الصين تدخل الشرق الأوسط من أوسع أبوابه

الصين تدخل الشرق الأوسط من أوسع أبوابه

04-09-2026 04:52 PM

لو كانت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة مجرد مناسبة للاحتفال بمرور سبعين عامًا على العلاقات المصرية الصينية، لكان من السهل التعامل معها باعتبارها محطة دبلوماسية مهمة في علاقة تاريخية مستقرة، لكن توقيت الزيارة ومضمونها يقولان شيئًا أكبر من ذلك بكثير. فشي لم يصل إلى القاهرة في شرق أوسط هادئ، ولا إلى نظام إقليمي مستقر يمكن فيه للقوى الكبرى أن تحافظ على مواقعها القديمة دون مراجعة، وإنما يصل إلى منطقة تتغير خرائط النفوذ فيها بسرعة، وتتراجع فيها قدرة القوة الواحدة على احتكار القرار، بينما تبحث دولها عن شركاء جدد يوسعون هامش حركتها. وفي هذه اللحظة تحديدًا اختارت الصين أن تكون القاهرة نقطة دخولها الأوسع إلى المشهد.

الزيارة، التي جرت يومي الأول والثاني من سبتمبر 2026، هي الأولى لشي إلى مصر منذ عشر سنوات، وتتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لكن أهميتها لا تكمن في بعدها الاحتفالي بقدر ما تكمن في الرسالة السياسية التي تحملها. فمصر ليست دولة شرق أوسطية عادية بالنسبة إلى بكين؛ إنها تقع عند نقطة تلتقي فيها آسيا بأفريقيا وأوروبا، وتسيطر على قناة السويس، وتمتلك موقعًا مركزيًا في ملفات غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما أنها دولة عربية وأفريقية ومتوسطية في الوقت نفسه، وعضو في مجموعة بريكس، وشريك للولايات المتحدة وروسيا والصين في آن واحد. ولهذا فإن بناء علاقة أعمق معها يمنح الصين أكثر من سوق أو مشروع استثماري؛ يمنحها موقعًا داخل شبكة التوازنات الإقليمية نفسها.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل جاءت الصين إلى مصر لأنها تريد الاستثمار في قناة السويس، أم لأنها تريد أن تجعل من مصر إحدى بوابات حضورها السياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط وأفريقيا؟

الإجابة تبدو في التفاصيل التي خرجت بها القمة. فالجانبان لم يتحدثا فقط عن التجارة والبنية التحتية، وإنما عن الحوكمة العالمية، والجنوب العالمي، وإصلاح النظام الدولي، والتنسيق داخل الأمم المتحدة وبريكس ومجموعة العشرين، إلى جانب الأمن والطاقة والغذاء والاقتصاد الرقمي. كما اتفقا على تعميق التعاون في منطقة قناة السويس، وتوطين صناعات مثل السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة المتجددة، وتطوير مراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء. هذه ليست قائمة مشروعات منفصلة؛ إنها مكونات لبناء شبكة اقتصادية وتكنولوجية تستطيع الصين من خلالها أن تجعل مصر عقدة في سلاسل الإمداد التي تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا.

وهذا تحديدًا ما تحتاجه بكين في الشرق الأوسط. الصين لا تنظر إلى المنطقة فقط باعتبارها مصدرًا للطاقة أو سوقًا للسلع الصينية، وإنما باعتبارها ممرًا حيويًا للتجارة العالمية. وكلما أصبح البحر الأحمر أكثر اضطرابًا، وكلما ارتفعت كلفة المرور البحري حول أفريقيا، ازدادت قيمة مصر بالنسبة للصين. فالمعادلة الصينية بسيطة في جوهرها: من يريد أن يحافظ على انسياب تجارته إلى أوروبا وأفريقيا يحتاج إلى طرق وموانئ ومناطق صناعية وشبكات لوجستية مستقرة، ومصر تمتلك واحدة من أهم نقاط الالتقاء في هذه الخريطة.

لكن بكين لا تكتفي بالاقتصاد. وهذا هو الجزء الأكثر أهمية في زيارة شي.

من القاهرة دعا الرئيس الصيني إلى بناء إطار أمني جديد للشرق الأوسط يقوم على الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، وعلى رفض التدخل الخارجي وإطلاق العوامل الداخلية التي تسمح لدول المنطقة بإدارة أمنها بعيدًا عن صراع المحاور.

هذه الرسالة لا يمكن فصلها عن التحول الذي تشهده المنطقة. فالصين التي كانت لعقود تتعامل مع الشرق الأوسط أساسًا من خلال التجارة والطاقة والاستثمار، بدأت خلال السنوات الأخيرة تتحرك بصورة أكثر وضوحًا في المجال السياسي. وكان اتفاق استئناف العلاقات بين السعودية وإيران بوساطة صينية في 2023 لحظة كاشفة عن هذا التحول، لأنه أظهر أن بكين لم تعد تريد أن تكون مجرد شريك اقتصادي لدول المنطقة، وإنما تريد أن تثبت قدرتها على إنتاج تسويات سياسية أيضًا.

ومع ذلك، فإن الصين لا تبدو راغبة في تقليد الولايات المتحدة. فهي لا تدخل الشرق الأوسط من خلال شبكة تحالفات عسكرية واسعة، ولا تعرض نفسها كبديل أمني مباشر لواشنطن، وإنما تبني نفوذها بطريقة مختلفة: التجارة أولًا، والاستثمار ثانيًا، والتكنولوجيا ثالثًا، ثم الدبلوماسية في الملفات التي تستطيع من خلالها تحويل وزنها الاقتصادي إلى نفوذ سياسي. ولذلك فإن صعود الصين في المنطقة لا يعني بالضرورة خروج الولايات المتحدة منها، وإنما يعني أن البيئة التي كانت تسمح لواشنطن بامتلاك المساحة الأكبر من الحركة أصبحت أكثر ازدحامًا.

وهنا تظهر روسيا وتركيا وإسرائيل ودول الخليج في الحساب الصيني.

روسيا لا تزال قوة عسكرية وسياسية مؤثرة في الشرق الأوسط، لكنها تواجه ضغوطًا اقتصادية وجيوسياسية تجعل قدرتها على تمويل نفوذ طويل المدى أقل من قدرتها العسكرية. وتركيا تتحرك هي الأخرى على خطوط متعددة بين الشرق والغرب، وتوسع حضورها في سوريا وليبيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. أما إسرائيل فتبقى لاعبًا مركزيًا في الحسابات الإقليمية، خصوصًا مع استمرار الصراع الفلسطيني وتداعياته على أمن المنطقة وعلاقاتها الدولية. وفي المقابل تمتلك دول الخليج ثقلًا ماليًا وطاقيًا واستثماريًا يجعلها شريكًا لا غنى عنه لأي قوة دولية تريد بناء نفوذ طويل المدى في الشرق الأوسط.

الصين تدرك ذلك كله، ولذلك لا تبحث عن مواجهة مباشرة مع هذه القوى بقدر ما تحاول بناء علاقات مع الجميع.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوتها. فهي تستطيع أن تتعامل مع السعودية وإيران في الوقت نفسه، ومع مصر وتركيا ودول الخليج، وأن تحافظ على علاقاتها مع إسرائيل رغم خلافاتها السياسية حول القضية الفلسطينية، وأن تنسق مع روسيا دون أن تصبح جزءًا من تحالف روسي، وأن تحافظ في الوقت ذاته على علاقات اقتصادية ضخمة مع الولايات المتحدة وأوروبا. إنها سياسة تقوم على توسيع مساحة الحركة بدلًا من إغلاقها داخل محور واحد.

ومن القاهرة تحديدًا تبدو هذه الاستراتيجية أكثر وضوحًا.

فمصر تستطيع أن تكون بالنسبة للصين جسرًا إلى العالم العربي وأفريقيا، ومركزًا لوجستيًا على طريق التجارة، وشريكًا سياسيًا في ملفات المنطقة، وقوة إقليمية تستطيع بكين من خلالها فهم التحولات العربية والتفاعل معها. وفي المقابل تستطيع القاهرة أن تستخدم العلاقة مع الصين لتوسيع خياراتها الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن علاقاتها التقليدية مع واشنطن أو أوروبا أو موسكو.

وهذا ما يجعل عبارة “التوازن الاستراتيجي” التي وردت في البيان المصري الصيني المشترك أكثر أهمية مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فالصين نفسها أشادت بالمبدأ الذي تتبناه القاهرة، واعتبرته داعمًا للتعددية الدولية، بينما أكدت مصر التزامها بمبدأ الصين الواحدة، في إشارة واضحة إلى أن العلاقة تتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة إلى تبادل الدعم في القضايا التي تعتبرها كل دولة من مصالحها الجوهرية.

حتى نهر النيل دخل في هذه المعادلة. فالصين أكدت إدراكها للأهمية الحيوية للنيل بالنسبة لمصر وحقها في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، داعية دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي وعدم إحداث ضرر. وفي المقابل أكدت القاهرة دعمها لمبدأ الصين الواحدة. إنها لغة المصالح المتبادلة التي تكشف أن الشراكة لم تعد محصورة في الاقتصاد، وإنما تمتد إلى الملفات الحساسة التي تمس الأمن القومي لكل طرف.

وفي الإقليم، تبدو القضية الفلسطينية واحدة من أهم ساحات اختبار الدور الصيني. فبكين تريد أن تظهر باعتبارها قوة دولية تتحدث عن حل الدولتين ورفض تهجير الفلسطينيين وتثبيت وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات، بينما ترى في استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أحد أسباب عدم الاستقرار الذي يعرقل بناء نظام إقليمي أكثر انفتاحًا على التجارة والاستثمار. ومن هنا فإن الاهتمام الصيني بغزة ليس منفصلًا عن مصالح الصين، كما أنه ليس مجرد موقف دبلوماسي؛ فالاستقرار السياسي في المنطقة يخدم مباشرة المصالح الاقتصادية الصينية.

الأمر نفسه ينطبق على البحر الأحمر والسودان والقرن الأفريقي. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست هامشًا جغرافيًا، وإنما جزء من الطريق الذي يربط مصالحها في آسيا بأوروبا وأفريقيا. وكل اضطراب في البحر الأحمر يرفع تكلفة التجارة، وكل حرب في السودان تهدد بيئة الأمن الإقليمي الممتدة من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي، وكل توتر حول الممرات البحرية يفرض على بكين إعادة حساباتها الاقتصادية والأمنية.

ولهذا فإن القاهرة، التي تنظر إلى البحر الأحمر من الشمال وتتابع تطورات السودان والقرن الأفريقي عن قرب، تصبح بالنسبة لبكين شريكًا طبيعيًا في هذه الملفات.

لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية: ماذا يعني كل ذلك للولايات المتحدة؟

ربما تكون الإجابة الأدق أن الصين لا تحتاج إلى طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط حتى تحقق هدفها. يكفيها أن تجعل وجودها في المنطقة أمرًا لا يمكن تجاهله عند صياغة أي معادلة سياسية أو اقتصادية أو أمنية. وهذا تحول كبير في حد ذاته. فحين تصبح الصين طرفًا أساسيًا في الاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتجارة، ثم تبدأ في طرح تصورات للأمن الإقليمي والحوكمة الدولية، فإن نفوذها يتحول تدريجيًا من نفوذ اقتصادي إلى نفوذ استراتيجي.

ومن هنا تأتي أهمية القاهرة.

فالصين لم تختر دولة صغيرة لتبدأ منها إعادة صياغة حضورها الإقليمي، وإنما اختارت دولة ذات ثقل سياسي وجغرافي وعسكري وسكاني، دولة تستطيع أن تتحدث مع واشنطن وموسكو وبكين والعواصم العربية في الوقت نفسه، وتتحرك بين هذه الدوائر دون أن تصبح جزءًا كاملًا من أي منها. لذلك فإن العلاقة الصينية المصرية قد تكون واحدة من المؤشرات المبكرة على شكل الشرق الأوسط المقبل: منطقة لا تختفي فيها القوة الأمريكية، ولا تتحول فيها الصين إلى قوة مهيمنة، ولا تنسحب فيها روسيا، وإنما تتنافس القوى الكبرى داخلها على الشراكات والنفوذ والأسواق والممرات والمواقع الاستراتيجية.

وهنا تتغير طبيعة المنافسة نفسها. لم يعد السؤال فقط: من يملك أكبر قاعدة عسكرية؟ بل من يملك الميناء، ومن يسيطر على سلاسل الإمداد، ومن يبني شبكة الطاقة، ومن يطور التكنولوجيا، ومن يمول البنية التحتية، ومن يستطيع أن يكون شريكًا للدول من دون أن يطلب منها الانضمام إلى محور سياسي محدد.

الصين تبدو أكثر استعدادًا لهذه اللعبة الجديدة.

وإذا كانت القاهرة هي البوابة التي اختارتها بكين لتوسيع حضورها في المنطقة، فإن الرسالة الأهم ليست موجهة إلى مصر وحدها. الرسالة موجهة إلى الشرق الأوسط كله: الصين موجودة، وتريد أن تكون جزءًا من ترتيبات المنطقة، اقتصاديًا وسياسيًا واستراتيجيًا، لكنها تريد أن تفعل ذلك بطريقتها الخاصة.

ولذلك فإن زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة قد تُقرأ بعد سنوات من الآن باعتبارها أكثر من زيارة رئيس لدولة حليفة؛ ربما تكون إحدى اللحظات التي ظهر فيها بوضوح أن الشرق الأوسط بدأ ينتقل من عصر النفوذ المنفرد إلى عصر التنافس المتعدد، وأن القاهرة، بحكم موقعها وعلاقاتها ومصالحها، أصبحت واحدة من أهم الأبواب التي تدخل منها القوى الكبرى إلى هذه المرحلة الجديدة.

الصين لا تدخل الشرق الأوسط من أضيق ممراته، ولا من بوابة عسكرية، ولا عبر إعلان تحالف جديد. إنها تدخل من أوسع أبوابه: الاقتصاد، والممرات البحرية، والتكنولوجيا، والدبلوماسية، وعلاقاتها المتوازنة مع أطراف المنطقة. وإذا نجحت في تحويل هذه الأدوات إلى نفوذ سياسي مستدام، فإن السؤال لن يكون بعد ذلك عما إذا كانت الصين قد أصبحت لاعبًا في الشرق الأوسط، وإنما إلى أي مدى ستعيد المنطقة نفسها ترتيب علاقاتها عندما يصبح اللاعب الصيني حاضرًا على الطاولة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد