ورطة الجنس البشري فيما بين الهيومانويد والسايبورغ

ورطة الجنس البشري فيما بين الهيومانويد والسايبورغ

05-09-2026 12:47 AM

كل من شاهد دورة الألعاب المخصصة للروبوت الهيومانويد أصابته دهشة بالغة. فقد رأى الروبوت في مضمار السِّباق يُسرع وينطلق، لدرجة أن الفائز كانت سرعته تفوق سرعة زورق عالي السُّرعة. وفي ساحة لعب التنس، كان من الصعب التفرقة بين أداء البشر وسرعة وأداء الروبوت، بل إن الروبوت الذي كان يشجعه مشجعات من الروبوت وحكم المباراة نفسه روبوت، كان قادرًا على تسديد الضربات ببراعة، وفاق البشر في فرحته عندما يحرز الأهداف؛ فكان يقفز بسعادة غامرة، وصارعت قفزاته الهواء بارتفاع يقارب بلوغ الدّور الأوَّل لأحد الأبنية. وتكرَّرت المشاهد نفسها في كل لعبة. ومن الملاحظ أنه عند مقارنة الأداء البشري بأداء الروبوت، سيتمّ تفضيل الروبوت الهيومانويد دون أدنى معارضة، مع مراعاة أنّ تطوير ذاك الروبوت لا يزال في مراحله الأولى، حتى الآن.
وكما يتَّضح أن الروبوت صار بشريًا أكثر فأكثر، في حين أن البشر العادي يطمح للتمتُّع بمزايا الروبوت. ومع استمرار تطوُّر علم الروبوتيات، لن تقتصر نظرة الإنسان، سواء أكان من العوام أو العلماء، إلى الروبوت أنه مجرَّد كيان قوامه معادن وإلكترونات؛ بل ستكون هناك محاولات أكثر للاستفادة من مرونته الفائقة. وكذلك، يحاول العلماء تغذية الروبوت بأنسجة عضوية ليضاهي البشر. ومن ثمَّ، سيحاول الإنسان الاستفادة أيضًا من إمكانية التصغير التي تتميز بها الأنسجة الحيوية العضوية التي تم تطويرها من أجل أن يصير الروبوت نموذحًا حيًّا لبشري خارق، وهذا هو المدخل الذي سوف يتحوَّل فيه الإنسان إلى «سايبورج»، أي بشري شبيه بالروبوت.
كل ما قيل سالفاً ليس مجرَّد مزاعم وتكهُّنات بالمستقبل، بل إنها تصريحات منذ خمسينيات القرن العشرين أدلى بها عالم الكيمياء الحيوية وأحد أباطرة أدب الخيال العلمي البروفيسور إيزاك أزيموف Isaac Azimov (1920-1992)، بل أضاف على ذلك قائلًا: «نعيش حاليًا مرحلة تتيح لنا تصنيع البروتينات بأنفسنا، وأتصور أنه بحلول المستقبل، لن نضطر للتعامل مع أنسجة حيوية طبيعية، بل مع أنسجة حيوية مُصنَّعة؛ أي أنسجة يمكننا تنظيمها لأداء وظائف الأنسجة المتخصصة، ولكنها مُنتجة داخل المختبر. وهكذا، ستصبح الروبوتات أقل اعتمادًا على المعادن وأكثر ميلًا للطابع العضوي. وفي الوقت نفسه، سيعتمد البشر بشكل متزايد على أعضاء اصطناعية مصنوعة من المعادن والبلاستيك، مثل القلب والكلى والرئة الاصطناعية، وسيستبدل أيضًا بالعظام بدائل معدنية خفيفة الوزن».
وأنهى تصريحاته بالتأكيد على تطوُّر الروبوت شيئًا فشيئًا ليكون أكثر آدمية، في حين أن البشر أنفسهم بعد تركيب الأجزاء الروبوتية الصناعية بهم، سواء للاحتياج أو لتحسين الوظائف الحيوية لأجسادهم، سيكونون أقرب إلى الروبوت، وهذا هو نموذج السايبورغ المأمول. ومن ثمَّ، سيتلاقى الجنسان على أرض مشتركة ويحدث الانسجام المنشود الذي تزول فيه الحواجز بين البشر والروبوت. وبذلك يتضح أن الإسراع في دفع الروبوت لحياة البشر، الغرض منه وضع الكيانين على قدم المساواة؛ إن لم يكن مخطَّطًا للروبوت أن يحتل مرتبة أعلى نظرًا لكفاءته في تحليل وتنظيم الأفكار والمعلومات في وقت وجيز قد لا يتعدَّى الجزء من الثانية.
ويعدّ أزيموف، بجانب عمله أستاذاً للكيمياء الحيوية، أحد كتَّاب أشهر ثالوث أدب الخيال العلمي آنذاك، الذي ضم المهندس وضابط البحرية الأمريكي روبرت هاينلاين (1907-1988) والكاتب والمذيع الإنجليزي أرثر كلارك (1917-2008). وقد اشترك جميعهم في استشراف المستقبل من منظور علمي، ومحاولة التمهيد للعالم الرقمي الذي نشهده حاليًا؛ حتى يتم الانتقال إليه بسلاسة دون معارضات شديدة، كما حدث في الثورات الصناعية. فقد مهد هؤلاء لظهور الروبوت في حياة البشر وبشروا أنه سيكون جزءاً أصيلاً من البشرية في الحقب القادمة، وقد يصير قائدًا وزعيمًا على البشر. كما ناقشت رواية «الشمس العارية» (1957) التي كتبها أزيموف، وأوضح أن عدد الروبوت على وجه الأرض سيتفوَّق على عدد البشر. ولعل هذه البشرى ستصير في المستقبل القريب حقيقة وأمراً واقعاً، وخاصة بعد إنتاج الروبوت بأعداد مذهلة تفوق ما قد يتحمَّله اقتصاد الدول المنتجة. أضف إلى ذلك، تصنيع وتشغيل الروبوت الهيومانويد والأجهزة التي تدمج بداخلها الذكاء الاصطناعي، والتي تفشَّت كالنار في الهشيم، تستنزف الموارد الطبيعية، وعلى رأسها المياه، ما يجعلها مصدر تهديد مباشر للبشرية خلال العقود القليلة القادمة.
كان إيزاك أزيموف غزير الإنتاج العلمي والأدبي، لدرجة أن مؤلَّفاته وصلت إلى (400) مؤلَّف تنوَّعت بين روايات وقصص قصيرة في مجال الخيال العلمي، وكذلك كُتُب وأبحاث علمية. ويتَّضح من جميع مؤلَّفاته، مناصرته الشديدة للتقدُّم العلمي، وخاصةً علم الروبوتيات، بل إنه أوَّل من وضع قوانين لتنظيم علاقة البشر بالروبوت، التي لا يزال علماء ومطوِّرو علوم الروبوتيَّات يسيرون على نهجها إلى الآن. أما قوانينه الثلاثة التي صارت منهاجًا حتميًا، فهي: أولًا، لا يجوز للروبوت أن يؤذي إنسانًا أو يسمح بتعَرُّض إنسانٍ للأذى بسبب تقاعسه عن العمل. ثانيًا، يجب على الروبوت طاعة الأوامر الصادرة من الأشخاص المؤهلين، ما لم تكن الأوامر تخالف القاعدة الأولى؛ فمثلًا، لا يمكن إصدار أمر للروبوت بقتل إنسان. ثالثًا، يجب على الروبوت حماية وجوده، فهو في النهاية آلة باهظة الثمن، ما لم يتعارض ذلك مع القاعدتين الأولى والثانية. والغريب أن جميع رواياته قوامها التوكيد على أن الروبوت استطاع خرق تلك القوانين بسهولة، وكأن أزيموف يفكِّر بصوت عالٍ. لكن نهاية أي قصَّة أو رواية يظهر فيها أن البشر استطاعوا التغلُّب على جميع المشكلات، وكذلك استعادة سيطرتهم على الآلة.
وكان أزيموف أيضًا أوَّل من تنبَّأ بدمج الروبوت مع البشر، لدرجة بلغت إتمام زيجات بين البشر والآلة، مع التوكيد على أنها ستحوِّل العلاقة الزوجية لواقع مثالي حلم به كلا الطرفين، وناقش هذه الفكرة بالتفصيل في رواية «الإنسان البوزيترون» عام 1976. أمَّا في ثلاثية «المؤسسة» (1966) التي فازت بجائزة «هوجو» لأفضل مجموعة روايات على مرَّ الزمان، فيعمل أزيموف على كشف ما يحلم به العلماء حاليًا؛ فقد كتب أن الإنسان استطاع اكتساح واستعمار المجرَّة بأكملها، وتأسيس إمبراطورية مهيبة. بيد أنّ الفساد والعفن الأخلاقي سرعان ما يستشريان في جميع مفاصل الإمبراطورية، ما يهدد وجودها. وطوال الثلاثية، يحاول أزيموف أن يجد حلولًا للتصدِّي للانهيار، وكأنه يفكِّر في طرق بديلة للبشر لمعالجة مشكلات المستقبل الروبوتي وتحقيق التناغم بين البشر والروبوت.
جدير بالذكر أن جميع نبوءات أزيموف تتحقَّق الواحدة تلو الأخرى حاليًا. لقد تنبَّأ «أزيموف» بتناقص عدد البشر، وبالفعل صار ذلك أمراً واقعاً في جميع دول العالم، بما فيهم الدول شديدة الكثافة السكانية مثل الهند والصين. والعجيب أن مع هذا التراجع، يتم إنتاج الروبوت بكمِّيات مذهلة حتى ولو كان ذلك يضر بالاقتصاد العالمي، وخاصة باقتصاد الدول المنتجة له، ويقودها نحو الانهيار.
عالم المستقبل الذي من المؤكَّد سيسود فيه الروبوت، ويتحوَّل فيه البشر إلى سايبورج، صار على الأبواب. أمَّا مصير البشر الذين اختاروا الحفاظ على آدميتهم فسيكونون تحت تهديد مستمر، ويفاقم وضعهم خطر انقراض الجنس البشري، ووضعه رهينة للروبوت الذي يخضع السايبورغ لسيطرته.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد