طقوس الاستهلاك في زيّ أبيض

طقوس الاستهلاك في زيّ أبيض

19-09-2026 02:47 PM

في ليلة 18 أيلول 2026، تحوّلت واحة أيلة في العقبة إلى مسرح لاستعراض اجتماعي غريب؛ آلاف الشباب والشابات يرتدون الأبيض طواعية، دفعوا مبالغ طائلة ليهتفوا لفنان لم يعد يمثّل سوى نموذج لاستهلاك ثقافي فارغ. ما حدث ليس مجرّد حفل غنائي، بل كان بيانا صريحا عن تحوّل جزء من جمهورنا إلى سلعة في سوق الترفيه العالمي، حيث يُشترى الوهم بـ450 دينارا، ويُباع الوعي بثمن بخس.

اشتراط اللباس الأبيض لم يكن تفصيلً جماليا عابرا، بل كان اختبارا طوعيا للانقياد؛ فحين يوافق الشاب الأردني على ارتداء زي موحّد من منظمي الحفل، فهو لا يمارس حرية اختيار، بل يمارس طقوسا تشبه الولاء الرمزي لنموذج استهلاكي دخيل؛ هذا الانصياع الجماعي لشرط لباس موحد يعكس تراجعا في الفردية النقدية، وتحولا إلى كتلة متجانسة تستهلك ما يُقدَّم لها دون سؤال عن القيمة أو الرسالة.

السعر المرتفع للتذكرة — الذي وصل إلى 425-450 دينارا للفئات المميزة — ليس مجرد رقم، بل هو مؤشر على تحوّل الفن إلى سلعة نخبوية تُباع لمن يدفع أكثر، لا لمن يستحق أجمل تجربة ثقافية؛ في بلد يعاني فيه الشباب من بطالة مرتفعة وتحدّيات اقتصادية جمة، أن يدفع شاب 450 دينارا لحضور حفل لفنان لا يقدّم سوى أغاني استهلاكية متكررة، هو إهانة مزدوجة: إهانة لجيبه، وإهانة لوعيه.

لا أحد ينكر أن لعمرو دياب مكانته في تاريخ الغناء العربي، لكن تحويله إلى "نموذج" يُحتذى به في 2026 هو إشكالية بحد ذاتها؛ فنّ دياب في مرحلته الحالية لم يعد يقدّم رسالة فنية عميقة، بل تحوّل إلى منتج استهلاكي يكرّر نفس الصيغ نفسها لعقود؛ وحين يصبح هذا النموذج هو المثل الأعلى للشباب فهذا يعني أن ذائقتهم الفنية قد تآكلت، وأنهم لم يعودوا يميّزون بين الفن الجاد والفن الترفيهي السطحي.

الرسالة واضحة: نحن لسنا ضد الفرح ولا ضد الحفلات ولا ضد الفن؛ لكننا ضد تحويل الفن إلى أداة لتمييع الوعي وضد تحويل الشباب إلى مجرد أرقام في كشوفات الحضور. الفن الجاد هو الذي يثير السؤال، لا الذي يكرّر الإجابات الجاهزة؛ والفن الملتزم هو الذي يحترم عقل المتلقي، لا الذي يستغل جيبه.

في النهاية، السؤال الجوهري ليس عن عمرو دياب، بل عنّا نخن؛ هل نريد أن نكون جمهورا واعيا يختار فنّه بعقل، أم سلعة استهلاكية تُباع وتُشترى بزيّ أبيض وسعر مرتفع؟ الجواب على هذا السؤال سيحدّد ليس فقط مستقبل فننا، بل مستقبل هويتنا الثقافية جمعاء.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد