مونديال 2026: العالم كرةٌ في قدم ترامب

مونديال 2026: العالم كرةٌ في قدم ترامب

12-06-2026 12:48 AM

إذا كان امرؤ من أهل التطبيل لسياسات الولايات المتحدة عموماً، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب خصوصاً، فالأرجح أنه لن يجد عجباً في أن تكون حيثيات تنظيم الشطر الأمريكي من مونديال كرة القدم 2026 مشابهة، في كثير وليس في قليل فقط، للعربدة الأمريكية على مستويات كونية؛ وهذا على امتداد التاريخ الأمريكي منذ فجر الإمبريالية، وبصرف النظر عن هوية ساكن البيت الأبيض. فإذا استزاد المرءُ المطبّل ذاته، فتقنّع بالنُسخ الهابطة من «الواقعية السياسية» وأخواتها المبتذلات «العقلانية» و»الذرائعية» و»الموضوعية»؛ فلسوف لن يكتفي باستغراب العجب حيال منع حَكَم صومالي أو مصوّر عراقي من دخول الولايات المتحدة، أو رفض منح التأشيرات لـ 15 عضواً في الجهاز الإداري للمنتخب الإيراني، بل سيشارك في الترويج لمبررات انتهاك حقوق الصومال والعراق وإيران، ثمّ الاتحاد الدولي لكرة القدم، الـ»فيفا»، نفسه في نهاية المطاف، وقد يذهب أبعد (إلى حيث ينبغي له أن يفعل في الواقع) فيستنكر دسّ عناصر «إرهابية» أو «مشبوهة» ضمن الفرق الرياضية!
من أندرو جولياني، رئيس الفريق المشرف على تنظيم الشطر الأمريكي من المونديال، لن تُسمع سوى اللغة الخشبية ذاتها التي تصدر عادة عن الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفت، أو كبار مسؤولي الإدارة أمثال ج دي فانس أو ماركو روبيو أو ترامب نفسه. أليس كافياً، يسأل العبقري، أنّ 35 منتخباً أفلحت في دخول الولايات المتحدة؟ أليست الأسباب «وجيهة» خلف منع «جهات خبيثة من دخول البلاد تحت غطاء كأس العالم»؟ ألا يمكن أن يتوفر «أشخاص يدّعون أنهم مدربون»، لكنهم ربما «يعملون مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني»؟ ولكن، قد تسير إجابة واحدة موحدة على هذه الأسئلة: ومتى كان أيّ مونديال خالياً من هذه المظانّ؟ وكيف يمكن أصلاً كشف طوية الرياضي، إذا كان عنصر استخبارات فرنسي أو أمريكي أو مكسيكي…؟
صحيح، بالطبع، أنّ ترامب ليس الأوّل الذي يسخّر شعبية كرة القدم لتحقيق أغراض غسيل السياسات البغيضة أو تجميل الوجوه القبيحة أو تمرير أجندات كريهة، ولن يكون الأخير بالطبع؛ ما خلا أنّ سلسلة من حيثيات الإعاقة تكتنف الشطر الأمريكي من المونديال الراهن، فلا تتيح التجيير والاستغلال والتسخير فقط، بل تُعطّل الكثير من جوهر الشعبية الطاغية التي تتمتع بها كرة القدم. في راس اللائحة تأتي حقيقة أنّ مواطني ربع البلدان التي بلغت منتخباتها نهايات مونديال 2026 خاضعون لتقييد تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، أو حظرها نهائياً. وحتى أولئك الذين ابتسمت لهم الأقدار وأفلتوا من القيود وحجب التأشيرات، سوف يكون في انتظارهم عناصر شرطة الهجرة والجمارك (الـICE ) ذوي السمعة الإجرامية في ناظر شرائح واسعة من المواطنين الأمريكيين أنفسهم.
ثمة، استطراداً، مسؤولية كبرى ومباشرة تقع على عاتق الـ»فيفا»، سواء في سلسلة الملابسات السلبية التي تقترن بمونديال 2026 الراهن، أو بصفة عامة تتصل بالقوانين التنظيمية التي تتيح لهذا الاتحاد الولي أن يتحكم بمصائر اللاعبين واللعبة والجمهور على حدّ سواء. وبمعزل عن ميزانية 2025، التي تبلغ 13 مليار دولار أمريكي، فإنّ الاتحاد يضمّ 211 من اتحادات كرة قدم على امتداد العالم، وثمة في السياسات العامة ما يسمح بتمرير إجراءات تمثّل انتهاكات صارخة للقانون الدولي (كما في إسباغ الشرعية على أندية كرة القدم الإسرائيلية في المستوطنات غير الشرعية)؛ أو ابتداع جائزة خاصة باسم «سلام الفيفا»، ومنحها للرئيس الأمريكي ترامب، خلال السنة ذاتها التي شهدت حرمانه من نوبل السلام.
وفي مستوى التدابير البسيطة، التي يتوجب أنها جزء لا يتجزأ من الاستقلال السيادي للاتحاد، لم يجد العالم من رئيس الـ»فيفا» تكشيرة احتجاج على الإجراءات الزجرية التي اتخذتها السلطات الأمنية الأمريكية بحقّ الصومال، أو العراق أو إيران أو أوزبكستان؛ تعادل قسط الـ 1 في المئة من ابتساماته العريضة عند إسدال عباءة «جائزة السلام» على كتفَيْ ترامب. وقد يساجل قائل، من طينة المطبّل للسياسات الأمريكية إياه، أنّ الـ»فيفا» لا تملك سلطة إجبار الولايات المتحدة على مخالفة قوانينها بصدد الهجرة، لأنّ هذه سيادية بدورها؛ ولكن ألا يبدأ قرار تنظيم المونديال في هذا البلد أو ذاك من سلسلة تعاقدات صريحة، يشترطها اتحاد الكرة وتُلزم البلد المضيف، وعلى رأسها حقوق المنتخبات الوطنية في اختيار كوادرها، أو… حرية الـ»فيفا» نفسها في انتقاء حكّام المباريات؟
هنا رئيس قوّة كونية عظمى، في حالة حرب مفتوحة ضدّ إيران، بشراكة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، سبقها غزو عسكري مباشر في فنزويلا انطوى على اختطاف أرفع مسؤوليها وزوجته، ويهدد باحتلال جزيرة غرينلاند، ويفرض الرسوم الجمركية أو يرفعها متى شاء؛ تتلاقى سياساته، أو تتكامل، مع اتحاد دولي للعبة الأكثر شعبية في العالم، يعاني من فضائح فساد وتجاوزات شتى، وينخرط في أنساق مختلفة من تبييض القبائح عن طريق الرياضة (Sportswashing حسب التعبير الذي بات شائعاً ومستقراً). أيّ مآل سينجم عن هذا الخليط، سوى استمرار العربدة الأمريكية بطرائق رياضية، أو اختزال العالم إلى كرة قدم يتلاعب بها ترامب… خلال الفترة بين 11 حزيران (يونيو) وحتى 19 تموز (يوليو)، على الأقلّ؟
وأما أصحاب حسن الطالع من جمهور كرة القدم، الأمريكيين منهم ومشجّعي المنتخبات الـ 48، فإنّ معضلتهم المستعصية هي الحصول على تذكرة الدخول إلى الملاعب، والتي تضاعفت أسعارها كأنما دخلت في بورصة شيطانية مجنونة؛ فبلغ سعر بطاقة المباراة النهائية 4,170 دولاراً؛ وتكلفة رحلة القطار من مانهاتن إلى الملعب ارتفعت من 12,70 إلى 148 دولاراً؛ وأسعار البطاقات في بوسطن قفزت من 20 دولاراً إلى أكثر من 80! هنا، أيضاً، قد يساجل مطبّل بأنّ للسوق قوانينها الغاشمة، ما خلا أنّ الدولة المستضيفة للمونديال يتوجب أن تتخذ سلسلة إجراءات احتياطية للحدّ من غلواء الأسواق.
وكأنّ هذه كلها لم تشبع شهية ترامب إلى العربدة، إذ توجّب إضافة الإهانة الوطنية إلى جراح التدابير الإرادية الزجرية؛ فبادر أحد رجالات الإدارة، باولو زامبوللي شاغل الوظيفة الاستعراضية الزائفة «مبعوث الولايات المتحدة الخاصّ للتعاون الدولي»، إلى اقتراح استهبالي مفاده وجوب إقصاء إيران من تصفيات كأس العالم، من باب عقابها أوّلاً، ثمّ استكمال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية بكُرة قدمٍ هذه المرّة وليس بالقاذفات والصواريخ البالستية. ولأنه من أصول إيطالية، وذهنيته الاستشراقية أقرب إلى عنصرية فاضحة مبعثها مركزية أوروبية مَرَضية، فقد اقترح أن تحلّ إيطاليا محلّ إيران، بسبب من تاريخها الكروي العريق، ولأنه لا يجوز أن تغيب عن تصفيات كأس العالم!
وتبقى الحكاية القديمة، في كون الرياضة إجمالاً وكأس العالم لكرة القدم خصوصاً، مناسبات عالية المغزى لجَسر الهوة بين الشعوب، وكسر حواجز الجغرافيا، ومصالحة التواريخ؛ وما إلى ذلك من افتراضات حسنة النيّة، أو هي تتقصد التشديد على الجوانب الإيجابية وطمس السلبيات. الأرجح أنّ الشطر الأمريكي من المونديال لن يفلح في أداء وظيفة كهذه، إذا لم يذهب الظنّ إلى الجانب المعاكس تماماً، كما تقول أبكر النُذَر الصادرة عن حكومة الولايات المتحدة. الأمر الذي لا يعني، في المقابل، تجريد كرة القدم من سحرها الخاصّ والفريد والاستثنائي، من جهة؛ وأنّ النجاح، من جهة ثانية، حليف الترامبية على الدوام، خاصة حين تتلاقى الشعوب على ملاعب الرياضة وروح المنافسة الشريفة.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد