تسليع الرومي: من المثنوي إلى الميمز
31-08-2026 02:53 AM
في الوقت الذي لا تبيع فيه كتب الشعر في العالم الغربي ـ في أحسن أحوالها ـ إلا بضعة آلاف من النسخ، تحوّل جلال الدين الرومي ومنذ تسعينيات القرن الماضي إلى أسطورة شعرية، حيث أصبح ولسنوات مديدة الشاعر الأكثر مبيعا في أمريكا، فتراوحت مبيعات ترجمات كولمان باركس لشعر الرومي بين نصف مليون ومليوني نسخة، في حين أن لويز غليك الشاعرة الأمريكية الحائزة جائزة نوبل سنة 2020 لم تصل مبيعاتها بعد نوبل إلى عتبة الـ80 ألف نسخة. ولم يقتصر الأمر على حجم المبيعات فقط، فقد تحول الرومي إلى ظاهرة عالمية: روايات عديدة استلهمت حياته، أو حياة توأمه الروحي شمس التبريزي، كما غنت له الفنانة العالمية مادونا بعض أشعاره، وسمّت المغنية بيونسيه ابنتها رومي. وأصبحت عباراته ترسل في المناسبات في شكل بطاقات رقمية، مع صورة غروب الشمس أو درويش مولوي راقص، بل غدا الرومي لدى كثير من عشاق التنمية البشرية مدربَ حياة (Life Coach) تنير أشعاره دروبهم.
ولكن.. هل هذا الرومي هو نفسه مولانا جلال الدين محمد بن محمد بهاء الدين البلخي الرومي، الفقيه الحنفي والمتصوف وصاحب الطريقة المولوية الذي عاش قبل ثمانية قرون وتوفي في قونية في تركيا؟ وهل الرومي الذي تغزو الاقتباسات (quotes) مما ينسب إليه منصات التواصل والعالم الرقمي هو نفسه صاحب كتاب المثنوي، الذي أُطلق عليه وصف «القرآن الفارسي» لكثرة ما ورد فيه من الآيات القرآنية، ووصفه الرومي نفسه بأنه «أصولُ أصولِ أصولِ الدِّين.. وكشّافُ القرآن». إذا كان هذان الشخصان اللذان يبدوان على طرفي نقيض شخصا واحدا -وهما كذلك- فما سرّ هذا التحوّل؟
روميُّ باركس: شاعر أمريكي معاصر
عرف الغربيون جلال الدين الرومي مبكرا، فقد نقل المستشرق البريطاني السير وليم جونز شيئا من شعره في القرن الثامن عشر (1771)، وبدأت بالصدور أول ترجمة كاملة للمثنوي في ثمانية مجلدات قبل قرن من الزمان، قام بها المستشرق البريطاني رينولد نيكولسون، ولكن الانتشار الحقيقي لأشعار الرومي في اللغة الإنكليزية بدأ مع ترجمات كولمان باركس (توفي قبل ستة أشهر)، فقد أهداه صديقه الشاعر الأمريكي روبرت بلاي مجلدا من ترجمات آربري الأكاديمية، قائلا له إن هذه القصائد تحتاج إلى أن «تُحرَّر من أقفاصها»، أي أن تعاد صياغتها بلغة شعرية أمريكية حديثة. ولأن باركس لم يكن يعرف الفارسية اعتمد على ترجمات أشعار آربري ونيوكلسون، وأصدر صياغات جديدة لشعر الرومي أشهرها «مختارات الرومي الأساسية» (The Essential Rumi)، التي عرّفت العالم الأنكلوسكسوني بالنسخة (اللايت) من جلال الدين الرومي، التي غزت الاقتباسات منها عالم مواقع التواصل في العقدين الأخيرين. فما الذي فعله باركس بأشعار الرومي المثقلة بحمولتها القرآنية ومرجعياتها الدينية من حديث وفقه وقصص الأنبياء والمصطلحات الصوفية، المبنية على حكايات طويلة تتداخل فيها القصص والتفسيرات والاستطرادات، وحوّلها إلى قصائد قصيرة مستقلة مقتطعة من سياقها خالية من البعد الديني؟ كانت اللغة ملعب باركس الأول فقد حرر أشعار الرومي من قفص اللغة الأكاديمية التي تُرجم بها، وأطلقها في فضاء الشعر الحر الأمريكي، وكأنّ كاتبها شاعر أمريكا الأكبر والت ويتمان كما ذكر أحد النقاد،…
كذلك انتزع باركس كتابات الرومي من سياقها الإسلامي ليصبح تصوف الرومي تجربة روحية مماثلة لتعاليم البوذيين، أو تأملات الروحانيين، وقد أدى ذلك إلى تحريف معنى بعض الأشعار تماما، وأكثر مثال يذكر في هذا السياق ترجمة باركس لجملة الرومي «من سألك عن الحور، أظهر وجهك وقل: هكذا» التي تصف جمال المحبوب، لكن ليتجنب باركس مصطلح «الحور» الإسلامي ترجم البيت بهذه الصياغة العجيبة «إذا سألك أحد كيف سيبدو الإشباع التام لجميع رغباتنا الجنسية، ارفع وجهك وقل: هكذا»، وإضافة هذا البعد الجنسي الذي يناسب العقلية الغربية، ولا أثر له في البيت الأصلي المذكور كرره باركس مرارا، فتتحول جملة «تقول: بالجسد أنا بعيد، وبالقلب مع الحبيب» عند الرومي إلى «تقول إنك لم تعد تشعر بأي رغبة جنسية. أنت واحد مع من تحب». وهذا ما حوّل العشق الإلهي عند الرومي المتوارث من المتصوفة المسلمين إلى حب رومانسي حينا وجسدي حينا آخر، يُكتب في بطاقات التهنئة بالزواج، ويتبادله العشاق بينهم في شكل اقتباسات، فباركس استخلص مقاطع من السياقات القصصية والتعليمية الطويلة الواردة في المثنوي وأعاد ترتيبها في قصائد قصيرة مستقلة تصلح للتحفيز والتسليع والترند.
فهل اختلق لنا باركس روميّا جديدا على مقاس الذائقة الأمريكية؟ في الحقيقة نظلم باركس ونختزله بدورنا إن تبنينا هذه الفكرة، فيكفي أن الفضل الأكبر في تعرّف العالم الغربي على جلال الدين الرومي يعود إليه، فقد ضخّ ماء الحياة في الترجمات الأكاديمية ثقيلة الدم لأشعار الرومي، ولم يزعم مرة – وهذا يحسب له – أن عمله ترجمة دقيقة، بل هو صياغة جديدة أقلُّ تاريخيّة وإسلامية وفارسية لقصائد الرومي، التقط فيها باركس بعض الجوانب الأصيلة من مبادئ الرومي مثل المحبة ورفض التدين الشكلي والانفتاح، وحول صاحبها من متصوف منعزل في تكيّته في القرن الثالث عشر، إلى حكيم من الشرق يلبس السموكنغ ويتجول في شوارع مانهاتن، ويعالج ضحايا الاغتراب الوجودي الحديث بعصارة الحكمة المشرقية.
روميُّ شافاك: عاشق متحرّر
ولد جلال الدين الرومي في رواية «قواعد العشق الأربعون» لأليف شافاك من رحم ترجمات كولمان باركس، فبدورها لم تنقل لنا الرومي الشخصية التاريخية بل أجرت له عمليات تجميل صنعت منه روميا حديثا قابلا للتسويق عند الغربيين، أي أعادت تأويله روائيا، احتفظت بخطوط حياته الكبرى المشهورة فهو عالم وواعظ يعيش في قونية، كان لقاؤه بشمس التبريزي انقلابا في حياته، وملأت الفراغات بين الخطوط الكبرى بحوارات وحوادث وشخصيات متخيلة، بعضها تحول إلى حقائق يتناقلها من قرأوا الرواية وهم كثر، وينشرها في شكل بوستات واقتباسات رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وكم كان يُصدم بعض المولعين بالرواية حين يكتشفون أن قواعد العشق الأربعون التي قامت عليها الرواية، مختلقةٌ كتبتها أليف التركية لا شمس التبريزي، فهي استلهامات من الأفكار الصوفية صاغتها الكاتبة لتصبح مثل الحكم أو الإرشادات الحياتية. ورومي شافاك مسلوخ أيضا من مرجعيته الإسلامية، ومقولب من جديد في قالب عصري قائم على التسامح والمحبة واكتشاف الذات والتحرر من القيود والثورة على مؤسسة الدين التقليدية.
فيُعجب قارئ الرواية بهذا الانقلاب في حياة الرومي بعد لقائه بشمس التبريزي، ولكن الحقيقة في مكان آخر، فالرومي لم يتعرّف على التصوف مع التبريزي، بل تربى في بيت وثيق الصلة بالعرفان، وتتلمذ لسنوات على يد بعض أساطين التصوف مثل برهان الدين الترمذي وصدر الدين القونوي، وشمس التبريزي، لم يحول الرومي من فقيه يستقي معرفته من الكتب، إلى صوفي صاحب نظرة كونية، ولكنه فجّر في تصوف الرومي طاقة وجدانية وشعرية. ويحسب لشافاك أنها التقطت فكرة أن لقاء شمس لم يكن حادثا عرضيا في حياة الرومي بل زلزالا روحيا وشعريا أعاد تشكيل حياته، وأجادت في روايتها توظيف ثيمات أصيلة في الفكر المولوي كالحب الإلهي ومقاومة الأنا والحاجة إلى مرشد وتقبل الآخر بأخطائه وخطاياه، وقد ساهمت هذه الثيمات في تخفيف حدة الإسلاموفوبيا بعد11 سبتمبر/أيلول، وقدمت صورة متسامحة للإسلام عبر شخصية حكيمة مسالمة كونية متحررة من تكلس المؤسسة الدينية، مناقضة للتطرف رافضة للإرهاب، ولكن هذا التوظيف الإيجابي لشخصية الرومي في تحسين صورة الإسلام أعاد تشكيل الشرق ليبدو مقبولا ومألوفا أمريكيا، فشافاك لم تنقل الرومي التاريخي إلى الغرب كما هو، بل «أعادت إنتاج «رومي أمريكي» سبق أن صنعته ترجمات باركس، ثم استخدمت هذا الرومي لبناء جسر بين الشرق والغرب، لكن حركة العبور فيه تتم أساسا وفق شروط السوق الأمريكية وتوقعاتها».
روميُّ السوشيال ميديا: مدرّب تنمية بشرية
ما بدأه باركس بتفكيك أشعار الرومي وإعادة صياغتها بلغة حديثة، وما حوّلته شافاك إلى قواعد، أغلقت وسائل التواصل الدائرة عليه، فتحولت الأشعار والقواعد إلى اقتباسات يتناقلها «فانزات» الرومي، فالنص الطويل في المثنوي تحول إلى جملة واحدة، هذا إذا كان صحيح النسبة للرومي فحذف السياق والتفاصيل، واستبدلت الكلمات ذات الدلالة الدينية كالله والنبوة بأخرى لا تشبهها مثل، مفردات الكون والطاقة والذات، وأصبح جلال الدين الرومي العالم المسلم الصوفي الشاعر شخصية رقمية نقرأ أقواله المصاغة بلغة عصرية في آلاف «الميمز» التي يتداولها رواد وسائل التواصل الاجتماعي، أغلبها يدور حول الحب والشفاء النفسي والحرية واكتشاف الذات، فصاحب المثنوي في السوشيال ميديا مرشد نفسي ومدرب تنمية بشرية وشاعر الحب الكوني في صورة تبسيطية اختزالية تجعلنا نصدق ونتناقل بإعجاب مقولات مثل «أنت لست قطرة في المحيط، بل أنت المحيط كله في قطرة» التي لم تظهر سوى قبل عشر سنوات، أو «الصمت هو لغة الله، وكل ما عداه ترجمة رديئة» مغفلين قائلها الحقيقي القديس يوحنا الصليب، وللأسف لا يمكننا تصليح الأمور فحجم الأقوال المنسوبة إلى الرومي كذبا لا تعدّ ولا تحصى. لذلك لا يسعنا إلا أن نتّبع نصيحته «أمس كنت ذكيّا، لذا أردت تغيير العالم. اليوم أنا حكيم، لذا أنا أغير نفسي». ولكن مهلا! حتى هذه المقولة ليست له.
تسليع الرومي: من المثنوي إلى الميمز
الحوار السوداني «بمن حضر»، خيارٌ كارثي وابتذال للفكرة
قراءة في فيضانات النيبال والتبت
ترامب وحرب إيران… من تجاهل التحذيرات إلى مستنقع الاستنزاف
الجيش يُسقط 8 صواريخ اخترقت أجواء الأردن
في زمن الذكاء الاصطناعي من يملك الارض يملك المستقبل
الولايات المتحدة تشن ضربات على إيران لأول مرة منذ شهر
الاحتلال الإسرائيلي يقتحم مدينة نابلس
الولايات المتحدة: حولنا مسار 83 سفينة منذ استئناف الحصار البحري على إيران
النمسا تسجل عددا قياسيا من الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة
مجلس الشعب السوري: الحوار السبيل لحل ملف السويداء
السلاح لدمشق والحقوق للأكراد… هل اكتملت الصفقة؟
اب يقتل ابنه بالرصاص في اربد .. تفاصيل
خطبة الجمعة تعظّم مقام النبي .. والمناعي يعلّق على قضية الزيود
شيماء وليد .. ماذا اكتشفنا خلف قصة الطبيبة التي أبكت الملايين؟
إحالة خليل الزيود إلى النائب العام بعد جدل حول تصريحات مسيئة للنبي
عمال مصنع ألبان: سبعة أشهر بلا رواتب .. التفاصيل
سقط قرار الـ30% وبقيت الأزمة .. من يفك طلاسم التوجيهي والحقول؟
منخفض جوي مبكر يقلب أجواء المنطقة .. وهذا ما ينتظر الأردن نهاية الأسبوع
عشرات الأردنيين مدعوون لإجراء المقابلة .. أسماء
بالفيديو .. أمطار غزيرة وعواصف رعدية تفاجئ شمال الأردن في عزّ الصيف
الحكومة تتحمل أعباء مالية لدعم أسعار المحروقات في آب
الامن العام: وفاة شخص إثر مشاجرة في إربد
السجن لإيطالي حوّل غابة محمية إلى آثار يونانية
مخالفة مواقف على المركبات .. تحذير من رسائل احتيالية
إربد .. الأجهزة الأمنية تحقق بعد العثور على جثة خمسيني داخل مركبته
نجاح زراعة محاصيل استوائية في عجلون يفتح آفاقًا جديدة للمزارعين