المناخ ليس شطرنجًا

المناخ ليس شطرنجًا

06-06-2026 02:12 AM

في يوم البيئة العالمي، يعاد طرح الأسئلة الكبرى حول علاقتنا بالأرض، وكيف نترجم الالتزامات البيئية إلى أثر حقيقي ومستدام. وفي هذا السياق، ينظر إلى التغير المناخي بوصفه تحديا طويل الأمد يترك آثاره على الأرض والإنسان معا. لكن عندما ننظر إلى واقع تنفيذ المشاريع البيئية في المناطق، نجد أن كثيرا منها يدار وكأنه لعبة شطرنج؛ مشروع هذا العام في قرية، وفي العام التالي في قرية أخرى، ثم الانتقال إلى محافظة جديدة، وهكذا تستمر الحركة من مكان إلى آخر.
هنا يبرز السؤال الجوهري في يوم كهذا: أين الاستدامة؟ وأين بناء القدرة الحقيقية على مواجهة التغير المناخي؟ هل استفادت القرية الأولى بما يكفي لتواصل مسيرتها بعد انتهاء المشروع؟ وهل تمكنت القرية الثانية من تحقيق أثر مستدام؟ أم أن بعض المشاريع تحولت مع مرور الوقت إلى بنى مهملة أو مخلفات صلبة تضاف إلى المشهد بدل أن تكون جزءا من الحل؟
إن يوم البيئة العالمي ليس مجرد مناسبة للاحتفال أو عرض الإنجازات، بل فرصة لمراجعة المسار: هل تبنى المشاريع البيئية على منطق التمكين طويل الأمد، أم على منطق التنقل الجغرافي وإظهار الأرقام؟ ومن الصعب الحديث عن التوسع في مناطق جديدة إذا لم نتحقق أولا من أن المجتمعات التي استُهدفت سابقا أصبحت أكثر قدرة على الصمود والتكيف. فهل الغاية من الدعم الدولي هي مجرد الانتقال بين المحافظات وتسجيل مواقع جديدة، أم أن الهدف الحقيقي هو تمكين المجتمعات المحلية وبناء أثر يبقى بعد انتهاء التمويل؟
هذه الأسئلة تزداد إلحاحا في يوم البيئة العالمي، حين يفترض أن تقاس النجاحات ليس بعدد المشاريع المنفذة، بل بمدى قدرتها على الاستمرار. ومع ذلك، نشهد أحيانا مشاريع تنتهي برحيل الجهات المنفذة، بينما تبقى المجتمعات تواجه التحديات نفسها.
وهنا تبرز زاوية أكثر حساسية، وهي واقع المجتمعات الهشة في البادية وغيرها، التي بالكاد تستطيع تأمين قوت يومها ومعيشتها في ظل ظروف اقتصادية صعبة ومتقلبة. فكيف يُتوقع منها أن تتعامل مع تعقيدات التغير المناخي أو أن تستمر في إدارة مخرجات مشاريع انتهى تمويلها دون دعم حقيقي طويل الأمد؟ إن الحديث عن الصمود يصبح أكثر تعقيدا عندما يكون الأساس المعيشي نفسه غير مستقر، وحين تصبح الأولويات اليومية مرتبطة بالبقاء قبل أي شيء آخر.
وفي كثير من الحالات، يُترك الناس أمام مسؤولية الاستمرار وحدهم، رغم أن الظروف لا تمنحهم الأدوات الكافية لذلك، فيتحول السؤال من "كيف نبني استدامة؟" إلى "كيف نُحمّل مجتمعات منهكة أصلا عبء الاستمرارية؟"
ولعل التحدي الأكبر لا يكمن في نقص الأفكار أو المبادرات، بل في الفجوة بين مدة المشروع ومدة الحاجة الفعلية للمجتمعات. فالتغير المناخي لا ينتهي بانتهاء فترة التمويل، والضغوط الاقتصادية لا تتوقف بإغلاق المشروع. لذلك فإن بناء القدرة على الصمود يتطلب استثمارات طويلة الأمد، وشراكة حقيقية مع المجتمعات المحلية، وآليات متابعة تضمن استمرار الأثر بعد مغادرة الجهات المنفذة، لا الاكتفاء بقياس ما تم إنجازه خلال فترة المشروع فقط.
وفي يوم البيئة العالمي، قد يكون من المفيد أن نصغي أكثر إلى أصوات المجتمعات التي تعيش هذه التحديات يوميا، لا أن نكتفي بالحديث عنها. ففي الأردن، حيث تتقاطع تحديات المناخ مع شح الموارد والضغوط الاقتصادية، لا تنفصل حماية البيئة عن تحسين حياة الناس وتعزيز قدرتهم على مواجهة الواقع. وبين الطموحات العالمية والاحتياجات المحلية، يبقى السؤال الأهم: هل تسهم تدخلاتنا في تخفيف الأعباء عن المجتمعات الأكثر هشاشة، أم أنها تضيف إليها مسؤوليات جديدة تفوق قدرتها على الاحتمال؟ فالأثر الحقيقي لأي جهد بيئي لا يقاس بما يكتب في التقارير، بل بما يشعر به الناس في حياتهم اليومية من تحسن واستقرار وفرص أفضل للمستقبل.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد