سقط قرار الـ30% وبقيت الأزمة .. من يفك طلاسم التوجيهي والحقول؟

سقط قرار الـ30% وبقيت الأزمة ..  من يفك طلاسم التوجيهي والحقول؟
طلبة توجيهي..

24-08-2026 04:18 PM

عمان - السوسنة – انتهت أزمة الـ30 بالمئة بقرار من وزير التربية والتعليم الدكتور عزمي محافظة، لكن الأسئلة التي قادت إليها لم تنتهِ. فالتراجع عن احتساب جزء من المفاضلة بين طلبة جيل 2009 على أساس العلامات المدرسية أزال سببًا مباشرًا للقلق، لكنه أعاد إلى الواجهة سؤالًا أكبر يرافق نظام التوجيهي الجديد منذ بدء تطبيقه: هل المشكلة في قرار منفرد يمكن تصحيحه، أم في حالة التعديل المستمر لقواعد تمس خيارات الطالب الجامعية ومستقبله؟

المفارقة أن الوزارة نفسها تقول إن الخطة قابلة للتصحيح والتعديل وفق نتائج التطبيق، بينما يرى منتقدون أن كثرة التصحيح والتعديل هي، في ذاتها، جزء من المشكلة. وبين الروايتين يقف الطالب أمام نظام الحقول، محاولًا أن يفهم لماذا يدرس مادة ولا يستطيع التخصص فيها جامعيًا، ولماذا قد يُسمح له بتخصص في مادة يقول إنه انقطع عن دراستها منذ سنوات.

ماذا ألغى الوزير فعلًا؟

القرار الأخير محدد، ولا يعني إلغاء نظام الحقول ولا التراجع عن تقديم امتحان الثانوية العامة على سنتين.

ما أعلنه الوزير عزمي محافظة خلال اجتماع لجنة التربية والتعليم النيابية هو إلغاء قرار احتساب نسبة 30 بالمئة من علامات طلبة جيل 2009 على أساس العلامات المدرسية.

وجاء التراجع استجابة لمطالب لجنة التربية والتعليم النيابية وعدد كبير من النواب، بعد جدل حول المعايير التي ستستخدم في توزيع الطلبة واختيار الحقول.

وبالتوازي، أعلنت الوزارة توزيع طلبة الصف الثاني عشر على الحقول بناء على الرغبة، وعدم تحديد نسبة 30 بالمئة كحد أعلى لكل حقل.

المشكلة التي أثارها النواب لم تكن رقم "30%" وحده، بل توقيت إدخال معيار جديد على جيل كان قد بدأ مساره وبنى خياراته على تعليمات سابقة.

رئيس لجنة التربية النيابية الدكتور إبراهيم القرالة قال إن مدير إدارة الامتحانات والاختبارات في الوزارة الدكتور محمد شحادة كان قد صرح سابقًا بأن نسب توزيع الحقول لن تطبق على جيل 2009، وهو ما استقر في أذهان الطلبة وأولياء أمورهم وبنوا عليه استعداداتهم.

وهنا أصبحت القضية بالنسبة للجنة مرتبطة باستقرار القاعدة نفسها: هل يجوز تغيير معيار مؤثر في مستقبل الطالب بعدما بدأ فعليًا ترتيب خياراته على أساس ما أُعلن له؟

لماذا أثارت العلامات المدرسية الاعتراض؟

ثمة مشكلة أخرى أكثر عملية ظهرت في النقاش النيابي: هل العلامة المدرسية تصلح أصلًا لتكون معيارًا موحدًا للمفاضلة بين طلبة مدارس وبيئات تعليمية مختلفة؟

القرالة أشار إلى تفاوت العلامات المدرسية بين المدارس والبيئات التعليمية، معتبرًا أن ذلك قد لا يوفر معيارًا دقيقًا وعادلًا للمقارنة بين جميع الطلبة، ولا سيما عندما يترتب على تلك العلامة تحديد الحقل الذي يستطيع الطالب الالتحاق به.

النواب الحاضرون أثاروا النقطة نفسها من زاوية تكافؤ الفرص، وطالبوا بألا تُغيّر قواعد الاختيار بعدما بدأ الطلبة مسارهم التعليمي.

وبهذا المعنى، فإن إلغاء القرار عالج المشكلة المباشرة لجيل 2009. لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام نقاش لم يعد محصورًا في نسبة أو علامة مدرسية: كم مرة يستطيع نظام بحجم الثانوية العامة أن يتغير أثناء التطبيق قبل أن يصبح عدم الاستقرار نفسه مشكلة؟

التراجع الذي فتح ملف التوجيهي كله

النائب الدكتورة هدى العتوم وضعت القضية في إطار أوسع بكثير من قرار الـ30 بالمئة.

العتوم اعترضت خلال مناقشات لجنة التربية على ما وصفته بـ"العبث المتكرر" بامتحان الثانوية العامة ونظام المسارات، وقالت إن التغييرات المتلاحقة في المواد والمسارات والتخصصات أرهقت الطلبة وأولياء أمورهم وأدخلتهم في حالة من الحيرة والقلق.

وتوقفت تحديدًا عند القرارات المتعلقة بالرياضيات والعلوم والفيزياء، متسائلة عن إلغاء بعض المواد ثم إعادتها لاحقًا، وعن إدخال تعديلات متتابعة على المسارات والتخصصات.

من هذه الزاوية، يصبح قرار الـ30 بالمئة مثالًا حديثًا على القضية التي تتحدث عنها العتوم: قرار يمس الطلبة، يعترضون عليه، يدخل إلى مجلس النواب، ثم يجري التراجع عنه.

لكن العتوم لا تقف عند الاعتراض؛ فهي تدعو إلى تشكيل لجنة وطنية متخصصة تعيد دراسة منظومة الثانوية العامة والمسارات بصورة شاملة، وصولًا إلى تصور ثابت يمكن تطبيقه على مراحل، بدل استمرار القرارات والتعديلات المتلاحقة.

وترى أن الطالب يحتاج إلى معرفة القواعد التي ستحدد مستقبله قبل أن يبدأ الرحلة، لا أن تتغير هذه القواعد وهو في منتصفها.

طلبة للسوسنة: ندرس مادة ونُمنع من تخصصها

بعيدًا عن الاجتماعات واللجان، تبدو المشكلة مختلفة حين يشرحها الطالب بلغته.

أحمد وأيمن وحمزة، وهم طلبة في الحقل الصحي، تحدثوا إلى السوسنة عن مفارقات يقولون إنهم لم يجدوا لها تفسيرًا مقنعًا.

يقول الطلبة إنهم درسوا اللغة الإنجليزية المكثفة، لكن تخصص اللغة الإنجليزية غير متاح لهم في الجامعة. ويقولون إنهم درسوا كذلك اللغة العربية المكثفة، لكن دراسة اللغة العربية وآدابها ليست ضمن خياراتهم الجامعية.

ثم يقدمون المثال الأكثر إثارة للتساؤل من وجهة نظرهم: يقولون إنهم لم يدرسوا الفيزياء منذ الصف التاسع، ومع ذلك يستطيعون دراسة الفيزياء في الجامعة.

هذه شهادات الطلبة كما نقلوها إلى السوسنة، وهي تضع سؤالًا بسيطًا في صياغته، لكنه جوهري في بنية نظام الحقول:

على أي أساس تُبنى أهلية الطالب للتخصص الجامعي: على اسم الحقل الذي ينتمي إليه، أم على المواد التي درسها فعلًا؟

الطلبة وصفوا ما يواجهونه بأنه "تخبط"، لكن أهمية شهاداتهم ليست في الوصف بقدر ما هي في الأمثلة التي يطرحونها. فالطالب يريد أن يرى رابطًا واضحًا بين ما يدرسه في المدرسة وما يسمح له بدراسته لاحقًا في الجامعة.

وإذا كان النظام الجديد يقوم على الحقول، فإن وضوح هذا الرابط يصبح أكثر أهمية؛ لأن اختيار الحقل لم يعد مجرد تصنيف مدرسي، بل قرار تترتب عليه خيارات لاحقة.

مصر والرياضيات.. سؤال آخر

هذا النقاش يزداد تعقيدًا عند الانتقال إلى قضية دراسة طلبة الحقل الصحي خارج الأردن.

الأمين العام لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لشؤون المدارس نواف العجارمة أعلن أنه تم الاتفاق مع مصر على قبول الطلبة الأردنيين من الحقل الصحي في كليات الطب.

العجارمة رد أيضًا على ما يثار بشأن عدم دراسة طلبة الحقل الصحي لمادة الرياضيات وتأثير ذلك على فرصهم خارج الأردن، مؤكدًا أن هذا الطرح غير صحيح.

وأوضح أن الوزارة جعلت امتحان الرياضيات مركزيًا، وقدمه جميع طلبة المملكة، وأصبحت المادة مثبتة في كشف العلامات، بما يمكّن الطالب من إثبات اجتيازه لها عند التقدم إلى جامعات خارج الأردن.

لكن الطلبة الذين تحدثوا إلى السوسنة طرحوا السؤال من الاتجاه المقابل: لماذا احتاج قبول طلبة الحقل الصحي في كليات الطب المصرية إلى اتفاق أصلًا؟ وهل لذلك علاقة بغياب الرياضيات عن الحقل الصحي؟

وذهبوا أبعد من مصر، مطالبين بمعرفة وضعهم بالنسبة إلى الجامعات البريطانية والأميركية والجامعات العالمية المرموقة.

الملف لا يقدم جوابًا على هذه الأسئلة الأخيرة، ولذلك تبقى أسئلة طلبة، في مقابل تأكيد رسمي بأن الرياضيات المركزية مثبتة في كشف العلامات وأن الاتفاق مع مصر يتيح قبول طلبة الحقل الصحي في كليات الطب.

مفضي المومني: من "صناعة الفشل" إلى "إدارة الفشل"

الكاتب والأكاديمي الدكتور مفضي المومني ذهب في نقده إلى أبعد من تفاصيل القرار الأخير، ووضع التوجيهي على سنتين ونظام الحقول برمتهما تحت المجهر.

في مقاله المنشور بعنوان "التوجيهي والحقول من صناعة الفشل إلى إدارة الفشل..!"، يرى المومني أن كثرة التعديلات والقرارات اللاحقة لا تعالج أصل المشكلة، بل تنقل النظام - بحسب تعبيره - من "صناعة الفشل إلى إدارة الفشل".

موقف المومني واضح في رفضه للتوجيهي على سنتين ولصيغة الحقول الحالية. وهو يرى أن الحقول قلّصت خيارات الطالب وأغلقت أمامه تخصصات كانت متاحة في النظام السابق.

ويضرب مثالًا بطالب الهندسة الذي يدرس الفيزياء والرياضيات، لكنه، بحسب ما أورده، لا يستطيع الذهاب إلى تخصصات المحاسبة والأعمال.

كما ينتقد التخصص المبكر، ويرى أن التعليم المدرسي ينبغي أن يقوم على قاعدة معرفية عريضة توسع أفق الطالب وتترك أمامه مرونة أكبر في تحديد ميوله لاحقًا، بدل حصره مبكرًا في مجال يضيّق خياراته.

ويثير المومني كذلك سؤالًا عمليًا عن مدى توافر الحقول في جميع المدارس، مشيرًا إلى أنه تلقى معلومة بأن مدرسة في بلدة مرصع لا توفر سوى حقلين، وهو مثال يورده الكاتب ضمن انتقاده للنظام، وليس معلومة مثبتة بصورة مستقلة في مواد الملف.

وفي جوهر موقفه، يطالب المومني بألا تُعامل القرارات المتعلقة بالتوجيهي والحقول باعتبارها إجراءات إدارية عادية، بل قرارات وطنية تستوجب مشاركة خبراء محايدين وعقد مؤتمرات وورش عمل ودراسة التجارب والممارسات المختلفة قبل تطبيقها.

وينتهي إلى سؤال أشد وضوحًا: هل تملك الوزارة شجاعة التراجع عن التوجيهي على سنتين ونظام الحقول إذا تبين أن المشكلات التي أحدثاها أكبر من تلك التي كان يفترض أن يحلاها؟

إنه موقف نقدي حاد يتحمل المومني مسؤوليته، لكنه يلتقي في نقطة أساسية مع حديث العتوم وشكاوى الطلبة: الحاجة إلى الاستقرار والوضوح قبل أن يطلب من الطالب أن يبني مستقبله على نظام متغير.

ماذا تقول الوزارة؟

الصورة، مع ذلك، لها جانب آخر.

وزارة التربية لا تقدم التعديلات باعتبارها دليلًا على فشل النظام، بل تتعامل معها بوصفها جزءًا من عملية تحسين مستمرة.

العجارمة أكد أن الوزارة تلقت ملاحظات على الخطة وتعمل على تحسينها بصورة مستمرة، وأن أبوابها مفتوحة أمام الآراء والمقترحات.

وقال إن الخطة قابلة للتصحيح والتعديل وفق نتائج التطبيق، وإن قرارات الحقول الدراسية وتقديم امتحان الثانوية العامة على سنتين أُعدت بمشاركة أهل الخبرة والاختصاص.

كما تربط الوزارة النظام الجديد بهدف أوسع يتعلق بمواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتتحدث عن تطوير البنية التحتية وتهيئة الحقول المناسبة، وتشجع الطلبة وأولياء الأمور على الاهتمام بالتخصصات التقنية والصحية والطبية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأعمال.

وفي ملف الرياضيات تحديدًا، تقول الوزارة إن جعل الامتحان مركزيًا وإثبات المادة في كشف العلامات يعالجان ما يثار بشأن قدرة طلبة الحقل الصحي على إثبات دراستها عند التقدم إلى جامعات خارج الأردن.

أما في قضية الـ30 بالمئة، فقد اختار الوزير التراجع استجابة للمطالب النيابية، وهو ما ثمّنته رئيسة كتلة عزم النيابية أروى الحجايا، معتبرة أن الاستجابة من شأنها طمأنة الطلبة وأولياء أمورهم والمحافظة على استقرار مسارهم التعليمي.

وهنا تظهر عقدة النقاش كلها.

ما تعتبره الوزارة قابلية للتطوير والتصحيح استنادًا إلى نتائج التطبيق، يراه منتقدون تعديلات متلاحقة على نظام لا يحتمل أن يظل الطالب خلاله منتظرًا لمعرفة ما الذي سيتغير بعد ذلك.

والتراجع عن الـ30 بالمئة يمكن قراءته من زاويتين: استجابة من الوزارة لملاحظات النواب ومخاوف الطلبة، أو مثالًا جديدًا، كما يرى منتقدو النظام، على ضرورة أن تستقر القواعد قبل وصول الطالب إلى مرحلة تطبيقها.

لقد انتهى القرار بالنسبة لجيل 2009، لكن الأسئلة التي ظهرت معه ما تزال قائمة: ماذا يدرس الطالب؟ وأي تخصصات تفتح له المواد التي درسها؟ وأيها يغلقها الحقل الذي اختاره؟ وهل الخيارات معترف بها خارج الأردن؟ وهل تتوافر الحقول نفسها لجميع الطلبة؟ والأهم: متى تصبح قواعد النظام مستقرة بما يكفي ليعرف الطالب منذ البداية الطريق الذي يسير فيه؟

لذلك ربما لم يكن قرار الـ30 بالمئة سوى الجزء الظاهر من نقاش أكبر.

فهل يكفي إلغاؤه لإغلاق الملف، أم أن التوجيهي الجديد بات بحاجة إلى مراجعة أوسع تعيد فحص نظام الحقول والمواد وخيارات القبول الجامعي واستقرار التعليمات، قبل أن يواجه الطلبة قرارًا



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل

سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه

الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية

بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

غضب أردني من تصريحات خبير تربوي أساء للنبي ﷺ .. والإفتاء ترد

وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء

تصريحات الخبير التربوي عن النبي ﷺ .. القصة الكاملة من الجدل إلى تدخل الإفتاء

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة