السودان من الحوار السياسي إلى الحوار التنموي
07-09-2026 01:47 PM
مدتنا الأستاذة رباب بلدو، الخبيرة السودانية والدولية البارزة في مجال فض النزاعات وبناء السلام، بمساهمة قيمة وجديدة نوعيا في النقاش حول الحوار الوطني السوداني، ضمنتها في ورقتها «من الحوار السياسي إلى الحوار التنموي في السودان»، ووافقت مشكورة أن نستضيف اليوم ملخصا لبعض المحاور الرئيسية في الورقة.
تنطلق الورقة من أن السودان، وعلى مدى عقود طويلة، شهد جولات عديدة من المفاوضات والحوارات التي جمعت النخب السياسية والحركات المسلحة، غير أنها جميعها فشلت في تحقيق سلام مستدام، بل ساهمت في تعميق الانقسامات بدلاً من رأبها. فهي ظلت حبيسة الطابع النخبوي، ولم تلامس هموم المواطنين اليومية المتعلقة بسبل العيش والخدمات الأساسية والأمن، بينما ظلت النخب تمسك بمواقف جامدة تحكمها المصالح الضيقة ومنطق المكسب الصفري. وكل ذلك أدى إلى تنامي شعور الإرهاق الشعبي وفقدان الثقة في جدوى هذه الحوارات والمفاوضات.
والأطروحة المركزية في ورقة الأستاذة رباب، تتلخص في أن استمرار صراعات ونزاعات السودان لا يعود فقط إلى الإقصاء السياسي، بل يرتبط بشكل عميق بأوجه عدم المساواة الهيكلية المتجذرة في المسار التنموي للدولة منذ الاستقلال. فالسياسات التنموية تميزت بعدم التوازن، حيث حظيت مناطق معينة بالاستثمارات والخدمات بينما أُهملت مناطق أخرى بشكل مزمن، مما أنتج فوارق عميقة في خدمات التعليم والصحة والبنية التحتية والمياه والكهرباء. هذه الاختلالات ليست عوامل هامشية للصراعات، بل محرك رئيسي لها، وحولت المناطق المهمشة إلى بؤر لاستدامة عدم الاستقرار وتراكم المظالم. وبناءً على هذا التشخيص، تقترح الأستاذة رباب استكمال عملية السلام بإطار جديد يُسمى “الحوار التنموي”، ينقل محور النقاش إلى السؤال الأكثر جوهرية: كيف يمكن للحكم أن يُحسّن حياة جميع السودانيين؟ وينظر إلى الحوار كعملية وطنية شاملة تضع التنمية العادلة والتحول الاقتصادي ورفاه المواطنين في صميم بناء الدولة والسلام معاً. فالوصول إلى الطرق والتعليم والصحة والأسواق والمياه والكهرباء والاتصال الرقمي، لا يُنظر إليه كقضايا تنموية بحتة، بل كمتطلبات أساسية لبناء السلام نفسه. ويستلزم هذا الإطار توسيع دائرة المشاركة لتشمل، إلى جانب السياسية، مؤسسات الحكم المحلي، وخبراء الاقتصاد التنموي، ومخططي المدن، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والإدارات الأهلية، والمنظمات النسوية، والحركات الشبابية، والنقابات المهنية، وممثلي المجتمعات المهمشة، باعتبار أن هذه الأطراف تمتلك خبرات فنية غالباً ما تغيب عن طاولات التفاوض التقليدية. وترتكز الفكرة الأساسية لهذا الإطار على اعتماد التنمية كأساس للشرعية السياسية بديلاً عن النموذج التقليدي القائم على المساومات بين النخب والمنافسة على كراسي السلطة. وهذا التحول لا يعني إلغاء المنافسة السياسية، بل إعادة توجيهها لتصبح منافسة قائمة على الأداء التنموي: أي الأحزاب أقدر على خلق فرص العمل، وتحسين الإنتاج الزراعي، وتوسيع التعليم، وتحقيق العدالة في الخدمات؟ وكدليل على أن هذا التحول ممكن عملياً، تستشهد الورقة بتجربة شباب «غرف الطوارئ» خلال الحرب الراهنة، حيث أثبت هؤلاء الشباب قدرات استثنائية في التنظيم والقيادة المجتمعية في ظل غياب مؤسسات الدولة، من خلال تنسيق المساعدات الإنسانية وحماية المجتمعات وضمان استمرار الخدمات الأساسية. وكل هذا يُؤكد وجود جيل يمتلك المهارات القيادية والكفاءة الفنية اللازمة للمشاركة الفعلية، لا الرمزية، في التخطيط والتنفيذ والحكم المحلي في مرحلة إعادة الإعمار.
ومستشهدة بتجارب دول أفريقية مجاورة نجحت، رغم ما تواجهه من تحديات سياسية وأمنية، في جعل الاستثمار في البنية التحتية، واللامركزية، والتنمية المحلية، أداة لتعزيز شرعية الدولة والاستقرار طويل الأمد، تدعو الأستاذة رباب إلى إعادة تعريف مقياس “النجاح السياسي”، بحيث لا يُقاس بالسيطرة على مؤسسات الدولة أو حصص السلطة، بل بمدى التقدم في مؤشرات التنمية البشرية، وعدالة الخدمات، وتوسيع البنية التحتية، وتقليص الفوارق بين الأقاليم، مما يفتح فرصة تاريخية لاستبدال ثقافة التنافس على السلطة بثقافة التنافس على الأداء والابتكار.
ومن الناحية التطبيقية، تدعو الورقة إلى:
إجراء تقييمات شاملة قائمة على بيانات التفاوتات الإقليمية وفجوات الخدمات، لتكون أساساً لاستراتيجيات استثمارية طويلة الأجل.
إعطاء الأولوية لتطوير شبكات الطرق التي تربط الأرياف بالأسواق، وبناء المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والبنية الرقمية في المناطق الأقل نمواً.
اعتماد آليات شفافة لتخصيص الموارد تستند إلى مؤشرات موضوعية بدلاً من المحاصصة السياسية أو النفوذ العسكري.
عدم انتظار توقف الحرب للبدء في التخطيط لإعادة الإعمار، وذلك لضمان جاهزية الانتقال السريع من الاستجابة الإنسانية إلى التعافي فور التوصل إلى تسوية سياسية. ويُعد هذا استثماراً استراتيجياً يضمن أن يكون السلام، عند تحقيقه، مستداماً وقادراً على تحسين حياة المواطنين فعلياً.
وتستنتج الورقة، أن استمرار دورات الصراع في السودان يُثبت أن السلام لا يتحقق بالتسويات السياسية وحدها، رغم أهميتها في وقف إطلاق النار وتحديد ترتيبات الحكم. فمن منظور الاقتصاد السياسي، يرتبط استمرار العنف بتفاعل التهميش السياسي مع التنمية غير المتوازنة واتساع الاقتصاد غير الرسمي واقتصاد الظل، بحيث أصبحت الحرب نفسها مصدر مكاسب اقتصادية لبعض الفاعلين. وتشدد الورقة على أن الحوار التنموي ليس بديلاً عن الحوار السياسي، بل مكمّلاً ضرورياً له، ويوسّع أجندة السلام لتشمل رفاه المواطنين والعدالة في التنمية الإقليمية كركائز لصنع القرار الوطني. كما يؤكد أن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تبقى حكراً على النخب السياسية، بل يجب أن تُعبّئ خبرات المخططين والاقتصاديين والمهندسين والقطاع الخاص والمجتمع المدني والنساء والشباب.
وفي ختام ورقتها، تحذر الأستاذة رباب بلدو أن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي: فإما الاستمرار في مساومات النخب دون مشروع تنموي تحويلي، وهو ما سيعيد إنتاج المظالم ذاتها التي غذّت الصراعات لأكثر من ستة عقود، أو تبني الحوار التنموي كفرصة لصياغة عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والشمول والمساءلة وتقاسم ثمار التنمية بدلاً من الإقصاء والمحسوبية والتنافس على السلطة.
اتحاد الكتّاب يعلن الحداد ثلاثة أيام ويستنكر الاعتداء على كنيسة حمود
الجيش العربي في عصر الحروب الرقمية
مأساة «الكرك» .. إرهابٌ يحتفي بالانبعاث
انتخابات الاحتلال: متغيرات الموز وثوابت الإبادة
كل ما جرى في قضية كنيسة حمود السبت .. الشهداء والمصابون والتحركات الرسمية
تحديد موعد تشييع ضحايا كنيسة حمود التسعة
مفتي المملكة: الإسلام بريء من جريمة كنيسة الكرك
الاحتلال يقتحم 40 بلدة بالضفة ويعتقل 40 فلسطينيا
الهند تدين الاعتداء على كنيسة في الكرك وتؤكد تضامنها مع الأردن
متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟
17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟
خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل
قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل
تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل
تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس
قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب
زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.
الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا
الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل
النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة
خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة
قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟
تقاعدات وترفيعات وإنهاء خدمات في التربية .. التفاصيل والأسماء
مدير زراعة بني كنانة يكشف للسوسنة تفاصيل قضية تنكات الزيت الفارغة