عوالم افتراضية

عوالم افتراضية

12-06-2026 12:51 AM

شاهدت مؤخراً فيلم Ladies First أو «السيدات أولاً» الذي عرض في مايو 2026 وهو من إخراج البريطانية تيا شاروك، والذي يحكي قصة رجل متطرف في ذكوريته وفي تسليعه للنساء وفي استخدامه اللهوي لهن، ويجد نفسه بين يوم وليلة قد انتقل إلى عالم غريب تنعكس فيه القيم الذكورية والأنثوية تماماً، ليلحى هو كل الاضطهاد الذي كان يعرّض النساء له. فبعد حادثة اصطدام بعمود حديدي في الشارع نظراً لتتبعه النهم لامرأة تمر من أمامه، يصحو هذا الرجل من إغماءته ليجد الدنيا وقد انقلبت تماماً، لتصبح السكرتيرة المسنة التي كان يداعبها غزلاً صباح كل يوم في الشركة التي يعمل بها وقد أصبحت مالكة الشركة، والموظفة التي عينها شكلياً لتسد بنداً جندرياً قد تحولت إلى مديرة الشركة.
تتعاكس الأدوار والسلوكيات التابعة لها من خلال أحداث هذا الفيلم، لنجد المديرة قد ملأت طاقم العمل الخاص بها بالنساء، محولة الرجل إلى ذلك الرقم الإحصائي الذي يسد البند الجندري. تظهر المجموعة النسائية القيادية، وهي تجلس في اجتماع متداولة، كيفية عمل إعلان لمنتج رجالي، فيما تمنع المجموعة الرجل الوحيد في المجموعة، الذي يفترض أنه وحده القادر على إعطاء تقييم حقيقي للإعلان وللتفاعل الرجالي، من إطلاق صوته بأي رأي. وما إن يحاول إبداء ملاحظة، حتى تتعالى السخرية من رأيه ومن محاولته إبداءه لهذا الرأي أصلاً. تتوالى أحداث الفيلم لتُبادل اجتماعياً وعلمياً وسياسياً كل المواقع الرجالية والنسائية، ولتُبرز الصورة القبيحة للتعامل العنصري المتطرف مع النساء في مجتمعات العالم «الحقيقي»، ولتضخم الأنماط العنصرية والاستغلالية السلوكية تجاه النساء، التي عادة ما تأخذ صوراً واضحة بينة أحياناً وأخرى خفية غير ظاهرة للعيان في أحايين أخرى.
ليس هذا الفيلم الأول من نوعه من حيث تقديمه عالماً افتراضياً متبادل المواقع، فأداة التبادل أو العبور cross هي أداة أدبية قديمة مستخدمة في عدد كبير من الأعمال الأدبية والسينمائية، التي تستهدف توضيح قبح التعامل العنصري المتطرف تجاه جنس، أو لون، أو تصنيف جندري أو عرقي من خلال عكس الأدوار وتبديل الحظوظ والأقدار في عوالم افتراضية غريبة، عوالم تستجلب ما اعتاده وعينا وأسماعنا وأنظارنا من تطرفات وعنصريات تجاه فئة، لتضرب بها الفئة المضادة، لنتمكن من تمييز كل هذه الكراهيات واستشعار قبحها بعد اقتطاعها من اعتياديتها ووضعها في قالب جديد، قالب يعكس الأدوار ويضع المقهور في دور القاهر والعكس صحيح، لتظهر في النهاية بشاعة الوضع المعتاد الذي انزرع قبوله في اللاوعي البشري على أنه وضع طبيعي، بل وأحياناً محمود.
الكاتبة البريطانية كارول تشيرشل معروفة مثلاً بهذا النمط من الكتابة، حيث تظهر في مسرحياتها النساء في أدوار الرجال والرجال في أدوار النساء، البيض في أدوار السود والسود في أدوار البيض، بل وحتى الكبار في أدوار الأطفال في محاول لإحياء العملية التقييمية للسلوكيات النمطية المعتادة، التي اختبأت كل عنصرياتها وقهرها تحت غطاء هذا الاعتياد. في إحدى مسرحياتها الشهيرة، تقوم الممثلة التي تلعب دور الزوج، بصفع الزوجة التي يلعب دورها ممثل، أي أن الصفعة في القصة تهبط من يد رجل على وجه زوجته، لكنها في الواقع على خشبة المسرح تهبط من يد ممثلة على وجه ممثل. هذا المشهد لطالما تسبب في ربكة مشاعرية كبيرة عند الجمهور المعتاد لصفع الزوج للزوجة، والذي في الوقت ذاته يتألم تماماً من صفع امرأة لرجل بقوة وعنف كهذين.
وفي فيلم White Man’s Burden أو «معاناة الرجل الأبيض» الذي صدر في 1995، يلعب جون ترافولتا دور رجل أبيض في عالم عنصري ضد البيض، يسود فيه السود ويتحكمون في الاقتصاد والسياسة ويتسيدون المشهد اجتماعياً وعرقياً. وعلى الرغم من أن أحداث الفيلم لا تخرج مطلقاً عن تقديم أنماط معتادة تماماً لمعاناة السود في أمريكا وللإهانات والعنف الجسدي واللفظي التي يعانون بشكل يومي، لكن مشاهدة الفيلم كانت تجربة مؤلمة لجمهور لم يعتد مواجهة عنف معكوس كهذا، لا يود التعامل مع درجة قبحه الواضحة تماماً في مرآة العالم الافتراضي الذي «يهبط» بالإنسان الأبيض إلى واقع نظيره الأسود. أما فيلم Love Is All You Need أو «الحب هو كل ما تحتاج» فيقدم عالماً تكون فيه المثلية الجنسية هي الطبيعية، في حين أن المغايرة الجنسية هي «الشذوذ» الذي يحاربه المجتمع ويرفضه وينفر منه. يوضح الفيلم أنماطاً حياتية ومشاعرية تدفع بالمشاهد لمحاولة إعادة الفهم والتقييم، وصولاً للتعامل مع السؤال الإنساني البحت: أليس الحب هو كل ما نحتاج؟
وعودة إلى فيلم «السيدات أولاً»، وفي حين أن فكرته ليست جديدة تماماً، إلا أنه قدم صورة موجعة لأشكال التمييز والتفرقة والقمع والتعدي والتحرش الموجهة كلها تجاه النساء، التي أصبحت كلها تحصيل حاصل، أنماط سلوكية معتادة حد درجة عدم تمييزها، من النساء قبل الرجال. فأن يتغزل الرجل الوسيم الغني في بيئة العمل بالسكرتيرة الكبيرة في السن والفقيرة الحظ في الجمال، إنما يؤخذ هذا السلوك على أنه لطيف كوميدي كريزماتي وليس تعدياً أخلاقياً أو تعالياً سلوكياً على هذه المرأة «المسكينة» طبقاً لمنظور هذا الرجل. يقدم الفيلم صورة مفاجئة معكوسة للأب والأم في المنزل، حيث تجلس الأم على الأريكة بملابس مبهدلة وقد برز بطنها وتراخت جلستها و»استراحت وظائف جسدها» لأقصى درجة في الصورة المعتادة للرجل على أريكته، فيما الأب يدور في المطبخ معداً الطعام الذي تبقى الأم تصرخ عليه للانتهاء منه. في مشهد آخر، نرى مالكة الشركة وقد طلبت الرجل الوسيم إلى بيتها لتأخذ غرضها منه بدافع من مركزها في الشركة وسلطتها، فيما يتبدى قلق الرجل على مصير وظيفته في حال عدم تلبية الدعوة. نرى أيضاً مشاهد لهوس الرجال، في هذا العالم الافتراضي، بالجسد وحرمانهم له من الأطعمة الشهية في محاولة للحفاظ على رشاقتهم، بل وتعريضهم هذا الجسد لصنوف عذاب مؤذية، مثل إزالة الشعر ليوائم هذا الجسد النمط المطلوب. كل صنوف التمييز والاضطهاد والأذى والاستعلاء الجنسي نراها موجهة إبان أحداث الفيلم إلى الرجال، في صورة تنبه إلى أن ما استتب في الوعي على أنه طبيعي وغرائزي ومقبول كسلوكيات وأفكار ومعاملات بل ومزحات كذلك تجاه النساء في عالمنا الحقيقي، إنما هي كلها أبعد ما تكون عن الطبيعية أو العدالة أو احترام الإنسان.
ويبقى أنه مهما قدمت مثل هذه الأعمال الفنية، مهما وضعتنا في مواقع بعضنا بعضاً لنستشعر الآلام والعذابات والاضطهادات، فلن نستطيع فعلياً أن نرى أو نختبر واقع غيرنا إلى الحد الذي يمكننا من فهم التجربة كاملة، لن يستطيع الرجال في يوم رؤية أو اختبار أو فهم الحياة من زاوية المرأة؛ فتلك زاوية شكلتها تجارب غائرة في الزمن وأنماط سلوكية ونفسية مغروسة عميقاً في الوعي البشري، زاوية لن يستطيع الرجل أن يقف فيها لحظياً ليرى الصورة كاملة أو ليستشعر تداعياتها الخطرة على تجربة الحياة، تلك منذورة للمرأة ولا مفر منها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد