حين يعترف البريء: كيف تصنع ضغوط التحقيق اعترافا كاذبا؟

حين يعترف البريء: كيف تصنع ضغوط التحقيق اعترافا كاذبا؟

27-07-2026 11:13 PM

قد يبدو من غير المنطقي أن يعترف شخص بريء بجريمة قد تقوده إلى السجن سنوات طويلة، لكن الدراسات والقضايا الواقعية تثبت أن هذا الأمر قد يحدث. فما الذي يدفع الإنسان إلى الاعتراف بفعل لم يرتكبه؟
اولا: طول التحقيق واتخاذ قرارات قصيرة النظر
نشرت مجلة Law and Human Behavior عام 2013 دراسة للباحثة ستيفاني مادون وزملائها حول أثر طول التحقيق في قرارات الاعتراف. وتضمنت الدراسة تجربتين شارك فيهما 118 شخصا في التجربة الأولى و177 شخصا في التجربة الثانية.
وجد الباحثون أن طول المقابلة، أو توقع استمرارها مدة طويلة، زاد ميل المشاركين إلى التركيز على النتائج القريبة، مثل إنهاء المقابلة والتخلص من الضغط الحالي، مع إعطاء اهتمام أقل للعواقب المستقبلية التي قد تترتب على الاعتراف. كما أصبح هذا التأثير أقوى كلما استمرت المقابلة مدة أطول.
وتشير النتائج إلى أن التحقيق الطويل قد يدفع بعض الأشخاص إلى اتخاذ قرار قصير النظر، فيعطون الأولوية لإنهاء الموقف الضاغط بدلا من التفكير الكامل في النتائج القانونية المستقبلية. ويرى الباحثون أن هذه الآلية قد تزيد احتمال اعتراف بعض المشتبه بهم الأبرياء.
ومع ذلك، لم تجر الدراسة داخل تحقيقات جنائية حقيقية، ولم تثبت بصورة مباشرة أن المشاركين الأبرياء اعترفوا بجرائم لم يرتكبوها. ولذلك توضح الدراسة آلية نفسية قد تساعد على تفسير الاعترافات الكاذبة، لكنها لا تثبت أن طول التحقيق يؤدي حتما إلى حدوثها.
ثانيا: الحرمان من النوم والاعتراف الكاذب
نشرت مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences عام 2016 دراسة تناولت أثر الحرمان من النوم في احتمال تقديم اعتراف كاذب. شارك في الدراسة 88 شخصا، قسموا بالتساوي إلى مجموعتين؛ نام أفراد المجموعة الأولى خلال الليل، بينما بقي أفراد المجموعة الثانية مستيقظين طوال الليل.
كان المشاركون قد تلقوا تحذيرات متكررة من الضغط على مفتاح معين في الحاسوب، لأن ذلك قد يؤدي إلى فقدان بيانات الدراسة. وفي صباح اليوم التالي، طلب منهم توقيع إفادة تتضمن ادعاء غير صحيح بأنهم ضغطوا ذلك المفتاح.
أظهرت النتائج أن 50% من المشاركين المحرومين من النوم وقعوا الإفادة الكاذبة بعد الطلب الأول، مقابل 18% من المشاركين الذين حصلوا على النوم. كما وجد الباحثون أن أرجحية توقيع الاعتراف الكاذب كانت أعلى بنحو 4.5 مرات لدى المحرومين من النوم.
وتشير هذه النتائج إلى أن الحرمان من النوم قد يضعف قدرة الشخص على التفكير في العواقب ومقاومة الضغط، مما قد يزيد احتمال موافقته على اعتراف غير صحيح.
ومع ذلك، أجريت الدراسة في بيئة تجريبية، وتعلقت بمخالفة بسيطة لا بجريمة حقيقية، لذلك لا يمكن تعميم نتائجها بصورة قاطعة على جميع التحقيقات الجنائية. لكنها تقدم دليلا على أن قلة النوم قد تكون عاملا يزيد خطر الاعتراف الكاذب.
ثالثا: التقليل من خطورة الفعل وعرض التساهل
نشرت مجلة Psychological Science عام 2005 دراسة أجراها ميليسا روسانو وزملاؤها حول تأثير بعض أساليب الاستجواب في الاعترافات الصحيحة والكاذبة.
اعتمد الباحثون تجربة اتهم فيها مشاركون مذنبون وآخرون أبرياء بتعمد مخالفة قاعدة تمنع الغش. ثم استخدم الباحثون أسلوبين في الاستجواب، هما التقليل من خطورة الفعل، وعرض التساهل مقابل الاعتراف.
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين ارتكبوا المخالفة كانوا أكثر ميلا إلى الاعتراف من الأبرياء. لكن استخدام التقليل وعرض التساهل أدى إلى زيادة الاعترافات الصحيحة والكاذبة معا.
وتوضح هذه النتيجة أن الأسلوب الذي يزيد عدد الاعترافات لا يكون بالضرورة أكثر قدرة على كشف الحقيقة. فقد يشجع المذنب على الاعتراف، لكنه قد يدفع البريء أيضا إلى تقديم اعتراف غير صحيح، خصوصا عندما يعتقد أن الاعتراف سيخفف عنه الضغط أو يؤدي إلى نتيجة أفضل.
ولهذا أوصى الباحثون بتجنب أساليب الاستجواب التي تعد بالتساهل أو توحي به، لأنها تجعل الاعتراف أقل قدرة على التمييز بين المذنب والبريء.
ومع ذلك، أجريت الدراسة في بيئة تجريبية، وتعلقت بمخالفة قاعدة داخل تجربة، لا بجريمة حقيقية أو بعقوبة جنائية. ولذلك توضح النتائج أن هذه الأساليب قد تزيد خطر الاعتراف الكاذب، لكنها لا تثبت أن كل شخص يتعرض لها سيقدم اعترافا غير صحيح.
رابعا: أثر طريقة الاستجواب في الاعترافات الصحيحة والكاذبة
نشرت مجلة Campbell Systematic Reviews عام 2024 مراجعة منهجية تناولت أثر أساليب الاستجواب في الاعترافات الصحيحة والكاذبة. وشملت المراجعة 27 مقالة علمية تضمنت 29 دراسة تجريبية مستقلة.
قارنت الدراسات بين ثلاثة أساليب رئيسية، هي الأسلوب الاتهامي، وأسلوب جمع المعلومات، والأسئلة المباشرة. وأظهرت النتائج أن أسلوب جمع المعلومات أدى إلى اعترافات صحيحة أكثر من الأسئلة المباشرة، وكانت أرجحية الحصول على اعتراف صحيح أعلى بنحو 2.43 مرة.
وفي المقابل، ارتبط الأسلوب الاتهامي بارتفاع الاعترافات الكاذبة. فقد كانت أرجحية الاعتراف الكاذب أعلى بنحو ثلاث مرات مقارنة بالأسئلة المباشرة، وأعلى بنحو 4.41 مرة مقارنة بأسلوب جمع المعلومات.
كما أظهر التحليل التفصيلي أن بعض الأساليب الاتهامية، مثل الإيحاء بوجود أدلة ضد المشتبه به والتقليل من خطورة الفعل، ارتبطت بزيادة الاعترافات الكاذبة.

وتشير هذه النتائج إلى أن طريقة الاستجواب لا تؤثر فقط في عدد الاعترافات، بل تؤثر أيضا في مدى صدقها. فالأسلوب الذي يضغط على المشتبه به للحصول على اعتراف قد يزيد عدد الاعترافات، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه احتمال اعتراف شخص بريء.
ومع ذلك، أجريت معظم الدراسات على طلاب جامعات وفي ظروف تجريبية تحاكي التحقيق. ولذلك لا يمكن تعميم النتائج بصورة قاطعة على جميع التحقيقات الجنائية الحقيقية. لكنها تقدم دليلا علميا يدعم الابتعاد عن الأساليب الاتهامية، واعتماد أساليب تركز على جمع المعلومات واختبارها.
توضح الدراسات أن الاعتراف لا يكون دائما دليلا قاطعا على الذنب. فقد تؤثر ظروف التحقيق، مثل طول الاستجواب، والحرمان من النوم، والتقليل من خطورة الفعل، والإيحاء بالتساهل، في قدرة المشتبه به على التفكير ومقاومة الضغط.
كما تبين أن الأساليب الاتهامية قد تزيد الاعترافات الكاذبة، بينما يبدو أسلوب جمع المعلومات أكثر قدرة على الحصول على اعترافات صحيحة من دون زيادة واضحة في الاعترافات الكاذبة. وهذا يعني أن نجاح التحقيق لا يقاس بعدد الاعترافات التي يحصل عليها المحقق، بل بمدى صحة المعلومات التي يكشفها.
ومع ذلك، لا تعد هذه النتائج دليلا جازما ينطبق على جميع التحقيقات؛ لأن معظم الدراسات أجريت في ظروف تجريبية وعلى طلاب جامعات، ولم يكن المشاركون يواجهون عقوبات جنائية حقيقية. لكنها تقدم دليلا علميا على أن طريقة الاستجواب قد تزيد خطر اعتراف شخص بريء.
لذلك لا ينبغي الاعتماد على الاعتراف وحده في إثبات الجريمة، بل يجب التأكد من أنه صدر بإرادة حرة، وأن تفاصيله تتفق مع أدلة مستقلة. فالهدف من التحقيق ليس الحصول على اعتراف بأي طريقة، وإنما الوصول إلى الحقيقة مع حماية الأبرياء من الإدانة الخاطئة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

قفزة كبيرة بأسعار الذهب محلياً اليوم

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر