الديمقراطية السويدية: تراجع الإيديولوجيا لصالح التحالفات
06-09-2026 04:56 PM
السويد على موعد مع الانتخابات البرلمانية، إلى جانب انتخابات الأقاليم والبلديات التي ستجرى في الثالث عشر من الشهر الجاري؛ بينما بدأ التصويت المبكر في السادس والعشرين من الشهر الماضي، وسيستمر إلى يوم الانتخابات العامة.
تكتسي الانتخابات السويدية في هذه الدورة أهمية خاصة من جهة طبيعة التحالفات التي تسبق عادة الانتخابات، وعدم معرفة ماهية التحالفات التي ستكون لتشكيل الحكومة؛ وهناك تصريحات علنية، وأخرى ضبابية، يُستنتج منها أن الاعتبارات الإيديولوجية لن تكون هي الحاسمة في عملية تشكيل الحكومة، بل سيكون للتوجهات والمواقف الوسطية، التي ستجمع بين يسار الوسط والوسط وربما يمين الوسط، الثقل الأساسي، وذلك له علاقة مباشرة بالظروف الإقليمية والدولية التي لا تستطيع السويد عزل نفسها عنها، والتصرف وكأنها لا تعنيها.
فزعيمة حزب العمال الديمقراطي الاجتماعي ماجدلينا أندرسون (وهو أكبر حزب في المعارضة، وصاحب المركز الأول في جميع استطلاعات الرأي التي جرت حتى الآن لمعرفة حجم التأييد الذي يحظى به كل حزب بين أوساط الشعب، كما أن ماجدلينا نفسها هي الزعيم السياسي الأكثر شعبية بناء على كل استطلاعات الرأي)، تصرّح دائماً أنها لا تسدّ الأبواب أمام أي حزب، ما عدا حزب ديمقراطيي السويد، يريد التعاون معها لتشكيل الحكومة شرط الموافقة على برنامج واضح والالتزام به لمصلحة السويد والسويديين.
وهذا فحواه أن هذا الحزب على استعداد للعمل حتى مع حزب المحافظين الذي يقود الحكومة حالياً. كما أن حزب الوسط الذي هو في الأصل حزب برجوازي يبدي استعداده للتعاون مع الحزب الاشتراكي لتشكيل الحكومة شرط استبعاد الحزب اليساري الذي ما زالت الاعتبارات الإيديولوجية تحدد مواقفه في العديد من المسائل المرتبطة بالسياسات الخارجية وحتى الداخلية.
ومن جهة أخرى، لمح الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي يعد حاليا الحليف الأساسي لحزب المحافظين في الحكومة، أكثر من مرة إلى إمكانية قيام تعاون بينه وبين الحزب الديمقراطي الاجتماعي بعد الانتخابات، وهذا معناه أن التحالف الحكومي الحالي قد يفقد تماسكه إذا أخفق في الانتخابات، كما أن تحالف المعارضة الراهن لن يشكل الحكومة بكل أعضائه، حتى ولو نجح في الانتخابات.
أي أن الحكومة السويدية المقبلة ستكون تكتلاً جديداً هجيناً، إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، يأخذ بعين الاعتبار الأحجام الحزبية التي ستفرزها الانتخابات؛ ولكنها ستكون حكومة تحظى بقدر أكبر من المرونة للتعامل السريع الفاعل مع المتغيرات الجيوسياسية التي تحدث، وقد تحدث، في الجوار السويدي الإقليمي، وعلى المستوى الدولي.
فالحرب الروسية على أوكرانيا ما زالت مستمرة منذ 24 شباط/فبراير عام 2022. وهي الحرب التي لا تبدو في الأفق حتى الآن أي إشارات أو ملامح توحي بأنها قد أصبحت في مراحلها الأخيرة. والرئيس الروسي بوتين ما زال يعتبر هذه الحرب، التي تجاوزت كل حساباته، مسألة شخصية تمس سمعته واعتداده بنفسه. وهو يراهن على جغرافية روسيا الهائلة، وعدد سكانها وترسانة أسلحتها. وبناء على ذلك لن يتخذ قراراً بإيقاف الحرب المعنية ما لم يحصل على ما يُرضي غروره الشخصي، ويُضفي عليه هالة من القداسة القومية الدينية أمام الشعب الروسي الذي يعيش في واقع الحال اغتراباً مزدوجاً تجاه ماض إمبراطوري يفتخر به، خاصة على صعيد الإنجازات الروسية التي كانت بفضل المتميزين الروس في مختلف الحقول، خاصة ما يتصل منها بالتراث الإنساني الأدبي والعلمي والثقافي بصورة عامة؛ ولكن الشعب الروسي يعاني في الوقت ذاته من اغتراب، ناجم عن سوء الإدارة السياسية يتمثّل في خلوّ حاضره من أي إنجاز حقيقي في ميادين العلم والتكنولوجيا، وواقع مفعم بالقمع والفساد ومقيّد بإجراءات بيروقراطية صارمة تسد أمامه الآفاق.
وهذه الحرب، التي تجري ضمن المجال الحيوي الخاص بالسويد ودول الشمال الأوروبي، لا تمثل تفصيلاً بسيطاً عابراً بالنسبة إلى السويديين ودول الشمال على وجه التخصيص، والأوروبيين بصورة عامة. فإلى جانب ما تسببت فيه هذه الحرب من استنزاف للطاقات والموارد الأوروبية؛ وما ترتّب عليها من صعوبات اقتصادية معيشية، فإنها تشكّل بالنسبة إليهم تحدّياً وجوديا تنذرهم بمخاطر كبرى جدية، تهدّد استقرارهم المجتمعي، وأنظمتهم الديمقراطية التي أسست ورسخت نظام الرفاه المجتمعي، وهو النظام الذي يضمن الحياة الحرة الكريمة للجميع، ومن دون أي تمييز بين المواطنين سواء من الأصليين والجدد، والمقيمين، من مختلف الانتماءات الدينية والمذهبية والقومية والتوجهات السياسية.
وما يثقل كاهل الأوروبيين أكثر هو تنصّل أمريكا ترامب من التزاماتها الدفاعية تجاههم، وحرصها على مصالحها الاقتصادية أولاً عبر اعتماد سياسات جمركية جديدة تعرقل التجارة الحرة بين أوروبا والولايات المتحدة، ومطالبات تمييزية لصالح الشركات الأمريكية؛ وكل ذلك، وغيره، يدفع بالأوربيين للتفكير في التوجه نحو تنويع المسارات والخيارات، وذلك استعدادا لما هو أسوا في أجواء السياسات المزاجية المضطربة التي يعتمدها الرئيس ترامب مع الأوروبيين. وقد تجلّت هذه السياسات في أكثر من خطوة وأكثر من تصريح، خاصة في ما يتصل بغرينلاد، وبرغبته، بل وحتى ادعائه بحقه في الاستيلاء على الجزيرة استعداداً لتحوّلات بيئية وعسكرية وتجارية مستقبلية في منطقة القطب الشمالي.
ولا يُعد من باب المبالغة إذا ما قيل أن القادة الأوروبيين الحاليين ينتظرون بفارغ الصبر خروج ترامب من البيت الأبيض، ويتمنّون ضعفه في الانتخابات الأمريكية النصفية التي ستكون بعد نحو شهرين. تماما مثلما يتمنى ترامب ضعفهم في الانتخابات التي ستشهدها العديد من الدول الأوروبية هذا العام أو العام القادم. فهو يراهن على تقدّم اليمين العنصري المتشدد في أوروبا، وقد صرح بذلك علناً في أكثر من مناسبة، بل ثبّت هذا التوجه في استراتيجياته الدفاعية التي أعلن عنها في بداية هذا العام.
ولعل هذا ما يفسر نزوع الأوروبيين باتجاه الاستثمار في الصناعات الدفاعية، والتعاون في مجالات بناء المنظومات الدفاعية المتطورة، والتدريب، وتبادل أحدث الخبرات في مجال التكنولوجيا العسكرية. والسويد من جهتها ماضية في تعزيز قدراتها الدفاعية، وهي تتعاون بصورة خاصة مع فرنسا في هذا المجال، ووقّعت خلال زيارة ماكرون الأخيرة إليها عقداً غير مسبوق تمثل في التوافق على شراء أربع فرقاطات متقدمة من فرنسا تمكّن السويد من تعزيز دفاعاتها على حدودها الشرقية، وذلك تحسبا لأي تهديدات روسية بأي شكل من الأشكال. ويبدو أن ماكرون من ناحيته كان سعيداً بهذه الصحوة الاسكندنافية، وهو الذي طالب أكثر من مرة بضرورة بناء قوة دفاعية أوروبية خاصة، تلتزم بالدفاع عن المصالح الأوروبية.
وعلى صعيد آخر جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتثقل كاهل الأوروبيين أكثر من خلال زيادة تكاليف الطاقة، وانعكاسات ذلك على ارتفاع الأسعار، ونسب التضخم، وزيادة عدد العاطلين عن العمل خاصة بين الفئات الشبابية من المواطنين والمقيمين.
وقد استغلت الحركات القومية الأوروبية المتشددة هذه الأوضاع، كما استغلت أزمة اللاجئين التي تعاني منها العديد من الدول الأوروبية، لا سيما ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا والسويد وغيرها، واستثمرت في بعض العمليات التي تعرّضت لها دول أوروبية وتبنتها الجماعات الإسلاموية المتشددة؛ كما استفادت الحركات المعنية من اخفاق الحكومات الأوروبية في مواجهة جرائم العصابات المنظّمة بين صفوف المهاجرين؛ وشنت بناء على كل ذلك حملة دعائية مركزة على المهاجرين، خاصة القادمين من الدول الإسلامية؛ وتلقت هذه القوى القومية اليمينية المتشددة الدعم المعنوي الواضح والصريح من الرئيس الأمريكي ترامب الذي عبّر، وفي أكثر من مناسبة، عن امتعاضه من السياسات «الساذجة» التي يعتمدها الأوروبيون مع موضوع الهجرة، وعلّق آماله على جهود تلك القوى المتشددة الرامية إلى سد الأبواب أمام المهاجرين غير المرغوب فيهم، وفرض شروط تعجيزية على الذين وصلوا إلى الداخل الأوروبي ويطالبون بالإقامات الدائمة أو الجنسية.
واليوم باتت قضية اللاجئين من القضايا الانتخابية الملحّة في السويد وغيرها من الدول الأوروبية خاصة في ألمانيا وفرنسا؛ وقد أدى ذلك إلى تحولات نوعية في مواقف الأحزاب الأخرى، بما فيها أحزاب الوسط ويسار الوسط، من قضايا اللاجئين والهجرة عموماً، تمثلت في الموافقة على فرض شروط قاسية للموافقة على طلبات الإقامة الدائمة والجنسية؛ هذا رغم أن الكثير من الدراسات البحثية ذات المصداقية قد أكدت حاجة المجتمعات الأوروبية الهرمة، ومنها المجتمع السويدي، إلى العمالة المؤهلة الفتية الوافدة لتعويض النقص الحاصل بفعل تراجع أعداد الولادات وتزايد أعداد المسنين.
بقي ان نقول: إن النظام السياسي في السويد هو من أكثر الأنظمة الديمقراطية، على الرغم من الثغرات، نضوجاً واستقراراً على المستوى العالمي، ويمتلك الأدوات التي تمكّنه من تجاوز أخطائه وثغراته وتجديد ذاته. فبموجب الترتيب الذي أصدره هذا العام معهد أنواع الديمقراطية السويدي V. Dem Institute المختص بدارسة أوضاع الأنظمة الديمقراطية على المستوى العالمي بناء على مئات المؤشرات، تحتل السويد المركز الثاني بعد الدانمارك التي تعد الأولى على المستوى العالمي من بين الدول التي تتوفر فيها شروط الديمقراطية الليبرالية غير الناقصة، وهي الديمقراطية التي تقوم على حكم القانون عبر المؤسسات، وتضمن الحريات الشخصية، وتمكّن المواطنين من التعبير عن آرائهم بكل حرية؛ هذا إلى جانب معايير أخرى كثيرة يدرسها الخبراء المختصون بدقة في المعهد المذكور قبل تحديد موقع هذه الدولة أو تلك ضمن القائمة التي تحدد وضعها بناء على المعايير الديمقراطية التي يعتمدها المعهد. هذا بينما تراجع موقع الولايات المتحدة ضمن الترتيب المشار إليه من المركز 20 إلى المركز 51 من بين 179 دولة شملها الترتيب خلال العام المنصرم. وفي الوقت ذاته، ذهب تقرير المعهد نفسه إلى أن الديمقراطية في الولايات المتحدة قد أصبحت مجرد ديمقراطية انتخابية لا تراعي القيم الليبرالية.
أما على المستوى العالمي فقد تراجعت الأنظمة الديمقراطية بصورة عامة، وفق تقرير المعهد المشار إليه، واليوم يخضع حوالي ثلاثة أرباع السكان في العالم لحكم أنظمة شمولية استبدادية أوتوقراطية بدرجات وأسماء مختلفة.
هل ستنتصر إرادة الشعوب أم سيشهد العالم المزيد من الأنظمة الشمولية؟ هذا هو السؤال الذي يستوقف ويستحق التمعّن والتفكير.
الحرس الثوري الايراني يستهدف منطاد مراقبة أمريكي
الملك يتقبل أوراق اعتماد عدد من السفراء
السودان: نزوح 1690 شخصا السبت من قرى بالكرمك
المستقلة للانتخاب تنشر مسودة خطتها الاستراتيجية 2027 - 2029
بين شمشون وكانط: نتنياهو والخشب المعوجّ
الديمقراطية السويدية: تراجع الإيديولوجيا لصالح التحالفات
جماعة الحوثي تزعم استهداف اجتماع سعودي بصاروخ باليستي
الأردن على موعد مع أكبر حدث للفنون القتالية المختلطة في تاريخه
الطفولة المبكرة تخصص جديد في الاغوار الشمالية
القاضي يتسلم نسخة من التقرير السنوي لحالة حقوق الإنسان في المملكة
الأردن يستثمر بطولة آسيا للكراتيه في الترويج لمواقعه السياحية
إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً
لتجنب إشارة التسفير .. تحذير مهم للعمالة غير الأردنية
العثور على جثة مواطن داخل مركبته مقتولا بالرصاص جنوب اربد
من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟
تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده
مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند
جامعة تُلزم العاملين بدفع رسوم رغمًا عنهم
بسبب وجود تهديد .. رسائل تحذيرية على هواتف مواطنين بالأردن
بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟
تفاصيل جديدة حول حادث سيناء المروع الذي قضى به 10 أردنيين .. صور
توضيح من الملكية بشأن حركة الطيران ومواعيد الرحلات
من 33 نهاراً إلى 17 ليلاً .. تغير ملموس على أجواء الأردن
الجيش يُسقط 8 صواريخ اخترقت أجواء الأردن
فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها
بطريقة رومانسية .. خطوبة النجمين الأردنيين النجار والعوضي تتصدر