط حياة المواطن، وفي شعوره بالأمان المائي، وربما في ثقته بالمستقبل أيضاً.

وإذا ما تأملنا الرقم الذي يشير إلى إضافة نحو 300 مليون متر مكعب من مياه الشرب سنوياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف مشروع الديسي، فإننا أمام مؤشر واضح على حجم الفجوة التي يسعى المشروع إلى سدّها. وهنا أرى أن المقارنة مع الديسي ليست تقنية فقط، بل رمزية؛ فهي تضع الناقل الوطني في مصاف المشاريع التاريخية التي تعيد رسم ملامح الاستقرار في البلاد.

لكن، وفي سياق التحليل، لا يمكن تجاهل أن هذا المشروع يأتي في ظل واقع مائي يُصنف الأردن ضمن أكثر ثلاث دول فقراً بالمياه في العالم. وهذا يدفعنا للاعتقاد بأن الناقل الوطني ليس رفاهية، بل خط دفاع متقدم في مواجهة أزمة تتفاقم بفعل التغير المناخي، والنمو السكاني، والضغوط الإقليمية.

من زاوية أخرى، أرى أن توقيت المشروع يحمل دلالات سياسية واقتصادية أيضاً. فالدخول في مرحلة الإغلاق المالي تمهيداً لبدء الأعمال الإنشائية خلال الصيف المقبل، يعكس جدية في التنفيذ، ويؤشر إلى قدرة الدولة على حشد التمويل لمشاريع استراتيجية رغم التحديات الاقتصادية. وهذا بحد ذاته رسالة ثقة للأسواق وللمواطنين على حد سواء.

في المحصلة، يمكن القول إن الناقل الوطني ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل مشروع سيادي بامتياز. مشروع يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمورد الأندر، ويمنح الأردن فرصة حقيقية لإعادة التوازن في معادلة الماء. وربما الأهم من ذلك، أنه يعيد طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة في التفكير الاستراتيجي، أم أمام استثناء تفرضه الضرورة؟ هنا، أعتقد أن الإجابة ستتضح مع أول متر مكعب ماء يصل إلى بيوت الأردنيين بشكل منتظم ومستقر.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد