"أفلام Low budget تنافس أفلام عالمية" للناقدة السينمائية دانا بني هاني

"أفلام Low budget تنافس أفلام عالمية" للناقدة السينمائية دانا بني هاني

12-06-2026 01:14 PM

السوسنة - قدّم المخرج والمؤلف الشاب كاري باركر فيلماً سينمائياً يسرد فيه حكاية Bear وهو شاب خجول ومنطوي يقع في حب صديقته Nicky والتي تراه مجرد صديق حتى يدفعه هذا الحب غير المتبادل إلى اللجوء لشجرة الصفصاف السحرية متمنياً أن تحبه أكثر من أي شخص آخر في العالم إلا أن هذه الأمنية البسيطة تسلبها إرادتها عبر السحر وتحوّل مشاعرها إلى هوس وجنون لتتحول أمنية Bear البريئة من حلم جميل إلى كابوس يحوّل حياته إلى جحيم

قرر المخرج كاري باركر أن يصنع فيلمه بعيداً عن المثاليات والمعايير الضخمة ابتداءً من إعطاء الفرصة لمواهب ووجوه جديدة بدلاً من الأسماء العالمية معتمداً على قوة الفكرة وطريقة السرد التي بنيت عبر التشويق وتصاعد التوتر حيث هنا تظهر قوة العمل الحقيقية


أُنجز الفيلم بميزانية بسيطة تبلغ حوالي 750 الف دولار وقد تم تصويره خلال 20 يوماً فقط مستخدماً أربعة مواقع تصوير ليس إلا مما ساهم بتقليل الميزانية وكان المخرج كاري باركر هو أيضاً مسؤولاً عن الكتابة والمونتاج ، رغم هذه المعايير البسيطة حقق الفيلم نجاحاً واسعاً وعالمياً إذ أن إيراداته تجاوزت ال 135 مليون دولار وقد تمكن من الحصول على قبول عالمي ونجاح ضخم على شباك التذاكر حيث نافس أعمالاً من نفس النوع أنتجت بأسماء عالمية وميزانيات ضخمة تفوقه بمراحل وبنائاً على هذا يتم تصنيف فيلم Obsession عملاً ينتمي إلى السينما المستقلة والتي تعتمد على رؤية صانع الفيلم ولا تخضع لسيطرة الإستديوهات الضخمة والمعايير المثالية ، من هنا استطاع كاري باركر توظيف محدودية الميزانية لصالح العمل نفسه فركز على بناء الشخصيات والصراع بدلاً من الاعتماد على المؤثرات البصرية والإستعراض وهذا ما منح الفيلم هويته وجعله قادراً على المنافسة وسط الإنتاجات السينمائية الأضخم

يدور الفيلم بين فكرتي التملك والهوس حيث يقدمهما المخرج كشيء ناتج عن الحب غير المتبادل مما جعل من أمنية Bear البسيطة سجناً أبدياً لـ Nicky سلبت منها حريتها وهويتها حيث استخدم هذه الأمنية بسبب رغبة أنانية في امتلاكها لتعويض شعور النقص وإنعدام الثقة والقيمة الذاتية لديه مما يجعل الفيلم بعيداً عن الحب قريباً من الحاجة المرضية للشعور بالقبول والأهمية

إن العلاقة بين الميزانية القليلة والإبداع السينمائي علاقة معقدة وعكسية حيث تجبر القيود المالية صانع الفيلم على الإبتكار والإعتماد على عناصر سردية وسينمائية أكثر جاذبية من المؤثرات الخاصة باهظة الثمن ولذلك فإن الميزانية المحدودة لم تعد عائقاً سينمائياً بل أصبحت حافزاً لإنتاج أعمال فنية متميزة سينمائياً بعيدة عن الزخرفة الفنية إذ اعتمد فيلم Obsession على البناء المحكم للشخصيات حيث مرّت شخصيات الفيلم بتحولات عديدة بشكل تدريجي في القصة حيث بدأ Bear كشخصية خجولة وغريبة الأطوار ثم بدأ يشعر بقيمته ويتصرف بطريقة واثقة عبر سيطرته على Nicky ومن خلال هوسها ، في المقابل تحوّلت Nicky خلال تطور الأحداث من فتاة اجتماعية ومحبة للحياة إلى شخصية قاسية وتعيسة بسبب هوسها المرتبط برضا Bear عنها فإن اللغة الدرامية التي إستخدمها باركر هي بناء الشخصيات المزدوج (الشخصية المركبة) من خلال استبدال الأدوار بين Nicky و Bear

ولأن الفيلم يعتمد على الميزانية البسيطة فإنه لا بد أن يستخدم الإيجاز الذي يحقق الإيحاء الدلالي من خلال تفعيل منظومة سيميائية قائمة على الرموز والشيفرات حيث تقسم الشيفرة إلى نوعين : عمومية وخصوصية ، وبالعادة تستمد الشيفرة الثانية دلالتها من الأولى وتتمثل الشيفرة العمومية في الدلالات المستمدة من العالم الواقعي وهي دلالات يمكن للمتلقي التعرف إليها حتى خارج سياق الفيلم أما الشيفرة الخصوصية فهي المعنى الجديد الذي يمنحه صانع الفيلم للرمز داخل القصة بحيث يصبح مرتبطاً بأحداث العمل وشخصياته ونجد هذا بالفيلم بشجرة الصفصاف إذ تظهر الشيفرة العمومية حسب البعد الحضاري لها فمثلاً بالحضارة المصرية عُدّت هذه الشجرة مقدسة ولها علاقة بالشفاء ، أما في الحضارات الكنعانية واليونانية ارتبطت بآلهة القمر وكانت ترمز للرقة والجمال الأنثوي ولذلك فإن صانع الفيلم لم يختار هذه الشجرة عبثاً بس استمدّ شيفرته الخصوصية من هذه الشيفرات العمومية فظهرت الشجرة رمزاً لتحقيق الأماني دون ظوابط او حدود لها

يعود هذا النجاح إلى أن الفيلم لم يعتمد على التقنية المثالية أو الإنتاج الضخم بقدر ما اعتمد على دراما محكمة يغلّفها الإيحاء السينمائي الذي رفع من تطور وتوتر الأحداث حيث أن أساس الفن السينمائي وكل الفنون هو الإيحاء والإيجاز بالسرد وليس قدر الإنفاق على العمل



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد