من وردة إلى «وردة»: اختزال الغناء في صورة

من وردة إلى «وردة»: اختزال الغناء في صورة

09-06-2026 01:31 AM

حلّت، منتصف الشهر الماضي، ذكرى رحيل وردة الجزائرية، أميرة الطرب التي طاف صوتها بين الأصقاع، واحد من أجمل الأصوات العربية في القرن الماضي، رافقت ملحنين من أمثال بليغ حمدي، رياض السنباطي، محمّد عبد الوهاب وغيرهم.
ارتبطت في الأذهان بالزّمن الجميل للفنّ، كما عاشت حياة لم تخلو من الاشتباك مع الوقائع، بين باريس والقاهرة وبيروت والجزائر، ظلّت في أعلى مراتب المجد إلى أن انطفأ صوتها قبل أربعة عشر عامًا، عاصرت أسماء مهمة ونافست أصواتا من المقام العالي، من جيلها أو من جيل يسبقها.
إنها مطربة كان بوسعها أن تغني بشبابيك مغلقة، تملأ القاعات ولا تملّ الإذاعات من بثّ أغانيها، ولا يكاد واحد من محبيها لا يتذكر أعمالها، مثل: «حرمت أحبك»، «بتونس بيك»، «العيون السود»، بالإضافة إلى أعمال أخرى لا تزال تردّدها الألسنة. عاش والدها مناضلاً من أجل كرامة البلاد في زمن الاستعمار، وهي عاشت من أجل كرامة الفنّ عقب الاستقلال، وموهبتها لا يختلف فيها اثنان، وتزامنت ذكرى وفاتها بإقامة احتفالية، في دار الأوبرا في الجزائر العاصمة، تخليدًا لروح الفقيدة، لأن سيرتها أو استحضار صوتها من شأنهما جمع النّاس، فجمهورها لا يكفّ عن التمدّد والتّزايد.
ولكن عندما نطلّ على مواقع التواصل الاجتماعي، ندرك الهوة بين الواقع والمواقع، عندما تأتي أصداء ذكرى وفاة وردة الجزائرية خافتة، وتنحصر في حيز من النخبة التي لا تزال وفية لها، وينشرون صورها أو روابط أعمالها أو يترحمون عليها في ذكرى وفاتها.
في المقابل نجد أن جمهورًا أوسع من ناشطي المواقع مهتم بوردة، ولكن هذه المرّة ليست وردة الجزائرية، بل وردة أخرى، تطلق على نفسها اسم: وردة شارلومنتي.
هذه الأخيرة صارت نجمة في منصات مثل فيسبوك أو تيك توك، نرى صورها وفيديوهاتها تتكرّر في كلّ حين، لكن لا علاقة لها بوردة الجزائرية.
إن المغنية الثانية التي سنضع اسمها بين قوسين، إنّها (وردة) لكنها لم تستلهم شيئًا من سيرة وردة الأصلية. بل هي النقيض الطبيعي للأولى، عندما نصغي إليها نتحسر على المنحدر التي وصل إليه الغناء في الجزائر.
إنّها مغنية أو هكذا تسمي نفسها، تقيم حفلات في ليالٍ يختلط فيها النشاز بالموسيقى الصاخبة، بل حوّلت الموسيقى إلى مجرد صورة، لأن متابعيها يطاردون صورها وفيديوهات (وردة) أكثر مما تعنيهم أعمالها. لكن هذه المغنية التي تتقاطع مع وردة الجزائرية في الاسم فحسب، صارت نجمة مواقع التواصل الاجتماعي، لأنّ الجميع يتحدث عنها ويتابع أخبارها، وحفلاتها لا تنتهي، إنها في صدارة الاهتمام وهنا الغرابة في الموضوع.
كيف أن مغنية لا صوت مميّز لها ولا كلمات أغانٍ من شأنها أن تعلق في الذاكرة، ومع ذلك صارت في الصدارة؟ إنّها من نتائج مواقع التواصل الاجتماعي، وهي مواقع تعلي من شأن الترفيه والفضائح أكثر من الإعلاء من شان الفنّ. كلّما زادت فضائح مغنٍ أو زاد حضوره في الكلام، زادت شعبيته. و(وردة) تحظى بقاعدة شعبية، ولكن إن سألنا واحدًا من متابعيها عن أشهر أغاني المغنية سيعجز في الردّ.
وهذه الحالة ليست استثناء، بل تحوّلت إلى قاعدة. انتقلت البلاد من زمن وردة الجزائرية، من زمن الطرب والخامة الصوتية، من زمن التلحين والكلمات المقتبسة من قصائد كبار الشعراء، إلى زمن صارت فيه الأغنية تشتهر حسب انتشار صاحبها، وانتشار صاحبها لا يتكّل على موهبة ولا على حرفة، بل يتّكل على احتلال مواقع التواصل الاجتماعي.
في زمن مضى كانت معارك المطربين تدور في الأستديوهات، في إصدار ألبوم وفي الترويج لها، بينما معارك المغنين في الزّمن الحالي تدور بين فيسبوك وتيك توك، في قدرة كلّ مغنٍ على كسب أعلى أرقام المشاهدة.
مع توسع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، في الجزائر، برزت ظاهرة (وردة)، وهي بالفعل ظاهرة وليست صوتًا أو أداء، بل صعدت إلى السطح كواحد من إفرازات المرحلة الجديدة، كنتاج للطريقة الجديدة في التّعامل مع الغناء، حيث أن المغني لم يعد يهتمّ بالطرب أو الفنّ، لا يبالي بالعزف أو التلحين، لا بالكلمات ولا بالصوت، لا بالنّقاش ولا بهيئته على المسرح، بل يعنيه أن يكسب أعلى قدر ممكن من المعجبين ومن اللايكات، وكلّما زادت شهرته على مواقع التّواصل ينعكس الأمر على الواقع، يثبت وجوده افتراضيا قبل أن يعلن عن حضوره فعليًا، فتتهاطل عليه الدّعوات في إحياء سهرات.
لم تعد الموسيقى في الجزائر تستلهم من رموز على غرار وردة الجزائرية، بل ابتكرت قاعدة جديدة لها، مفادها أن التربة الخصبة للنجاح تبدأ من «السوشيال ميديا»، وهي عملية مراوغة، تعطي انطباعًا أن المغني مهمّ ولكن عندما نصغي إلى مضمون أعماله سوف تنقلب الآراء عليه.
ومن أجل أن تزيد شهرة مغنّ على المواقع فإن الأمر لا يعني أن ينشر وصلات غنائية ولا أن يبادر في نشر أداء له، بل تراكم المتابعين يتأتى من تراكم الفضائح، في أن يبيح حياته الخاصة للعامة، في إثارة الجدل وفي نشر فيديوهات تهجو فلانًا أو تمتدح آخر. كلّما زاد الصخب زاد الإقبال على مغنٍ بعينه، هكذا هي صنعة مواقع التواصل الاجتماعي. فالمغني الجديد يعلم أن طريق النجاح لا يمر من التخرّج في معهد موسيقى، ولا في التدرب على يد واحد من شيوخ الفنّ، بل طريق النجاح يبدأ من تدشين حساب على فيسبوك أو تيك. ثم تحريك المتابعين باستفزازهم بما يتيح له انتشارً.
هكذا هو الحال في المشهد، انتقلت الموسيقى من وردة الجزائرية إلى (وردة) أخرى، من سيدة الطرب إلى سيدة مواقع التواصل الاجتماعي. كما انتقل الجمهور من تذوّق الفنّ إلى التعطّش إلى الجدل والفضائح لكي لا يشعر بالملل.

كاتب من الجزائر



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد