ثلج… ثلج… ثلج وفي العراقِ جوع
21-07-2026 11:13 AM
في هذا الصيف لم أعد أؤمن بالنشرات الجوية، لأن درجات الحرارة التي تعلنها تبدو أرقاماً مهذبة لا علاقة لها بما تفعله الشمس فعلياً بأعصاب الناس. يكفي أن تقف دقيقة واحدة في شارع عراقي حتى ترى الإنسان يتبخر ببطء، لا من جسده، بل من روحه، وتشعر أن الكائن العراقي لم يعد يمشي على قدميه، بل على آخر قطرة من صبره، لأن الجميع يعيش على الحافة؛ حافة الحر، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء، ثم حافة الأخبار التي لا تكف عن اختبار قدرة القلب والجسد على الاحتمال.
لقد تجاوزت الحرارة منذ زمن حدود الظواهر الطبيعية، وأصبحت بالتقادم قوة سياسية قادرة على إسقاط الحكومات، وهدم الزيجات، وإشعال المعارك في طوابير الخبز. في تموز، حيث يمكن لأكثر الناس تهذيباً أن يخوض معركة وجودية مع موظف قال له: «راجعنا باچر»، ويمكن للرجل الذي كتب لحبيبته قصائد عن الخلود أن يفكر جدياً في طلاقها لأنها أطفأت المكيف خمس دقائق. أما مقود السيارة فيتحول إلى قطعة فحم مشتعلة، ومقبض الباب يغدو امتحاناً للشجاعة، وتصعد رائحة الإسفلت من الأرض؛ كأننا عدنا إلى شهر مايو من عام 1951 حيث حريق بغداد الشهير، الذي أضحت حرارته تتطابق مع يوم عادي من أيام تموز في الألفية الجديدة.
وسط هذه الحرب السنوية مع الشمس، اكتشفت علاجاً غريباً لا يحتاج إلى وصفة طبية ولا إلى موافقة وزارة الصحة: الثلج المجروش. اشتريت كيساً صغيراً بالمصادفة، ثم شعرت أنني لا آكل ثلجاً، بل أبتلع قطعة من كانون الثاني، بدأت بكأس واحدة مغطاة حتى حافتها بالثلج الناعم، وبعد مدة قصيرة أصبحت البائعة ترفع الكيس الأبيض بمجرد أن تراني من بعيد، وكأنها تتعامل مع زبونة فقدت عقلها في قسم المثلجات.
شيئاً فشيئاً، صار الثلج أهم من الطعام نفسه. لم أعد أفتح الثلاجة لأبحث عن الغداء، بل لأطمئن إلى سلامة مخزوني، وكنت أحدق في المكعبات البيضاء كما ينظر الناس إلى سبائك الذهب. لقد صرت امرأة تأكل الشتاء بالملاعق، وتتعامل مع الفريزر بوصفه البنك المركزي الوحيد الذي ما زالت تثق باحتياطاته.
ثم بدأت ألاحظ أن الثلج يختفي من المحلات القريبة. ذهبت إلى حي آخر فوجدته قد نفد هناك أيضاً، وأخبرتني البائعة أن معامل الثلج لم تعد تستطيع تزويد المحلات بهذا الطلب. عندها شعرت بوخزة ضمير، وتخيلت نشرة أخبار عالمية تعلن أن مجلس الأمن عقد جلسة طارئة لمناقشة الأزمة المفاجئة في إنتاج الثلج، ثم يظهر خبير مناخي أمام خريطة الأرض ويقول بجدية إن الاحتباس الحراري بريء تماماً، وإن التحقيقات أثبتت أن المتهمة الرئيسية امرأة عراقية تأكل الثلج كأنها تريد إعادة تجميد الكوكب وحدها. ومن شدة تأنيب الضمير، فكرت أن أكتب اعتذاراً رسمياً إلى الأمم المتحدة، ثم تراجعت، لأن العراق اعتذر كثيراً عن أشياء لم يرتكبها، وليس من المنطقي أن أضيف إلى سجله تهمة اختفاء الثلج أيضاً.
ضحكت من الفكرة، لكنها بدت أقل جنوناً من العالم الذي نعيش فيه. ثم تذكرت أن بغداد نفسها كيف كانت تاريخياً مولعة بالثلج قبلي بقرون. أتذكر أنني قرأت يوماً عن سوق عظيمة للثلج في بغداد العباسية، أو عما يشبه مدينة صغيرة نشأت حول تجارته تسمى «مدينة الثلج»، ولا أذكر المرجع على وجه الدقة. ومن شدة هذا الحر، تكاسلت عن العودة إلى الكتب للتأكد؛ فإذا كان التاريخ نفسه يذوب في تموز، فمن حقي أن يذوب معه اسم المرجع. لكن ما لا خلاف عليه أن الخلفاء العباسيين، وفي مقدمتهم هارون الرشيد، كانوا مولعين بالثلج الذي يجلب من الجبال، حيث كان يُكبس في أكياس مصنوعة من الخيش ويُغمر تماماً بنشارة الخشب أو التبن ليعمل كعازل حراري قوي يمنع ذوبانه.
واستخدموا صهاريج ومخازن عميقة تحت الأرض تُعرف بـ «المثالج»، تتميز بجدران سميكة جداً مصنوعة من الطين المقاوم للحرارة، بينما كان الثلج يُنقل بواسطة قوارب مجهزة خصيصاً في الأنهار أو عبر البغال والقوافل ليلاً أو في أسرع وقت ممكن، ويباع بأسعار مرتفعة للحكام في الصيف، ويحفظ في المثالج المحفورة تحت الأرض، ويغطى بالتبن ونشارة الخشب حتى يصمد إلى الصيف القادم.
تأملت هذه الفكرة طويلاً. كان هارون الرشيد غنياً، ويبدو غنياً أيضاً، لا لأن ثيابه كانت أفخر من غيرها، بل لأنه كان يعيش داخل مشروع دولة. حتى ترفه كان جرعة مكثفة من الحضارة، وحتى جنونه بالثلج تحول إلى تجارة ومهنة وحركة اقتصادية ينتفع منها الناس. وكانَ يعمم الثلج على الشعب، مما أنشأ سوق الثلج أو مدينتهُ، لتزويد الشعب أيام الصيف اللاهب بالثلج وطرحه كمنتج يجلب للناس المتعة والرفاهية والانتعاش النفسي والاقتصادي؛ أحب الحاكم شيئاً فصار ذلك الشيء جزءاً من حياة المدينة. أما اليوم، فيمكن لإنسان أن يمتلك من الأموال ما يكفي لبناء مدينة كاملة يسرقها ثم يخفيها تحت الأرض ببراميل الطرشي، ثم يبدو من الخارج كأنه مختلف مع الحياة على أجرة التكسي. كنت أظن أن أصحاب الثروات الهائلة لا بد أن يشبهوا الأباطرة الذين خرجوا من لوحات عصر النهضة؛ قامات مهيبة، وذوقاً يليق بما يملكون، وملابس أنيقة بالإضافة إلى وجوه نظيفة. لكنني اكتشفت أن المال لا يربي الذوق، ولا يشتري الهيبة، ولا يخيط بدلة واحدة من الكرامة. لقد خرجت الأموال مؤخراً في العراق وأمام الناس من مخابئها بطريقة أكثر رثاثة، تضاهي رثاثة النفس والمظهر وابتذال الأخلاق وربطات العنق، وكأن حتى الثروة لم تأخذ حصتها من النبل، هي الأخرى بدأت تشير إلى أصحابها بدنو القيمة وضحالة الروح، بينما نجح أصحابها في التعبير عن مدى السهولة والطرق الوضيعة التي حصلوا عليها من خلالها. فالإفلاس الحقيقي قد يغادر الجيوب، لكنه أحياناً يظل مقيماً في الوجوه.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن العباسيين كانوا يدفنون الثلج ويخفونه تحت التراب ليخرج في الصيف فيبرد أفواه الناس، أما الآن فتدفن الأموال التي كان يمكن أن تبني مدارس ومستشفيات وجسوراً ومدناً، ثم يترك الناس يحترقون فوقها من دون أن يعرفوا أنهم يعيشون فوق ثرواتهم. في بغداد القديمة، كانت الأرض أمينة على البرودة، أما في بغداد الحديثة فقد أصبحت أمينة على الطمع. الفرق بين الحضارتين ليس ما دفن تحت التراب، بل ما خرج منه. هناك كان يخرج الثلج، وهنا تخرج خزائن النقود. هناك كان الصيف ينتظر الأرض، وهنا صارت الأرض تنتظر المحققين.
كنت ذكرت هذه الحادثة في رواية «ساعة بغداد». فطوال طفولتي، كنت أسأل جدتي عن صورة رجل قديم معلقة في البيت، وكانت تتبرم من كثرة أسئلتي وتقول على عجل: «هذا جدچ هارون الرشيد». كبرت وعرفت أنه لم يكن جدي، لكنني اكتشفت أن بيني وبينه قرابة من نوع آخر؛ فقد ورثت عنه، أو هكذا أحب أن أتخيل، الولع بالثلج، بينما ورث آخرون شغفاً بكل ما يدفن تحت الأرض.
لذلك، إذا سمعتم غداً عن أزمة عالمية جديدة في الثلج، فلا تتهموا تراجع البيئة آنذاك. فقط ابحثوا أولاً عن امرأة من بغداد ما زالت تؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يدفن تحت الأرض هو شيء سيخرج يوماً ليبرد الناس وقلوبهم. أما إذا وجدتم تحت الأرض شيئاً آخر فاعلموا أنني لست من تلك السلالة ولا هم يستحقون أن يكونوا خلفاء لبلد عظيم مثل العراق.
منظمات الهيكل تخطط لأكبر اقتحام للأقصى في ذكرى خراب الهيكل
مجلس النواب يُقر إلغاء قانون الاستهلاكية المدنية
الطاقة توقع اتفاقية لإعداد عطاء مشروع الغاز لمنطقة الملك الحسين التنموية
الاحتلال يطلق النار على عناصر من الجيش اللبناني في منطقة تجريبية
بدء أعمال مشروع صيانة طريق المغطس بمنطقة البحر الميت
محافظة جرش تُفعل غرفة العمليات وتعلن جاهزيتها لانطلاق مهرجان جرش
إن لم تُبهرهم بذكائك .. فحيرهم بغبائك
الأمم المتحدة: تراجع معدل الجوع عالميا ومخاطر المناخ تهدد التقدم
عمّان تتصدّر قائمة أفضل المدن الطّلابيّة في الوطنِ العربيّ والشّرق الأوسط حسب تصنيف QS العالميّ
إعلان المستفيدين من أول دفعة لمشروع أراضي المعلمين .. أسماء
إيقاف مخبز كبير في جرش وإنذار 7 معامل لمخالفات السلامة
تدوير المناصب والأشخاص؛ إلى متى .. !
«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟
لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين
فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء
حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن
البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي
بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية
الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن
تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء
السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل
بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني
بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة
وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق
إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ
