حتى لا نكرّر غلطة الكويت عام 1990

حتى لا نكرّر غلطة الكويت عام 1990

11-03-2026 02:07 AM

عام 1990 غزا العراق الكويت واحتله بالكامل وأعلنه المحافظة رقم 19 للجمهورية العراقية. لم يقبل العالم بما حدث وانبرت الولايات المتحدة لتقود جهدا دوليا محموما لدفع الرئيس صدّام حسين لسحب قواته مع التهديد الصارم باللجوء إلى القوة، إن هو أبى، وهذا ما حصل في النهاية بخسائر جسيمة قصمت ظهر العراق والمنطقة إلى اليوم.
في تلك الأجواء، اصطفت في البلاد العربية دول وأحزاب وشخصيات عديدة ورأي عام ضد ضرب العراق ودانوا العجرفة الأمريكية والغربية في التعامل مع ما قام به عكس ما تفعله مع الاحتلال الإسرائيلي القائم منذ عقود. كل ذلك كان مفهوما، ولكن ما لم يكن مفهوما أن الحماسة في الإعراب عنه أنسى هؤلاء جميعا أن هناك بلدا عربيا اسمه الكويت أُبتلع بالكامل من جار عربي وكأن الحدث تفصيل بسيط إذ المهم يبقى بالنسبة إلى كل هؤلاء هو الوقوف مع بغداد ضد واشنطن.
وكأني بهذا المنطق الأعوج يطل برأسه من جديد بعد 35 عاما في قضية العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران والذي جعل كثيرين ممن لا ينظرون إلى الأمور إلا بعين واحدة يرون في عدوان طهران على جيرانها العرب وإمطارهم بالصواريخ والمسيّرات تفصيلا بسيطا هو الآخر فكان أن استنكروا، عن حق، العدوان الأول وأهملوا، عن غير حق، عدوانا آخر. والنتيجة أن سقط كثير من هؤلاء في ما سقط فيه غيرهم من قبل بشأن العراق.
الأمرّ من ذلك أن الأمور قبل عقود وصلت حد الشماتة والتشفي في الكويت وأهلها، وها هي اليوم تصل إلى ذات الدرك تقريبا مع كل دول الخليج العربية، بحجة إيوائها لقوات أمريكية وانطلاق هجمات على إيران من أراضيها، مع أن ذلك لم يكن دائما صحيحا أو دقيقا. ومن بين هذه الدول من كانت له أفضل العلاقات مع طهران وظل يسعى بلا كلل إلى تجنب ضربها مثل سلطنة عمان ودولة قطر، وأيضا من لم تكن له مثل هذه العلاقات السياسية الجيدة مقابل علاقات تجارية ومالية قوية مثل دولة الإمارات.
وكما استاء أهل الكويت قبل عقود تستاء كل دول الخليج العربية اليوم، بمواطنيها والمقيمين على أرضها، مما يرونه خطأ فاحشا في تقدير الأمور جعل هؤلاء يدافعون عن قضية عادلة بالتوازي مع طمس أخرى عادلة هي الأخرى لكنهم لا يرونها كذلك، وكأن عدالة الأولى لا تكتمل إلا بهضم جانب الثانية. وكما دفعت دول وأحزاب وشخصيات ثمن ذلك الموقف وقتها فمن غير المستبعد أن يحصل نفس الشيء قريبا مع من دان العدوان على إيران والتزم الصمت عن عدوانها على جيرانها.
وقوف نتنياهو جنبا إلى جنب مع ترامب في الحرب الظالمة على إيران فاقم الأمور حتى بدت أن أي ملاحظة أو عتاب أو إدانة لسلوك إيراني قديم أو جديد وكأنه اصطفاف مع هذين الشخصيتين وهذا غير صحيح بالتأكيد. بوصلة العرب ضد إسرائيل وأمريكا لها وجاهتها طبعا ولكن من غير العدل أن تقود إلى طمس جوانب أخرى لمجرد أن إسرائيل أو أمريكا طرفان فيها بشكل أو بآخر. ما المشكل في أن تكون ضد العدوان على إيران وفي نفس الوقت ضد عدوانها على دول الجوار، تماما كما كنت في السابق ضد اصطفافها مع بشار الأسد ومشاركته تقتيل مئات الآلاف من السوريين؟! لاسيما وأن ضرر صواريخ طهران ومسيراتها ضد هذه الدول أكبر من نفعها، فحتى لو أصابت قوات أو قواعد أمريكية في تلك الدول فهي ليست بنفس الأهمية التي للبوارج الحربية وحاملات الطائرات الأمريكية في المياه الخليجية التي لم يصبها شيء ذو بال، ثم إن هذه الصواريخ والمسيّرات الإيرانية لم تفعل سوى قلب المزاج الرسمي والشعبي الخليجي ضد طهران وهي أحوج ما تكون لمؤازرة جوارها وتعاطفه، كما أنها قد تؤدي إلى الانخراط المباشر لهذا الجوار في الحرب، كما تحاول أوساط أمريكية بخبث الدفع نحوه فتصبح المصيبة أعظم لإيران ولكل المنطقة، وستترك ندوبا أعمق وأقسى مما تركته الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت عبثا لثماني سنوات (1980- 1988).
إن إيران وهي تسعى من خلال صواريخها ومسيراتها على دول الخليج العربية إلى ما تسميه رفع تكلفة الحرب على الجميع وخلق أزمة طاقة عالمية تدفع نحو السعي إلى وقف الحرب قد تصل في النهاية إلى عكس ما تريده، ليس فقط بتعميق أزمة الثقة بينها وبين محيطها العربي، وإنما أيضا بدفع هذه الدول إلى مزيد من الخوف والتسلح واستنزاف خيراتها مع الترويج الخبيث الذي تلجأ إليه أوساط غربية عدة من أن إيران هي الخطر الأشد على هذه الدول وليس إسرائيل التي يجب التطبيع معها.
كره من يعتدي الآن على إيران ويروّع أهلها ويقتل أطفالها في مدارسهم، وواجب الوقوف معها ضد عدوان أمريكي إسرائيلي ظالم، يجب ألا يصيب البعض بعمى ألوان يحول دون إدانة عدوانها هي الأخرى على جوارها العربي بحجج شتى، وكما قال الله في كتابه العزيز “ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى”.

٭‭ ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬تونسي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء