حين تصبح الحقيبة المدرسية حلما
03-09-2026 02:35 AM
استيقظت الطفلة ذلك الصباح، ولم تكن تعرف أن أباها قد قرّر أن يصنع من يومها الأول في المدرسة حكاية سترويها ربما بعد ثلاثين عاماً.
في الخارج كانت تنتظرها سيارة «رولز رويس»، لكنها لم تعد تشبه السيارات التي نعرفها. كان الأب قد خلع عنها شيئاً من وقارها الفخم، وألبسها طفولة ابنته. أقلام ملوّنة ضخمة فوق السقف، مسطرة صفراء، نجوم وزهور ودفاتر ورسومات، وحروف صغيرة تركض على جسد السيارة، واسم الطفلة «ذهب» مكتوباً بحروف ذهبية كبيرة، كأن أباها أراد أن يقول للعالم كله: هذه ابنتي، وهذا يومها الأول، وأريده أن يبقى في ذاكرتها إلى الأبد.
خرجت الصغيرة بحقيبتها الوردية. وحين رأت المفاجأة، حدث ذلك الشيء الذي لا يستطيع المال شراءه مهما كثر، تلك الدهشة، دهشة طفل.
ركضت إلى أبيها، حملها، وضمّته بذراعين صغيرتين لا تعرفان شيئاً عن أسعار السيارات، ولا عن قيمة الذهب والمال، كل ما تعرفه أن بابا فعل شيئاً جميلاً من أجلها.
مشهد صغير، دافئ، عابر. كان يمكن أن ينتهي هنا. وكان يمكن لنا أن نبتسم ونمضي.
لكنني بقيت أحدّق طويلاً في الأقلام العملاقة الموضوعة فوق السيارة. لا أعرف لماذا أخذتني تلك الأقلام إلى مكان آخر، بعيد جدًا، إلى غزة.
وفكرت: كم طفلًا هناك يتمنى قلماً حقيقياً فقط؟
كم طفلة كانت، هي أيضاً، تنتظر يومها الأول في المدرسة؟ ربما اشترت لها أمها حقيبة قبل الحرب. ربما اختارتها وردية أيضاً. وربما وضعت داخلها ممحاة على هيئة فراشة، ودفتراً ذا غلاف لامع، وعلبة ألوان وعدّتها أكثر من مرة. ربما نامت ليلتها وهي تتخيّل المقعد الذي ستجلس عليه، والمعلمة، وصديقتها التي ستراها عند الباب، والجرس، وفسحة المدرسة، والسندويشة التي ستضعها أمها في الحقيبة صباحاً.
كل تلك الأشياء التي تبدو لنا صغيرة جدًا، حتى نفقدها.
فالإنسان لا يعرف أن العادي نعمة إلا حين يصبح مستحيلًا.
المدرسة مثلا
من منا كان يظن أن الوصول إلى المدرسة يمكن أن يصبح حلماً؟ أن يحمل الطفل حقيبته ويخرج من بيته، وأن يكون هناك بيت يخرج منه أصلاً، وشارع يعبره، ومدرسة يصل إليها، وصف له سقف، وكرسي ينتظره، وسبورة لم تتحول إلى ركام؟
في غزة، لم يعد هذا المشهد عادياً. تقول اليونيسف إن قرابة سبعمئة ألف طفل في سن الدراسة حرموا من التعليم المدرسي الحضوري الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام، وإن نحو 98 في المئة من مباني المدارس قد تضررت، وأكثر من تسعة أعشارها تحتاج إلى إعادة بناء كاملة أو ترميم كبير كي تصبح صالحة من جديد، أرقام.
نحن بارعون في تحويل المآسي إلى أرقام، سبعمئة ألف، ثمانية وتسعون في المئة.
نقرأها، نهز رؤوسنا بحزن، ثم نكمل قهوتنا.
لكن جرّبوا مرة أن تنزعوا الصفر من الرقم وتضعوا مكانه وجهاً.
وجه طفلة واحدة.
طفلة تشبه «ذهب»
شعرها مربوط بربطتين صغيرتين. حقيبتها على ظهرها. كانت تريد فقط أن تذهب إلى المدرسة.
ثم تخيلوا خلفها طفلة ثانية، وثالثة، وعاشرة، وألفاً، ومئة ألف، وسبعمئة ألف حكاية توقفت في منتصف السطر. هنا يصبح الرقم مخيفاً.
ليس لأن هؤلاء الأطفال خسروا حصص الرياضيات والإملاء فحسب، بل لأن المدرسة في طفولة الإنسان ليست بناءً.
المدرسة هي أول نافذة نطل منها على العالم بعيداً عن يد أمنا. هي الصديقة الأولى. المعلمة التي نتذكر اسمها بعد نصف قرن. هي رائحة الكتب الجديدة. صوت الأقلام في المقلمة. الفستان الذي نجهزه في الليلة السابقة. الحذاء الذي نضعه قرب السرير. والخوف اللذيذ الذي يسبق اليوم الأول.
المدرسة جزء من الذاكرة التي نصنع منها لاحقًا معنى طفولتنا.
ولهذا، حين تدمَّر مدرسة، لا يسقط إسمنت فقط. يسقط جزء من مستقبل لم يأت بعد.
على الجانب الآخر من الطفولة
وتذكرت، وأنا أشاهد الصغيرة تصعد إلى سيارتها المزينة بالأقلام، أن أطفال غزة، حتى حين تتاح لبعضهم مساحات تعلم مؤقتة، يعيشون رحلة مختلفة تماماً نحو التعليم، فالركام والمخاطر ونقص الأماكن الآمنة تجعل الوصول إلى مساحة للتعلم تحدياً بحد ذاته. ووفقاً لليونيسف، لا يزال مئات الآلاف منهم محرومين من التعليم الحضوري، يا للمفارقة.
هنا أب يضع قلماً عملاقاً فوق سيارة كي تحتفل ابنته بالمدرسة.
وهناك طفل يبحث بين الأشياء القليلة التي بقيت له عن قلم يكتب به.
هنا تفتح أبواب السيارة لتبدأ الرحلة إلى الصف. وهناك أبواب صفوف لم تعد موجودة.
لكنني لا أريد أن أسرق من «ذهب» فرحتها. ولا أريد أن تصبح سعادة طفل في مكان ما تهمة لأنه ُلد في الجانب الأكثر رحمة من العالم.
فالأطفال لا يصنعون الحروب. ولا يختارون ثروة آبائهم. ولا يقررون تحت أي سماء يولدون.
ومن حق «ذهب» أن تفرح. من حقها أن تضحك حين ترى سيارتها الغريبة، وأن تعانق أباها، وأن تكبر وهي تتذكر أن رجلاً أحبها إلى الحد الذي جعله يحوّل سيارة فارهة إلى صندوق ألوان من أجل ابتسامتها.
المشكلة ليست أن هذه الطفلة حصلت على الكثير. المأساة أن أطفالاً آخرين حرموا من أبسط القليل.
لا نريد أن ننزع القلم من يد طفل كي نحقق العدالة. نريد قلماً لكل طفل.
لا نريد أن نطفئ فرحة طفلة لأن طفلة أخرى تبكي. نريد عالماً لا تضطر فيه طفلة إلى البكاء لأنها حرمت مما اعتبرناه يوماً أمراً بديهياً.
نريد أن يأتي يوم تبنى فيه مدارس غزة من جديد.
أن تقف أم أمام باب بيتها، تصلح ياقة قميص ابنها وتقول له: تأخرت، أسرع.
أن تتذمر طفلة لأنها لا تريد الاستيقاظ باكراً.
أن ينسى طفل واجبه المنزلي ويخاف من معلمه.
أن يتشاجر اثنان على المقعد القريب من النافذة.
أن يدق الجرس. نعم، الجرس فقط.
كم يبدو صوت جرس المدرسة تافهاً حين نسمعه كل يوم، وكم يصبح مقدساً حين يصمت لسنوات. ربما لهذا بقيت أحدّق في صورة تلك السيارة طويلاً. لم أر رولز رويس. ولم أر الذهب.
رأيت قلماً ضخماً فوق سقفها. وبجواره مسطرة. ورأيت طفلة تحمل حقيبتها وتمشي نحو أول أيام حياتها المدرسية.
ثم رأيت، في الجهة الأخرى من الصورة، مئات آلاف الحقائب التي تنتظر أصحابها، ومقاعد غطاها الركام، ودفاتر انقطعت جملها قبل النقطة الأخيرة.
أطفال غزة لا يحتاجون منا أن نحزن على أقلامهم المكسورة فقط. إنهم يحتاجون إلى أن يعود لهم حقهم في أن يكونوا أطفالاً.
أن يتعلموا، أن يلعبوا، أن يختلفوا على ممحاة، أن يرسموا شمساً صفراء في زاوية الورقة، أن يكتبوا أسماءهم على دفاترهم، وأن يعودوا إلى بيوتهم في نهاية اليوم ليخبروا أمهاتهم ماذا قالت المعلمة.
لأن المدرسة ليست امتيازاً. والقلم ليس رفاهية. والطفولة لا ينبغي أن تكون جائزة تمنحها الجغرافيا لبعض الأطفال وتحرم منها آخرين.
وفي عالم عادل، لن يكون أجمل مشهد طفلة تصل إلى المدرسة في «رولز رويس».
سيكون أجمل مشهد طفل في غزة، يحمل حقيبته على ظهره، ويمشي مطمئناً نحو مدرسة لها باب وسقف وجرس، ثم يعود في المساء إلى بيت ما زال واقفاً، وإلى أم تنتظره.
يومها فقط، سيصبح أول يوم دراسي ذكرى لا تنسى.
حين تصبح الحقيبة المدرسية حلما
مواردنا الطبيعية .. ذهب المستقبل
التعداد السكاني 2026 .. أسئلة داخل المنازل وغرامات للممتنعين
النفط يرتفع 1% وسط مخاوف الإمدادات مع تصاعد حرب إيران
ارتفاع كبير بأسعار الأجهزة الخلوية في الأردن
الغذاء والدواء تحذر من الببتيدات غير المرخصة وتغلق 6 مراكز لياقة
اليمن .. الجيش يعلن تنفيذ ضربات جوية على تجمعات حوثية بالضالع
القيادة المركزية الأميركية: البحرية الأميركية تنفذ الحصار على إيران بصرامة
لتجنب إشارة التسفير .. تحذير مهم للعمالة غير الأردنية
خطبة الجمعة تعظّم مقام النبي .. والمناعي يعلّق على قضية الزيود
العثور على جثة مواطن داخل مركبته مقتولا بالرصاص جنوب اربد
الحكومة تتحمل أعباء مالية لدعم أسعار المحروقات في آب
بالفيديو .. أمطار غزيرة وعواصف رعدية تفاجئ شمال الأردن في عزّ الصيف
تعيين رؤساء مجالس أمناء الجامعات الحكومية .. أسماء
الامن العام: وفاة شخص إثر مشاجرة في إربد
جامعة تُلزم العاملين بدفع رسوم رغمًا عنهم
بسبب وجود تهديد .. رسائل تحذيرية على هواتف مواطنين بالأردن
السجن لإيطالي حوّل غابة محمية إلى آثار يونانية
توضيح من الملكية بشأن حركة الطيران ومواعيد الرحلات
مخالفة مواقف على المركبات .. تحذير من رسائل احتيالية
الجيش يُسقط 8 صواريخ اخترقت أجواء الأردن
إربد .. الأجهزة الأمنية تحقق بعد العثور على جثة خمسيني داخل مركبته
نجاح زراعة محاصيل استوائية في عجلون يفتح آفاقًا جديدة للمزارعين

