كيف تجنى الناقد عز الدين إسماعيل على القصيدة «الطويلة»؟

كيف تجنى الناقد عز الدين إسماعيل على القصيدة «الطويلة»؟

26-07-2026 06:31 AM

إنَّ موقفَ النقد الأدبي العربي من القصيدة الطويلة سلبيٌّ بالعموم، نظرًا لما تعوَّدهُ هذا النقدُ من السيرٍ سيرًا ممغنطًا على المسلك نفسه الذي سلكه نقادُ الجيل السابق من رؤى هي ذاتُ توصلاتٍ معتادةٍ، وأولهم د. عز الدين إسماعيل. إذ ما من شك في أنَّ نقاد هذه القصيدة -على قلتهم- لا ينفكون يستندون إلى آراء هذا الناقد الذي اعتمد – في كتابه «الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية»، 1966- مسمى القصيدة الطويلة، ودرس إطارها العام في معرض بحثه في معمارية القصيدة العربية المعاصرة. بيد أنه في تطرقه إلى تحليل بنائية هذه القصيدة كان ميالًا وبانحيازٍ جليِّ إلى القصائد القصار، وإليها رجحتْ كفة تحليلاته كما في القصيدة القصيرة «السمفونية الخامسة لبروكوفيف» لعبد الوهاب البياتي، وكذلك قصيدة محمد الفيتوري «في ضوء القمر»، فضلا عن قصيدتي «أغنية الشتاء» و«قصيدة الظل» لصلاح عبد الصبور.
وحين انتقل إلى نقد القصائد الطوال، لم يحلل سوى نموذج واحد. وانتهى بعجالة إلى خلاصة حاول فيها تدارك هذا التفاوت في التحليل فقال: «الحق أنَّ القصيدة الطويلة هي الكشف الحقيقي في ميدان الشعر العربي الحديث بعامة»، ولكن المفارقة أن له آراء متجنية على هذه القصيدة وعلى شعرائها أيضا وهي كالاتي:

1 – تعريفه القصيدة المطولة بأنها «حشد كبير من تلك الأشياء الجاهزة التي تعيش في واقع الشاعر النفسي» ولو كان نظم هذه القصيدة يقوم على (الأشياء الجاهزة) لفَقَدَ شعراؤنا الكبار إبداعيتهم، كونهم يكتبون بلا فاعلية فنية، ومن دون فلسفة تفرض عليهم التعبير عنها؛ بل الأمر على العكس تماما، فلقد دلَّتهم كتابتهم للقصيدة المطولة على مواضع التجديد الموسيقي والمغايرة الفنية والموضوعية. وهيأت لهم أيضًا إمكانيات التوسيع، بعيدًا عن نمطية التقيد التفعيلي وقسرية الالتزامِ بفكرةٍ محددةٍ.

2 – تأكيده أنَّ ظهورَ القصيدة الطويلة اقترن بالنزعة الدرامية، أي أن كتابة هذه القصيدة وسيلة لغاية تتمثل في «الدرامية». ونعترض على هذا الرأي بأمرين: الأول أنَّ هذه القصيدة ليست سمة جديدة من سمات الشعر المعاصر، بل هي قديمة قدم الشعر، واقترنت بنزعات عدة، منها الغنائية والقصصية. وعرفهما شعراءُ المعلقات وشعراء مدرسة زهير بن أبي سلمى مثل كعب والراعي النميري وغيرهم من الذين كانوا يتقصدون التطويل باستعمال التحكيك، أي إطالة النظر في الصنعة الشعرية، مودعين كمية كبيرة من المشاعر والموضوعات والأغراض التي معها تمتد الأبيات وبوحدة فنية موضوعية. والأمر الثاني أنَّ الملحمية هي السمة الأهم التي سعى الشعراء المحدثون من أصحاب الفلسفة إلى تمثيلها في مطولاتهم.
ولعل اختلاط أمر نظم القصيدة المطولة بالمسرحية الشعرية هو الذي أوحى إلى الناقد عز الدين إسماعيل أن الدرامية هي التي تنتج القصيدة الطويلة، وأنَّ الشعراء المسرحيين هم كتّابها، وذكر منهم عبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور.

3 – اعتباره نظم المطولة يعكس ما مرُّ به الشعراء في حياتهم من تجارب عسيرة وخبرات كثيرة، ولذلك «يجرؤ واحد منهم على أن يكتب القصيدة الطويلة إلا بعد رحلة من المعاناة والعرق. وقد لمستُ فيما تنشره بعض مجلاتنا الأدبية من قصائد طموح الشباب الطالع إلى كتابة القصيدة المطولة قبل أن يتعرفوا على طبيعتها تعرفا كافيا وقبل أن يتسلحوا لها التسلح الضروري. فإذا بهم يسقطون في مزالق فنية معيبة من دون أن يشعروا. فإن تكن الإفادة من تجارب الآخرين حقا، فقد كان التقليد الأعمى مقيتا في كل حال».
وواقع الحال أنَّ الشعراء من رواد حركة الشعر الحر في العراق كتبوا القصيدة المطولة وهم في شبابهم وبداية تجاربهم، ولم يكونوا يقلدون؛ بل كانوا معبأين بفهم تام للأصول وعلى علم وافٍ بالتقاليد. وهذا ما مكَّنهم من استثمار ممكنات القصيدة المطولة في تطوير نظام العشر العربي برمته. أما جرأتهم، فهي في ما حققوه من ثورة على نظام العروض التقليدي، وما كان لهم أن يحققوا ذلك، لولا خوضهم غمار كتابة القصيدة المطولة التي هي أكثر مناسبة للعصر الحديث. وللسبب نفسه كتب ت. س. اليوت مطولته «الأرض الخراب» وهي إلى اليوم على قوتها الفلسفية في مواجهة ظلامية العالم المادي المتوحش.
أما اتهام شعراء المطولات بالتقليد الأعمى، فتفنده حقيقة اتخاذهم من القصيدة المطولة مشاريع شعرية، كرسوا لها كل حياتهم وكل ما لديهم من إبداع. فاستعملوا صيغا عروضية كانت مهملة، ووقفوا على أنماط مستجدة في كتابة السطر الشعري من قبيل توظيف المثل الشعبي أو الاستعانة ببعض الألفاظ العامية.. وما إلى ذلك.
ولم يحدد الدكتور عز الدين اسماعيل مواضع ما وصفه بـ«المزالق الفنية المعيبة» في القصيدة الطويلة، ولا جاء بأمثلة تؤكد زعمه ناهيك عن خلو كتابه موضع الرصد – في الأعم الأغلب – من ذكر المراجع والمصادر. فهو حين يذكر قولًا أو يأتي برأي لناقد غربي مثل هربرت ريد أو جاتيان كيكو، نجده لا يكترثُ بوضع الإحالات إزاء كل قول ورأي. والأغرب من هذا أنَّ نقده للقصيدة الطويلة جاء في مرحلة، كان فيها نظمها على النمطين الشطري والتفعيلي قد بلغ درجة من الوضوح والنضج. وكان لها في ذلك منجز قيم، يجعل منها ظاهرة حديثة على صعيد الشعر العربي. وهذا ما كان يقتضي من نقاد أدبنا العربي أن يكونوا في مستوى ما بلغه الشعر العربي من تطور في السمات الموضوعية والخصائص الفنية، بعيدا عن الأحكام الكلاسيكية الجاهزة أي التي تُطلق من دون تحرٍ فكري ولا تشخيص منهجي.
إجمالا، فإنَّ استحكام التجزيئية والمنهجية الأحادية وطغيان النزعة الاتباعية على نقاد الجيل السابق، كان قد ترك أثرًا سلبيًا في نقد القصيدة العربية المعاصرة عامة ونقد المطولات الشعرية خاصة. واعتمادا على ما وضعه شعراؤنا المعاصرون من مختارات شعرية أولا، واستنادا إلى طبيعة العصر الاجتماعية والسياسية والثقافية ثانيا، تبين لي شخصيا أن صفة (الطويلة) لا تفي بحقيقة ما في القصيدة المؤلفة من عشرات الأبيات من نمذجة شعرية، فيها تتجلى الأصول وتتضح التقاليد الفنية. ومن ثم رجحت مسمى (القصيدة المطولة) بناءً على مسوغات عدة، منها مثلا أنَّ في مفردة «مُطولَّة» دلالة القصدية في الوعي بإطالة الشيء عمدًا واصرارًا، بعكس مفردة «طويلة» التي هي توصيف لطولٍ مبالغ فيه. ومن ثم تكون عبارة «قصيدة طويلة» دالة على القصيدة نفسها من ناحية وصفها المبالغ بالطول في حين أن عبارة «قصيدة مطولة» دالة على ذات فاعلة مبنية للمجهول، أنتجت القصيدة وجعلتها مطولة. والمقصود هو التدليل على ما لدى الفاعل الشعري من سعي إلى إطالة القصيدة بالمكوث والتمعن والإطناب.
ومن المسوغات أيضا أن مقصدية التطويل تعطي القصيدة بعدًا ملحميًا أكثر مما تعطيها مقصدية جعل القصيدة طويلة فضلا عن حقيقة أن التطويل، لا يحدده النص الشعري وحده، إنما أيضا الشاعر في قدرته على مد نفسه الشعري.
إنَّ هذه المسوغات وغيرها هي التي تجعلنا نرى في مسمى (القصيدة المطولة) مفهومًا دالًا، شاملًا جامعًا، يصلح لكل زمان ومكان فضلا عن كونه يعطي لهذا النوع من الكتابة الشعرية قيمته الاعتبارية بوصفه تمثيلًا نموذجيًا لما قطعه الشعر العربي من مراحل مهمة في الابتكار والتجديد انطلاقا من تمثل الأصول وسيرورة التقاليد.
وما من شك في أن اعتماد هذا المفهوم سيعيد الأهمية لشعراء المطولات، ويعترف بقيمة تجاربهم في هذا المجال، وأثرهم في بلورة نظام الشعر العربي. وما من شاعر يتحدى ذاته إلا وهو يتعمد إطالة قصيدته، قاصدًا اختبارَ شاعريته. وهو أمرٌ لا يجدُ كل شاعرٍ نفسه ملزمًا بفعله سوى: 1/ من كان وعيه بقدراته وإدراكه لحقيقة ما يملكه من أدوات، وما يحمله من أفكار هو الدافع نحو ذلك. 2/ من كان ذا فلسفة حياتية خاصة، وكان لديه وازعٌ داخلي، يجبره على ولوجِ هذا المضمار.
وبالتأكيد هو مضمارٌ غيرُ يسير بالمرة، بسبب ما يحتاجه من جهدٍ جهيدٍ وهمةٍ عاليةٍ في إتمام القصيدة التي هي بالنسبة إلى شاعرها مشروعٌ حياتي كبير.

*كاتبة من العراق



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد