إلى أين ينتمي من يرفضون الانتماء
25-07-2026 01:03 AM
بحلول أواخر سبعينيات القرن الماضي، كانت التعبئة اليسارية العلنية في العالم العربي، قد استنفدت زخمها؛ وكانت الأنظمة الديكتاتورية تنضج لتصبح دولاً بوليسية مكتملة الأركان؛ وكان العمل السياسي يضيق سريعاً حتى انحصر في منافسة مصطنعة بين الإسلام السياسي، وما سُمّي بالنظام العربي. وسرعان ما أصبح هذان الطرفان يحددان الخيار الوحيد المتاح لنا. وكما لخّصت آنيا تشيزادلو ذلك بإيجاز في مقال نشرته مجلة «ذي نيشن» عام 2007 بعنوان «رموز الطوائف»:
«مرة أخرى، يواجه لبنان أقدم الخيارات وأكثرها مدعاة للأسى في العالم العربي الحديث: الاختيار بين متشددين دينيين غير ديمقراطيين، ونخبة جشعة وفاسدة، تكاد لا تملك ما تروّج به لنفسها، سوى قدرتها المشكوك فيها على إبقاء أولئك المتشددين تحت السيطرة».
لكن في أمريكا البعيدة، كانت الثمانينيات زمناً حافلاً بالحراك في أوساط الطلاب العرب. كان لكل حزب، أو حركة، أو جماعة، صغيرة كانت أم كبيرة، وسواء كانت تياراً سائداً أو هامشياً، موالية لهذا النظام أو معارضة لذاك، حضور في الحرم الجامعي. وكان كل طالب تقريباً يجد صوته في واحدة منها. وكانت فلسطين، بطبيعة الحال، القضية الأثيرة هناك، كما كانت في الوطن. وكانت تعلو فوقنا كآلهة، طاهرة، سامية، نبيلة. ولم يكن ثمة ما يستقيم، أو يشرف، أو يليق بها، سوى الحب. حبٌ بلا حدود، ولا شروط، ولا مساومة. لم تكن فلسطين، بوصفها القضية الأولى، موضع خلاف لكن، ما إن انتقلت من مرتبة الإجماع إلى ميدان السياسة، حتى اشتبك أوصياؤها المتنافسون على أمّ القضايا، كما لو كانوا ألدّ الأعداء على جبهات حرب لا تنطفئ. وعلى السطح، بدت خطوط الانقسام واضحة: مع الكفاح المسلح أو ضده؛ مع حل الدولتين أو ضده؛ مع الثورة في العالم العربي بوصفها الطريق إلى تحرير فلسطين أو ضدها.. غير أن التفاصيل كانت أعقد بكثير. ففيها تشابكت خيوط السياسة العربية، وتفرعت منها معسكرات لا تُحصى. وإذا كنت طالباً جامعياً في الولايات المتحدة، فالأرجح أنك كنت تنتمي إلى أحدها.
وكانت فلسطين، وإسرائيل، والغرب الاستعماري، وقود معظم السجالات، وكان شعار جمال عبد الناصر الأشهر، «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، يطارد كل موقف سياسي. بالنسبة إلى أحد المعسكرين، كانت المعركة تتقدم على كل ما عداها. أما الحديث عن الاستبداد، والفساد، وسوء الإدارة، والفقر.. فلم يكن، في نظرهم، سوى تشتيت للبوصلة في زمن الصراعات الوجودية، وسوء تقدير للأولويات، وبحثٍ عن أسباب هزائمنا في غير جرائم أعدائنا بحقنا. ومن لم يأخذوا بهذا المنطق عُدوا، في أحسن الأحوال، انهزاميين أو حمقى يتم استغلالهم، وفي أسوأها خونة. أما في نظر خصومهم، فلم يكن أصحاب هذا الشعار، في أحسن الأحوال سوى عقائديين متخشبين، وفي أسوأها، مبررين للاستبداد العربي أو شركاء في تكريسه. مضى التاريخ في طريقه، وتبدلت أزماتنا معه، لكن خطوط الصدع بقيت، إلى حد بعيد، على حالها. وتقدم انتفاضات عام 2011 خير دليل على هذا الاستمرار. فإذا اعتُبرت الثورة السورية، مثلاً، مؤامرةً إسرائيلية أو أمريكية، فقد جُرّدت من فاعليتها، إن لم تُجرَّد من شرعيتها. وغدا القمع الوحشي الذي مارسه بشار الأسد هزيمةً لتلك المؤامرة نفسها. وإن لم يكن المنتفضون شركاء فيها، فهم، في أحسن الأحوال، مخدوعون بها. وما إن انحدرت الثورة إلى حرب أهلية بين نظام الأسد وطيف من الفصائل الجهادية والإسلامية، حتى عاد ذلك الخيار القاسي الذي وصفته تشيزادلو ليفرض نفسه بسرعة مدهشة.
أما أنا، ففي ثمانينيات القرن الماضي، لم أكن أنتمي إلى أيٍّ من تلك المعسكرات. كانت القيم والمبادئ هي البوصلة؛ وما عداها فكان رهن الظرف. وكان الالتزام بقضية مثل فلسطين ثابتاً لا يتزعزع، وغير قابل للمساومة، لكنه لم يكن، في حد ذاته، يملي موقفاً من كل قضية أخرى. وما زلت، حتى اليوم، رحّالةً في السياسة.
أختزل، بقدر كبير من التهور، سجالاً تاريخياً بالغ التعقيد، في محاولةٍ للإجابة، ولو جزئياً، عن أسئلة قراء وأصدقاء تواصلوا معي بشأن مقالي الأخير «من غزة إلى طرابلس: تأملات ودلالات». وقد عرضت فيه معضلةً تتكرر في أكثر من بلد: الغضب من بطش إسرائيل، والسخط على الإخفاق الوطني. واعتبرتُ لبنان واحداً من عدة ساحات في المنطقة تتصارع فيها إسرائيل وإيران على الصدارة، فيما تعيد النخب الحاكمة في هذه الدولة المعتلة المزمنة، بحماسة، أداء دورها التاريخي بوصفها مُيسِّرةً لذلك الصراع، وأدرجتُ حزب الله ضمنها.
«ألستِ مع نزع سلاح حزب الله بوصفه خطوةً لا غنى عنها على طريق استعادة سيادة الدولة؟ أليس هذا هو الخلل الأول الذي ينبغي معالجته على ذلك الطريق؟ أما ترين أن الثيوقراطية مشروعٌ شمولي؟» سأل بعضهم. وحذّر آخرون من أن وصفي حزب الله بأنه خط الدفاع الإيراني المتقدم، يعني تبنّي المصطلح الأمريكي. وجاءت التعليقات والاعتراضات، في معظمها، على المنوال نفسه، كأنها تُلحّ على موقف أكثر حسماً: مع أو ضد. إذ، بطبيعة الحال، لا بد من ذلك في زمن الصراعات الوجودية. أما أن ترفضي الاصطفاف، فهو ترفٌ، لم نكسب حقَّه بعد في هذه المنطقة. ولهم في ذلك بعض الحق. ومع ذلك، فإن رفض الانتماء هو، في جوهره، سعيٌ إلى انتماءٍ آخر، لكن في بقعةٍ محرّمة من الجغرافيا السياسية، في ذلك الفضاء الرحب الواقع خارج سجالٍ لا يقل افتعالاً اليوم عما كان عليه في ثمانينيات القرن الماضي. وبينما كنت أتأمل أسئلة قرّائي، تذكّرت تغريدةً طريفة جداً لميراندا فيداك عن كأس العالم:
«كيف نشرح لأصدقائنا الأمريكيين المنطق الذي يجعلنا نشجع إيران ضد مصر، ثم مصر ضد الأرجنتين، ثم النرويج ضد إنكلترا، ثم إنكلترا ضد الأرجنتين، لكننا نشجع إنكلترا إذا بلغت النهائي ضد فرنسا أو إسبانيا؟».
وانطلاقاً من هذا المنظور، فأنا مع سيادة الدولة، لكن وللأسف، الدولة نفسها ليست كذلك. وأنا مع نزع سلاح حزب الله، لكن ليس بوصفه شرطاً مسبقاً لانسحاب إسرائيل من الجنوب. ولا أعارض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لكن لديّ اعتراض بالغ الجدية على تقديم تنازلات طائشة وخطيرة لها. وأرى أن إقامة حوار بنّاء مع إيران لا تقل أهمية، بل قد تفوقها. وأصنف إسرائيل عدواً، بل عدواً وجودياً. أما إيران، فلا أصنفها كذلك. ولأسبابٍ لا تخفى. وأدرك تماماً مدى خضوع حزب الله لتأثير إيران، تماماً كما أدرك مدى خضوع النخب المتنافسة لنفوذ الخارج. وأسجل على الحزب تواطؤه مع النظام اللبناني المتداعي. وفي تقديري، فقد أضعف هذا التواطؤ، إلى حد لا يُقاس، صدقية المقاومة وفاعليتها. لكنني أعلم أن الدولة وجيشها عاجزان تماماً أمام احتلال إسرائيل للجنوب، وهو ما يجعل الحزب التحدي الوحيد لوجود الاحتلال هناك. وأعدّ ذلك ـ مجرد واحد من مآزقنا اللبنانية الكثيرة- معضلةً بحد ذاته.
أقف مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وأقف مع الشعب الإيراني في مواجهة الجمهورية الإسلامية. وأرى أن الثيوقراطية ربما تكون أسوأ نماذج الحكم، سواء كانت إسرائيلية أو إيرانية أو غير ذلك، (ونعم، أقصد «إسرائيلية» عن عمد). لكنني أعتقد، بكل ثقة، أن الفصل العنصري، والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، تروي حكايةً أشد إدانة، بما لا يقاس، عن مرتكبيها. ولا أريد أن أعيش تحت رحمة إيران أو إسرائيل، مع إدراكي للفارق النوعي بينهما. وهذا أيضاً خيارٌ أرفضه رفضاً قاطعاً.
وهكذا سأبقى رحّالةً في السياسة.
كيف يواجه آلاف المصابين في غزة معركة الأطراف الصناعية؟
كيف يرى ترامب خريطة النفوذ الأمريكي؟
10 وفيات بحادث سير مروع في الجزائر
المنتخب الوطني يحصد فضية بطولة غرب آسيا للسيدات للكرة الطائرة
بعد الاعتداءات الحوثية .. الأردن يعلن تضامنه مع السعودية
مستوطنون يعتدون على فلسطينيين ويجرفون أراضيهم
رصد بالونات وإسقاطها في الأراضي الأردنية .. ماذا تحمل
حرائق وعشرات الإصابات بهجمات حوثية على السعودية .. التفاصيل
أسعار النفط تواصل الارتفاع مع احتدام الصراع بالمنطقة
ميدانياً وبالكميرات .. تكثيف الرقابة على شوارع عمان وتحذير من المخالفات
انطلاق دوري أبطال أوروبا اليوم .. جدول المباريات والمواعيد
ارتفاع طفيف على أسعار الذهب عالمياًً
كيف ستكون الحالة الجوية نهاية الأسبوع في المملكة
إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً
تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة
فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها
من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟
إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي
تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده
توضيح من الملكية بشأن حركة الطيران ومواعيد الرحلات
مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند
تفاصيل جديدة حول حادث سيناء المروع الذي قضى به 10 أردنيين .. صور
بسبب وجود تهديد .. رسائل تحذيرية على هواتف مواطنين بالأردن
مجلس الوزراء يقر حزمة قرارات تشمل التعليم والطاقة والطفولة والجامعات
بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟
من 33 نهاراً إلى 17 ليلاً .. تغير ملموس على أجواء الأردن
فواجع مأساوية وحوادث تهز الشارع الأردني خلال أسبوع .. صور وتفاصيل
من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله