ربط المسلسلات بارتفاع الجريمة: حُجة أم مغالطة

ربط المسلسلات بارتفاع الجريمة: حُجة أم مغالطة

24-07-2026 02:07 AM

بين مشاهد العنف المتكررة، وتقديم المجرم أحيانًا بصورة جذابة، وعرض تفاصيل دقيقة عن تنفيذ الجرائم، يتجدد السؤال: هل تؤثر المسلسلات في سلوك المشاهدين إلى درجة رفع معدلات الجريمة في المجتمع؟ أم أن تحميل الدراما هذه المسؤولية يمثل تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا؟
تحتل مسلسلات الجريمة والعنف مساحة بارزة على القنوات التلفزيونية ومنصات المشاهدة الرقمية. فهي تقدم قصصًا عن القتل والسرقة وتجارة المخدرات والجريمة المنظمة، وتضع المشاهد أحيانًا داخل عقل المجرم وخططه ودوافعه. ومع انتشار هذا النوع من الأعمال، تظهر مخاوف من أن يؤدي التعرض المتكرر له إلى تطبيع العنف أو تشجيع بعض الأشخاص على تقليد ما يشاهدونه.

لكن الإجابة العلمية ليست ببساطة (نعم) أو( لا). فالأبحاث تميز بين ثلاثة أمور مختلفة: ارتفاع الأفكار أو السلوكيات العدوانية، وتقليد تفاصيل جريمة معينة، وارتفاع المعدل العام للجرائم في المجتمع. ولا يجوز التعامل مع هذه النتائج وكأنها تعني الشيء نفسه.

ويجدر التنبيه إلى أن جانبًا كبيرًا من الأبحاث المتاحة لا يدرس المسلسلات وحدها، بل يتناول العنف الإعلامي بصورة عامة، بما يشمل التلفزيون والأفلام ومقاطع الفيديو وغيرها من أشكال المحتوى. ولذلك يجب الحذر عند تطبيق نتائج هذه الدراسات مباشرة على المسلسلات.
العدوان ليس جريمة بالضرورة
تشير بعض الدراسات النفسية إلى أن التعرض للمحتوى العنيف قد يرتبط، لدى بعض الأشخاص، بارتفاع الأفكار والمشاعر العدوانية أو بانخفاض الاستجابة العاطفية تجاه مشاهد الألم والعنف. فقد وجدت تجربة نُشرت عام 2009 أن مشاهدة مجموعة متتالية من المشاهد السينمائية العنيفة أدت، خلال مدة قصيرة، إلى انخفاض تعاطف المشاركين مع الضحايا وزيادة استمتاع بعضهم بالمشاهد العنيفة. لكن هذه التجربة قاست استجابات نفسية قصيرة المدى، ولم تقس ارتكاب جرائم في الحياة الواقعية.

وهذا التمييز ضروري؛ فالعدوان مفهوم واسع قد يشمل الغضب أو الإهانة أو الدخول في مشادة أو التصرف بصورة عدائية، بينما تشير الجريمة العنيفة إلى أفعال أشد خطورة، مثل الاعتداء الجسدي أو القتل. ولذلك لا يمكن تحويل كل نتيجة تتحدث عن ارتفاع العدوان إلى دليل على ارتفاع معدلات الجريمة.

وقد تابعت دراسة طولية نُشرت في يناير 2025 عددًا من طلاب المرحلة الإعدادية في الصين ثلاث مرات خلال عام واحد. وشملت الدراسة 259 طالبًا، ووجدت أن ارتفاع التعرض للعنف الإعلامي في إحدى مراحل القياس تنبأ بارتفاع العدوان في المرحلة اللاحقة، كما ظهر الاتجاه العكسي في إحدى مراحل المتابعة، إذ ارتبط العدوان اللاحق بالبحث عن مزيد من المحتوى العنيف.

لكن هذه النتائج لا تثبت سببية قاطعة. فالدراسة اعتمدت على استبيانات أجاب عنها المشاركون بأنفسهم، وشملت عينة صغيرة من مدرسة واحدة، كما كانت مدة المتابعة محدودة بعام واحد. وقد أقر الباحثان بأن هذه القيود تقلل القدرة على تعميم النتائج على جميع الأعمار والثقافات والمجتمعات.

كما تابعت دراسة أقدم، نشرها لويل هيوزمان وزملاؤه عام 2003، أشخاصًا شاهدوا العنف التلفزيوني في أعمار تراوحت بين السادسة والعاشرة، ثم درست سلوكهم بعد نحو 15 عامًا. ووجدت أن كثرة مشاهدة العنف التلفزيوني في الطفولة تنبأت بارتفاع السلوك العدواني في مرحلة الشباب لدى الذكور والإناث، حتى بعد أخذ بعض العوامل الأسرية والاجتماعية في الحسبان. كما ارتبط التماهي مع الشخصيات العدوانية والاعتقاد بأن العنف التلفزيوني واقعي بارتفاع العدوان لاحقًا.

ومع أهمية هذه النتيجة، تبقى الدراسة رصدية وليست تجربة عشوائية؛ أي إنها تكشف ارتباطًا طويل المدى ولا تثبت أن مشاهدة التلفزيون كانت السبب الوحيد أو المباشر في سلوك المشاركين. فقد تكون هناك اختلافات أخرى بين الأطفال، مثل البيئة الأسرية والشخصية والتجارب السابقة، يصعب ضبطها بالكامل.

وهنا تظهر إحدى المشكلات الأساسية في النقاش العام: كثير من الدراسات تقيس العدوان من خلال استبيانات أو تجارب مخبرية، ثم تُعرض نتائجها أحيانًا وكأنها دليل مباشر على ارتفاع الجرائم. بينما يحتاج الانتقال من التأثر النفسي أو التفكير العدواني إلى ارتكاب جريمة حقيقية إلى توافر دوافع وظروف وفرص وعوامل خطر إضافية.

ماذا تقول الدراسات التي قاست الجريمة الفعلية؟
عندما انتقل الباحثون من قياس الأفكار والسلوكيات العدوانية إلى دراسة العدوان الإجرامي الفعلي، أصبحت النتائج أقل وضوحًا.
فقد نشرت الباحثتان جوان سافاج وكريستينا يانسي عام 2008 تحليلًا تجميعيًا في مجلة Criminal Justice and Behavior، ضم دراسات قدمت 26 عينة مستقلة، بهدف تقييم العلاقة بين التعرض للعنف الإعلامي والعدوان الإجرامي.

لم تجد النتائج الإجمالية المستخلصة من الدراسات التجميعية والتجريبية دليلًا واضحًا ومتسقًا على وجود ارتباط إيجابي بين العنف الإعلامي والعدوان الإجرامي. وكانت نتائج الدراسات الطولية أكثر غموضًا. كما لم تُظهر النماذج التي أخذت السمات العدوانية السابقة في الحسبان دليلًا عامًا قويًا على أن التعرض للعنف الإعلامي يؤدي إلى العدوان الإجرامي. وظهرت نتيجة ذات دلالة إحصائية لدى الذكور في بعض التحليلات، إلا أن حجم التأثير كان صغيرًا، وحذرت الباحثتان من وجود قيود وانحيازات منهجية تقلل قوة الاستنتاج.

وهذا لا يعني أن المحتوى العنيف لا يمكن أن يؤثر في أي شخص، لكنه يعني أن الأدلة على ارتباطه بالجريمة الفعلية أضعف وأقل اتساقًا من الأدلة المتعلقة بالأفكار أو السلوكيات العدوانية.

ومن أكثر النتائج إثارة للاهتمام دراسة ميدانية نشرها الباحثان غوردون دال وستيفانو ديلافيجنا عام 2009، وتناولت حضور الأفلام العنيفة في دور السينما الأمريكية بين عامي 1995 و2004. ووجد الباحثان أن الاعتداءات انخفضت في الأيام التي ارتفع فيها عدد مشاهدي الأفلام العنيفة في السينما.
وفسرا ذلك جزئيًا بما أطلقا عليه الاحتجاز الطوعي، إذ كان الأشخاص يقضون ساعات المساء داخل السينما بدلًا من الوجود في أماكن قد يكثر فيها شرب الكحول أو الاحتكاك والمشاجرات. ولم تجد الدراسة أثرًا متوسط المدى خلال الأسابيع الثلاثة التالية للمشاهدة، لكنها لم تكن مصممة لقياس الآثار الطويلة الأجل.
ولا تعني هذه النتيجة أن المحتوى العنيف يمنع الجريمة؛ بل توضح أن تأثير المشاهدة لا يعتمد على المحتوى وحده، وإنما قد يتأثر أيضًا بالمكان الذي يوجد فيه المشاهد، والأنشطة التي يتجنبها أثناء المشاهدة، والأشخاص المحيطين به. كما تناولت الدراسة الأفلام داخل دور السينما، ولذلك لا يمكن تعميم نتائجها مباشرة على مشاهدة المسلسلات في المنزل أو عبر منصات البث.

هل توجد جرائم مستوحاة من المسلسلات؟
تناقلت وسائل الإعلام حالات قال فيها مرتكبو جرائم إنهم تأثروا بأفلام أو مسلسلات، أو استوحوا منها طريقة التنفيذ أو بعض تفاصيل الجريمة. ويُطلق إعلاميًا على هذه الحالات أحيانًا اسم جرائم التقليد.

وفي حالة نشرتها صحيفة (الأنباء) الكويتية في 12 يوليو 2012، نقلًا عن (العربية)، أفاد التقرير بأن شابا يمنيا يُدعى محمد علي العزب أُعدم قبليًا بعد قتله خمسة أشخاص، وأن شهود عيان قالوا إنه اعترف قبل تنفيذ الحكم بتأثره بمسلسل وادي الذئاب وبشخصية مراد علمدار.

لكن هذه القصة يجب التعامل معها بوصفها رواية صحفية عن اعتراف منسوب إلى الجاني، لا دليلًا علميًا على أن المسلسل تسبب في الجريمة. فلا يتوفر ضمن التقرير تقييم نفسي للجاني، أو تحقيق علمي في دوافعه، أو ملف قضائي منشور يثبت أن المسلسل كان العامل المباشر أو الحاسم.
كما يذكر التقرير نفسه أن الحادثة بدأت بخلاف بين شخصين، ثم تطورت إلى استخدام السلاح وقتل عدة أشخاص. وهذا يشير إلى وجود عوامل مباشرة أخرى، من بينها النزاع الشخصي وتوفر السلاح والتصعيد العنيف.
وعليه، قد يقدم العمل الدرامي لشخص مهيأ أصلًا للعنف صورة أو نموذجًا أو فكرة يقلدها، لكن وجود حالة فردية واحدة لا يسمح بتعميم النتيجة على ملايين المشاهدين، ولا يثبت أن المسلسل خلق الدافع الإجرامي من الأساس.

الجريمة نتيجة شبكة من العوامل
تؤكد الجهات الصحية والبحثية أن العنف لا ينشأ عادة من سبب منفرد. فمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة توضح أن عنف الشباب يرتبط بتفاعل عوامل على مستويات الفرد والأسرة والعلاقات والمجتمع، وأن عامل الخطر قد يزيد احتمال العنف من دون أن يكون سببًا مباشرًا له.
وتشمل عوامل الخطر الفردية: التعرض السابق للعنف، وضعف التحكم السلوكي، والضغط النفسي، والأفكار المعادية للمجتمع، وتعاطي المخدرات أو الكحول. وتشمل العوامل الأسرية والاجتماعية: ضعف الإشراف الأبوي، والممارسات التأديبية القاسية أو غير المتسقة، والمشكلات الأسرية، ومرافقة أقران جانحين، والانضمام إلى العصابات، وضعف الارتباط بالمدرسة. أما على مستوى المجتمع، فتشمل عوامل الخطر ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والجريمة وضعف الفرص الاقتصادية.
وتذكر منظمة الصحة العالمية كذلك التعرض للعنف داخل الأسرة، وضعف الرقابة الأبوية، وتعاطي الكحول والمخدرات، ومخالطة الأقران الجانحين، والانضمام إلى العصابات، وسهولة الحصول على الأسلحة النارية، والفقر، والتفاوت في الدخل، إضافة إلى جودة الحوكمة والقوانين ومدى تطبيقها وسياسات التعليم والحماية الاجتماعية.
وبالتالي، قد يشاهد شخصان مشهد العنف نفسه، لكن استجابتهما له تختلف تمامًا. فقد يتعامل الأول معه باعتباره قصة خيالية تنتهي بانتهاء الحلقة، بينما يتفاعل الثاني معه بصورة مختلفة بسبب عمره أو حالته النفسية أو بيئته الأسرية أو تجاربه السابقة أو وجود عوامل خطر أخرى في حياته.

التأثير قد يظهر في نظرتنا إلى المجتمع
حتى عندما لا تدفع المسلسلات المشاهد إلى ارتكاب جريمة، فقد تؤثر في تصوره لمقدار الجريمة والخطر في المجتمع.
فقد بحثت دراسة أجراها جان فان دن بولك عام 2004 العلاقة بين مشاهدة الأعمال التلفزيونية الخيالية والخوف من الجريمة، باستخدام عينة ممثلة ضمت 909 مشاركين من إقليم فلاندرز في بلجيكا. ووجدت الدراسة دعمًا لفرضية الغرس الثقافي، التي تفترض أن كثرة التعرض للصور التلفزيونية قد تؤثر بمرور الوقت في الطريقة التي يتصور بها المشاهد الواقع.

لكن العلاقة بين مشاهدة التلفزيون والخوف من الجريمة ليست بسيطة أو ثابتة في جميع الأبحاث؛ فقد توصلت دراسات أخرى إلى اختلافات في حجم العلاقة واتجاهها بحسب نوع البرامج، وطبيعة الجمهور، والتجارب الشخصية السابقة مع الجريمة. ولذلك يمكن القول بحذر إن بعض المحتوى الدرامي قد يؤثر في مخاوف المشاهدين وتقديرهم للخطر، لكن لا يمكن افتراض أن هذا التأثير يحدث بالطريقة نفسها لدى الجميع.

وقد يكون لطريقة تقديم الشخصيات دور مهم أيضًا. فكلما ظهر العنف على أنه مبرر أو خالٍ من العواقب، وكلما قُدم المجرم بصورة جذابة مع إهمال معاناة الضحايا، زاد احتمال تماهي بعض المشاهدين مع الشخصية أو تقبلهم لمبرراتها. ومع ذلك، يحتاج قياس انتقال هذا التماهي إلى جريمة فعلية إلى أدلة أقوى من مجرد ملاحظة الإعجاب بشخصية درامية.

مسؤولية مشتركة لا تعني الرقابة المطلقة
لا تستدعي مواجهة التأثيرات المحتملة منع مسلسلات الجريمة أو إلغاء الأعمال التي تحتوي على العنف. فقد تناقش هذه الأعمال قضايا اجتماعية مهمة، وتكشف آثار الجريمة، وتعرض معاناة الضحايا، وتدفع الجمهور إلى التفكير في أسباب العنف وسبل الوقاية منه.

لكن التعامل المسؤول مع هذا المحتوى يبدأ من الالتزام بالتصنيف العمري، وتقديم تحذيرات واضحة، وتجنب تمجيد الجريمة بوصفها طريقًا سهلًا للثروة أو الشهرة، وعدم عرض تفاصيل خطرة لا تخدم السياق الدرامي. كما ينبغي ألا تقتصر القصة على ذكاء المجرم وخططه، بل تُظهر أيضًا العواقب الواقعية للجريمة على الضحايا والأسر والمجتمع.

أما بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين، فلا تكفي الرقابة وحدها؛ بل يحتاجون إلى حوار يساعدهم على فهم الفرق بين البناء الدرامي والواقع، ومناقشة دوافع الشخصيات ونتائج أفعالها، وعدم التعامل مع الشاشة بوصفها مصدرًا محايدًا للقيم والسلوك.

لا تقدم الأدلة العلمية المتاحة أساسًا قويًا لتحميل المسلسلات وحدها مسؤولية ارتفاع معدلات الجريمة في المجتمع. فالدراسات التي وجدت تأثيرات للمحتوى العنيف تناولت في الغالب الأفكار أو المشاعر أو السلوكيات العدوانية، وهي نتائج تختلف جذريًا عن ارتكاب جريمة خطيرة أو ارتفاع معدل الجرائم على مستوى دولة أو مجتمع.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار المحتوى الدرامي بلا تأثير. فقد يمثل التعرض المتكرر للعنف عامل خطر محدودًا لدى بعض الأشخاص، وخصوصًا الأطفال والمراهقين والأشخاص الذين تحيط بهم عوامل نفسية أو أسرية واجتماعية أخرى. وقد يؤثر أيضًا في مستوى التعاطف مع الضحايا، أو في الخوف من الجريمة، أو في تقبل بعض الصور والمبررات المرتبطة بالعنف.

أما الحالات التي يصرح فيها مجرم بتأثره بمسلسل معين، فهي تستحق الانتباه والتحقيق، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن العمل الدرامي كان السبب المباشر للجريمة. فالمسلسل قد يقدم فكرة أو نموذجًا أو صورة جذابة للعنف، لكنه لا يصنع المجرم من فراغ.

لذلك، فإن السؤال العلمي الأدق ليس: (هل تسبب المسلسلات الجريمة؟)، بل: متى يصبح المحتوى العنيف عامل خطر، ومن هم الأشخاص الأكثر قابلية للتأثر به، وما الظروف التي تحول المشاهدة من تجربة ترفيهية إلى تأثير سلبي
في النهاية، تبقى الشاشة مؤثرًا ثقافيًا قادرًا على تشكيل الأفكار والانطباعات، لكنها ليست المتهم الوحيد في قضية الجريمة. فالعنف ينشأ من شبكة معقدة من الظروف والدوافع والعوامل الفردية والأسرية والاجتماعية. ومن ثم، لا تكون المواجهة بإدانة الدراما أو تبرئتها بالكامل، بل بصناعة محتوى أكثر مسؤولية، وتعزيز وعي المشاهد، وحماية الفئات الأصغر سنًا، ومعالجة الأسباب الحقيقية التي تجعل العنف ممكنًا. فالوقاية من الجريمة لا تبدأ عند عرض المشهد وحده، وإنما تبدأ من الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتستمر طويلًا بعد انتهاء الحلقة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد