تسميم ذائقة القراء… كيف أضاع العربي كتابه؟
25-07-2026 01:05 AM
دخلت الرواية العربية زقاقا يتعسر عليها الخروج منه. صارت منذ سنين رواية في خدمة قارئ يود أجوبة مريحة بدل أن يطرح على نفسه أسئلة شائكة. إنها رواية تدور في فلكي الترويج لقصص حب معلبة، وكأنها مسلسلات دراما، أو في استجداء عوالم الجن والعفاريت. لقد أصيبت ذائقة القراء بتسمم، إلى درجة يظن فيها القارئ ـ غير المطلع ـ أن الرواية العربية الجيدة هي رواية يلتقي فيها الحبيبان في الخاتمة، أو تتصارع فيها قوى غير مرئية، وفي الغالب هي روايات تصل إلى خواتم مبهجة وكأنها كتب أطفال.
كما يظن القارئ نفسه أن الرواية الطموحة هي التي تطفح بعوالم الغيب، وتعلي من شأن العوالم المظلمة، بما يطابق الحكايات الشعبية، وكأننا بصدد خرافة لا رواية، بما يتسق مع الأساطير التي تعشش في الأمكنة الخلفية من المجتمعات العربية. لقد باتت كتابة تلعب على المشاعر بدل أن توقظ العقل. وهذا النوع من الكتابات وجد رافعة، في وقت مضى، مستفيدا من كسل الناقد، ثم استفاد مرة أخرى من سلطة الخوارزميات في زمن السوشيال ميديا.
في وقت مضى، كان الناقد يباشر النص مثل ميكانيكي يباشر عربة معطوبة، والناقد لا يرضيه أن يخرج عن المنهج، بل يريد نصوصا يسهل أن تنطبق عليها النظريات التي تعلمها في الجامعة. كان نقدا وظيفيا يجد ضالته في روايات مكتوبة باللون الوردي، تحكي عن قصص الحب المؤجلة، ومن غير وعي منه، روج الناقد لهذا النوع من الأدب، معززا رأيه بأنها روايات يسهل أن يُطبق عليها الإجراءات التي تعلمها وهو على مقاعد الدراسة. لا يكترث أن تكون رواية تفتقد إلى التخييل، ولا يهمه أنها رواية لا تحوز حساسية فكرية أو نقدية، كما أن الناقد نفسه يفتقر إلى حساسية قراءة، فهو يلج إلى النص مثل موظف يلج إلى مكتبه. وعندما انصرف الناقد إلى قيلولة، وأضاع حظوته في الأوساط الأدبية، نابت عنه الخوارزميات مع توسع سلطة جيل جديد من نقاد فيسبوك والإنستغرام وتيك توك، وفي الغالب إنهم شبان، لا يملكون من الزاد عدا موبايل، لا معرفة لهم في شؤون النقد، عدا ما سمعوا عنه في مقهى أو على ناصية طريق، ويجد هؤلاء الشبان في روايات العفريت والجان وروايات تفسير الأحلام والكوابيس، حيزا من الطمأنينة، لأنها تحكي عن أشياء يسمعون عنها ولم يروها، إنها تغذي مخيلتهم في التعلق بالثقافة الشعبية، التي جاؤوا منها، بالتالي يقضون وقتهم أمام الموبايل في الترويج إلى روايات من عوالم الأرواح. إنها روايات تسهل قراءتها، مثلما يسهل نسيانها عقب طي الصفحة الأخيرة. وعلى الرغم من أن هذه الروايات تفتقر إلى الصنعة، فقد لاقت رواجا، لأن القارئ العربي لا يبذل جهدا في فهمها وفي مناقشتها، بل يتطابق مضمونها مع تنشئته الاجتماعية. كما يجب أن نشير إلى أن من كتاب روايات الغرام أو روايات الجان من يدفع المال مقابل أن يحوز فيديو من دقيقتين على السوشيال ميديا. لأنه يعلم أن روايته لن تلقى الرواج، ولن تجد طريقا إلى القراء، بالتالي لا يرى مانعا في دفع المال مقابل فرصة للظهور.
هكذا شيئا فشيئا جرى تسميم ذائقة القراء في العالم العربي، على مرأى الجميع، من غير أن يعرف أحد كيف الخلاص. في زمن التكنولوجيا المتسارع نتعلم من الرواية الصبر، نتعلم منها التأمل في الأحوال، ندرك منها أن الحقيقة ليست واحدة، مع ذلك بات القارئ الحقيقي محاصرا، أو بالأحرى أسيرا، يبحث عن أدب جيد، لكن الأدب الجيد يقبع خلف الأسوار، لأن واجهات المكتبات مثل واجهات الإعلام تحتشد بروايات سريعة الاستهلاك. وصارت الروايات الجيدة معزولة، في أسفل الرفوف، لا أحد يبالي بها، لأنها لا تميل إلى قصص حب منتهية الصلاحية، ولا تطارد الجن والعفاريت. إن هذا المستنقع الذي وقعت فيه الذائقة يبرر حالة الركود التي نشهدها كل يوم، ونحن نسمع من الناشرين أن الكتب الجيدة لا تباع، أو نسمع من نقاد، أن الروايات كثيرة والجودة قليلة. إن الأمر يتعلق ببساطة بضرورة تحرير القارئ من لعبة الخوارزميات التي دخل إليها، والتي تجعله يتقبل أدبا يفتقر إلى مخيلة، ويعترض على أدب يحوز كل صفات الجودة، لكنه لا يطابق أفكار القارئ المسبقة.
لا يزال الحديث عن كثرة الإنتاج وانخفاض الجودة في الرواية العربية يتكرر، وكأنه متلازمة، وهذا كلام يتلوه في الغالب نقاد على باب الاستقالة أو باب التقاعد، لأن الناقد لا يود أن يبذل جهدا، فلا أحد يشتكي من كثرة الأشجار في غابة، لأن العاقل من يبحث عن الشجرة المثمرة منها. ويبدو أن الناقد لا يريد أن يستنزف وقتا في التنقيب عن الروايات الجيدة، بل يجد العذر جاهزا. إن تضخم الإنتاج يعتم عليه الرؤية، وإن تضخم الإنتاج يسهل عليه التقليل من قيمة الرواية العربية في مجملها. وإن كان هذا موقف الناقد، فماذا نتوقع من القارئ؟ صحيح أننا نشهد كل عام صدور آلاف الروايات في مجمل الأقطار العربية، ومن العسير أن نفرز بين السمين والغث، ولكن هذا ليس عذرا للقول، إن الرواية العربية ليست بخير، بل الإشكال أن الجميع يستسلم إلى سلطة الخوارزميات التي سممت ذائقة القراء، وهو أمر جعل الروايات الجيدة تنحدر إلى أسفل الاهتمام، والكاتب الجيد لا يبيع أكثر من بضع مئات من النسخ كل عام. إن الجميع يرغب في رواية عربية ناجحة، ولكن لا أحد يفكر في أسباب تراجعها، في ظل غياب منظومة نقد وقراءة. فالقارئ يشعر براحة في مطالعة رواية أقرب إلى الوعظ منها إلى الإبداع، يسعى إلى رواية تؤكد القناعة التي يحيا فيها، ولا يريد نصا يزعزع اليقين. والناقد من جهته يبحث عن روايات يسهل أن يطبق عليها المنهج. وفي هذا الجو من التسمم الأدبي يشتكي الكاتب حاله، مدركا أن كتاباته لا تبلغ القراء لأن الطريق إليهم محفوف بالعوارض. ومن الكتاب من تخلى عن الابتكار في العمل وبات يكتب من أجل القارئ المتسمم. هكذا هو الحال الذي وصلنا إليه، إنها شبكة من الانحرافات الأدبية، جعلت من الرواية العربية الحقيقية يتيمة في بيئتها، بينما الروايات التي تلعب على العاطفة وعلى عالم الغيب تحتل واجهة المشهد.
في تطور متسارع .. السعودية تقصف الحُديدة اليمنية والحوثيون يحذرون
تسميم ذائقة القراء… كيف أضاع العربي كتابه؟
إلى أين ينتمي من يرفضون الانتماء
أسطورة الانفراط الموعود: المألوف من خلافات أمريكية ـ إسرائيلية
أيها السوريون: شتان بين حرية التعبير وحرية التشهير
دوالي الساقين تصيب النساء أكثر .. وهذه أبرز علامات الخطر
مؤشرات الأسهم الأوروبية تسجل مكاسب أسبوعية
ترامب: الإيرانيون باتوا يظهرون جدية أكبر في المباحثات
المحكمة الجنائية الدولية تواجه ضغوطًا وتهديدات إثر ملاحقة مسؤولين إسرائيليين
ماذا يعني عزل كريم خان؟ وهل تتأثر مذكرة توقيف نتنياهو؟
انطلاق فعاليات مهرجان صيف الأردن 2026 بالحديقة البيئية بلواء الرصيفة
الرئاسة الفلسطينية: حكومة الاحتلال تدفع الضفة الغربية نحو الانفجار
إقالة المدعي العام لمحكمة لاهاي الذي أصدر مذكرة توقيف بحق نتنياهو
ترامب يهدد الاتحاد الأوروبي برسوم جمركية رداً على غرامات أميركية
الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة
جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها
فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء
حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن
البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي
بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية
بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني
تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء
السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل
وفاة الفنانة الأردنية فتحية الفاعوري
هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك
عادل إمام يتصدر الترند ما السبب .. صورة
إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

